وائل عبد الفتاح

ألعاب الدولة بدأت ضد البرادعي. انتصب السيرك بكامل طاقمه، وفتح النظام مخازنه على مصاريعها لتخرج العجائب. جمعية أهلية تقيم دعوى على وزير الداخلية لأنه لم يعتقل البرادعي وقادة المعارضة الذين اجتمعوا في بيته. وبعدها بساعات، أعلنت ٧ أحزاب، مجهولة تقريباً، جبهة اسمها «حماية مصر»، وتهدف إلى توقيف «مخطط» البرادعي الذي عدّته «صهيونياً أميركياً لزعزعة استقرار البلد».
وبالتزامن، كتب صحافي من حراس النظام: «الجيش لن يقف متفرجاً»، في إشارة تحريض أو تهديد لمن يطالب بتغيير قواعد الانتخابات الرئاسية في مصر الموضوعة في المادة ٧٦ الشهيرة.
كل هؤلاء يحمون مصر من «التغيير».
السيرك السياسي المنصوب يركّز على أن مبارك يملك «الوطنية» والاستقرار، بينما معارضوه الخارجون عن النصر «خونة» و«انقلابيون».
هنا تستشعر الدولة الخطر وتعدّ التغيير مخططاً صهيونياً أميركياً يقوده البرادعي ليفسد «السلام الوطني» ويفتّت عزم الواقفين في مواجهة العدو الإسرائيلي.
هكذا يريد النظام توزيع صكوك الوطنية والعمالة، رغم انتقالاته من قيادة التحالف ضد إسرائيل إلى قيادة تحالف مع إسرائيل ضد تنظيمات، اتفق معها على تصنيفها إرهابية.
الدولة في مصر تريد أن تدير اللعبة كلها. هذا هو استقرارها الوحيد. شمولية لا تريد أن تحتكر السلطة فقط، لكنها تريد أن تكون معارضتها أيضاً.
الدولة أمّمت السياسة رغم اختلاف الوضع من عبد الناصر إلى مبارك مروراً بالسادات. عبد الناصر وضع البلد كله في التنظيم الواحد. والسادات أخرج من تحت العباءة ثلاث بذور لأحزاب تحت رعايته. ومبارك بعدما اتسع الطيف السياسي، طبّق نوعاً من التأميم السري (أو من الباطن) لتكون كل المعارضة في الجيب الخلفي للسلطة تستدعيها وقتما تشاء. معارضة منزوعة الأسنان وفاقدة لجهاز مناعتها وقوتها الحيوية. التأميم بوضوح عبد الناصر ودهاء السادات وحيل مبارك، أفسد قابلية المجتمع المصري للتعدد.
لم يعد الذوق المصري يقبل بسهولة التعدد. لا يزال هناك استعداد قوي للتوحيد والصف واليونيفورم السياسي. وهذا جوهر ألعاب النظام ضد التغيير ومداعبته للفكرة القديمة: «الدولة بابا وماما ومختصر البلد كلها».
هكذا تبدو الدولة وطنية حين يأتيها خطر التغيير، وتدافع عن العروبة وتذكّر بأمجادها في «صوت العرب»، حين يظهر شخص من خارج السيرك يتكلم بنبرة لا تنفع معها الأساليب المجرّبة.
التغيير لا يعني أن يكون البرادعي رئيساً لمصر. التغيير يعني أن يكون البرادعي أحد الاقتراحات لا الاقتراح الوحيد أو «الرئيس التوافقي». فكرة الرئيس التوافقي قاتلة لمعنى التغيير، لأنها تختصر ببساطة الطيف السياسي كله في لون واحد وشخص واحد، بينما التغيير يعني ببساطة تعدد ألوان ومرشحين وبرامج.
هل يعني ظهور البرادعي أن تلغي المعارضة نفسها؟ هل من الضروري أن يتحمّل البرادعي أجندات المعارضة ولو لم يوافق عليها؟ هل من الضروري أن يكون البرادعي تلخيصاً للحركة الوطنية أو للسعي من أجل التغيير؟ ماذا سيفعل البرادعي مع حمولة الفشل الضخمة التي لاقتها التجارب السابقة للمعارضة؟ لماذا تثقل الروح الجديدة القادمة من خارج الدائرة بحطام اللاعبين السابقين؟ هل من الضروري أن يكون كل جهد البرادعي هو التوفيق بين تيارات متعارضة وتحقيق التوازن بين مصالح هذه التيارات ليتكرر الفشل وتصل المعارضة إلى الحائط المسدود نفسه؟ هل لا بد من أن يقف البرادعي هو الآخر بعد شهور قليلة على حائط المبكى للمعارضة المصرية يشكو ويعاني من الاضطهاد؟
البرادعي ليس «كفاية» الثانية، ولا جبهة تحالف انتخابي. إنه «حالة جديدة» في السياسة المصرية. كفاية الأولى حققت دورها في كسر حاجز الخوف وتصعيد الاحتجاج إلى حالته القصوى. وانتهت اكلينيكياً بعد أداء الدور ووقعت في الفخ السهل عندما أرادت أن تكون ملخص الحركة السياسية في مصر واستهلكت كل الطاقات المهمة داخلها في محاولة «التوفيق» بين تيارات سياسية محبطة أساساً.
في إحدى السهرات الاجتماعية، سألت الدكتور عبد الجليل مصطفى، وكان يومها منسّق كفاية، «لماذا تبذلون جهداً في التوفيق بين الشيوعيين والإخوان وبين الناصريين والتيار الثوري؟
لماذا لا تقترحون برنامجاً يخصّ أفكاركم وكل من يجدها على هواه وفي خدمة طريقه السياسي سينضم إليكم، وعلى من يعترض أن يبحث عن طريق آخر؟».
لكنّ حركات المعارضة، من فرط إحساسها بالضعف، تريد أن تتجمع كلها في كيان واحد ووحيد. «الكوكتيل» هو موضة المعارضة، رغم أنه فشل مرات عدة، ووصل إلى أقصى إمكانياته في تجارب أخرى.
في كوكتيل المعارضة صراع على فرض الأجندات الخفية أو الأهداف غير المعلنة. لأن كل ضعيف يريد أن يعلن قوته من على منصة الآخرين أو على حساب الآخرين. وهي معارضة على طريقة دوري المظاليم، تنتظر دائماً غضب النظام لتتأوّه، ومنهم من هو «دولاتي» أكثر من الدولة نفسها، ويرى روحها وطنية رغم أن الجمهورية التي أعلنت في ١٩٥٢ تتآكل وتورث إلى العائلات. لكنها لا تزال الأمل والهدف الذي يمنع التفكير في جمهورية جديدة من دون كوكتيل.