«من المحتمل جداً أن أكون أول مرشح يخوض السباق الرئاسي ويحقق منه ربحاً مالياً» ــــ دونالد ترامب في مقابلة لمجلة «فورتشن»، نيسان 2000.

أيام جورج بوش الابن، كان العديد من المحللين يعزون فوز الحزب الجمهوري بولايتين رئاسيتين، واستعادة السيطرة على الكونغرس للمرة الأولى منذ عقود، الى استراتيجية كارل روف، العقل المخطط خلف حملات جورج بوش وحزبه.

كانت نظرية روف، باختصار، أنه في الإمكان عقد تحالفٍ انتخابي واسعٍ، محافظٍ ومسيحي، يتحوّل الى ما يشبه «الأكثرية الدائمة»، ويضمن الفوز للجمهوريين في أية انتخابات على المستوى الوطني. يُقال إن ميزة استراتيجية كارل روف (في جمع القاعدة التقليدية للحزب بكنائس الجنوب، الذين يحشدون للتصويت كأنهم في حرب دينية) كانت في أن حلفه الانتخابي كان «رخيصاً»، بمعنى أن أكثر هذه المجموعات ــــ المتدينون، المؤيدون لحق المواطنين بحمل السلاح، الليبرتانيون، المعارضون للهجرة الخ ــــ يجمعها أنها لا تفرض مطالب، بالمعنى المادي والاجتماعي، على الدولة وعلى حزبها؛ بل هي تريد من الحكومة أن تبتعد عنها وأن لا تتدخل في تدينها أو حياتها الشخصية، أو تطلب تنازلات رمزية فحسب، تتعلق بالدين والهوية.
مع انتهاء حقبة بوش وكارل روف، حاولت القيادة الجديدة للحزب ــــ بالنظر الى التغير في الديمغرافيا الأميركية ــــ اعتماد سياسة «خيمة كبيرة»، تجذب الأقليات والمهاجرين الى الحزب، ولا تُشعر أي مجموعة أميركية بالإقصاء، وتحاول التخلص من صورة «الحزب الأبيض العنصري» التي التصقت بالجمهوريين مؤخراً. دونالد ترامب، المرشّح الذي جاء الى الساحة السياسية من «تلفزيون الواقع»، قد ضمن تدمير هذه الخطة بالكامل.
جيب بوش، الذي يجسّد صورة «الجمهوري الجديد» (أبيض مُحافظ، ولكنه تحول الى الكاثوليكية وزوجته مكسيكية الأصل ويتكلم الاسبانية)، والذي يحظى بدعم قيادات الحزب ومموليه، انزلق الى المركز الخامس بين المرشحين الجمهوريين في استطلاعات الرأي، التي ما زال ترامب يتصدّرها بفارقٍ كبير. مثل هيلاري كلينتون على الجانب الديمقراطي، كان مقدّراً لجيب بوش أن يحصد الترشيح الجمهوري بسهولة، وهو قد جمع أكثر من مئة مليون دولار لحملته قبل أن تبدأ المراحل التمهيدية للسباق، ولكن دخول ترامب غيّر كل الحسابات.
بلغة الأرقام والاحصاءات، التي يجري على أساسها تخطيط الحملات ورسم سلوك السياسيين وخطابهم، فإن ترامب لا يملك أية فرصة للفوز في انتخابات رئاسية عامّة؛ فلا يمكنك أن تربح الولايات الحاسمة وتصير رئيساً في أميركا وانت قد أهنت ذوي الأصول الاسبانية، وتهدد المهاجرين بالترحيل والتجريد من الجنسية، وتشتم مجموعة جديدة كل أسبوع (في الأيام الماضية فقط، مثلاً، لم يبد ترامب اعتراضاً على كلام عنصري بشدة ضد المسلمين قيل في حضوره، وأكد، في معرض «التبرير» لفعله، أن هناك بالفعل «مشكلة» مع الاسلام، وقال بعدها بيوم إن لا ضرورة لمعرفة السياسة الخارجية وحفظ أسماء القادة والزعماء، فهم يتغيرون طوال الوقت، ثم أنكر، في مقابلة على الراديو البارحة، وجود ظاهرة الاحتباس الحراري). الا أن هذه الحسابات، والكمّ الهائل من المقالات والدراسات التي تتنبأ، أسبوعياً، بانهيار حملة ترامب وانتهاء ظاهرته، لا تغيّر واقع أن الانتخابات التمهيدية ستبدأ في أيوا بعد أربعة شهور، وترامب لا يزال في مقدمة المرشحين، وهو يحدد، على الجانب الجمهوري، خطاب السباق بأكمله.
بعد تجاهله واحتقاره لأشهر (قررت «هافينغتون بوست» مثلاً أن تضع كل أخبار ترامب في فئة «التسلية» على موقعها) بدأ الإعلام بالإنشغال في «تفسير» ظاهرة ترامب، ومعنى أن يقترب ملياردير لا يعرف شيئاً عن السياسة الى نيل ترشيح أحد الحزبين الكبيرين في أقوى بلدٍ في العالم. الاعلام القريب للديمقراطيين استغل للفرصة للنيل من الحزب الجمهوري عموماً، والتنظير بأن ترامب يمثّل النسخة «الخام» للأفكار والغرائز التي حشد الجمهوريون حولها مؤيديهم في السنوات الأخيرة: الخوف من المهاجرين، كراهية الأقليات، تقدير الكلام «الصريح» (أي العنصري). أما مجلة «جاكوبين» اليسارية، فقد قال كاتب فيها إن ترامب هو تجسيد منطقي للنظام الأميركي الرأسمالي بكامله (جمهوريين وديمقراطيين). بينما ادّعت «نيويورك تايمز ماغازين»، في تحقيق مطوّل، أن ترامب «مفيد» للديمقراطية الأميركية، اذ أنه يلعب دور «المجنون الصريح»، الذي ــــ بتخليه عن «قواعد اللعبة» السياسية ــــ كشف ثغرات في النظام، وأظهر زيف «الطريقة التقليدية» التي يجري عبرها تقديم السياسيين الى الجمهور.
مهما يكن، فإن ترامب مستمر الى اليوم، ويكسب شعبياً، لأنه يمزج ــــ في آن ــــ بين أهم ميزتين انتخابيتين في النظام السياسي الأميركي: أن تملك الكثير من المال، وأن تقدّم نفسك كـ «خارجي» عن النظام السياسي التقليدي في واشنطن، ومصالحه ولوبياته وفساده. هو قادرٌ على صرف أموالٍ طائلة على حملته (من ثروته الخاصة) وأن يجاهر، في الوقت نفسه، بأنه لا يتلقى تمويلاً من أحد، ولا يدين لأحدٍ بشيء. بل يسخر من منافسيه حين يحضرون اجتماعاتٍ مع كبار الممولين، ويعيّر هيلاري كلينتون وزوجها بأنهما «كانا مجبرين» على حضور حفل زواجه الأخير، لأنه يدفع المال لجمعيتهما.
بالتوازي مع صعود «النيوليبرالية» في العقدين الماضيين، صعدت في السينما الأميركية صورة جديدة عن «البطل»، جسدتها شخصية زعيم المافيا «توني سوبرانو» في بداية الألفية عبر برنامج «ذا سوبرانوس»، والذي كان أكثر المسلسلات الأميركية نجاحاً لسنوات. بدلاً من صورة البطل التقليدي، «الأخلاقي النبيل»، قدّم المسلسل «بطلاً» يثير الإعجاب لأنه يفعل ما يريد، ويأخذ ما يريد، ويملك المال والنساء الجميلات، ولا يأبه الا لنفسه. دونالد ترامب نقل هذه «الجماليات» الى ساحة السياسة، واميركا تحبّه.