صدر في الآونة الأخيرة كتاب «السعودية... سيرة دولة ومجتمع» للباحث الجادّ د. عبد العزيز الخضر. وقد أحدث الكتاب جدلاً واسعاً ومستحقاً على مستوى النخب السياسية والثقافية في المملكة، نظراً لما تميّز به من رصد دؤوب وعمق تحليلي اتسم بالجرأة والرصانة. هنا إضاءة على مشهد تطرّق إليه الكتاب، وهو يتناول خطاب حرب الخليج وتحرير الكويت


أحمد عدنان*
يتطرق هذا المقال إلى مشهد سياسي تناوله الباحث عبد العزيز الخضر في كتابه «السعودية... سيرة دولة ومجتمع»، ألا وهو خطاب حرب الخليج أو العريضة المدنية التي رفعتها إلى الملك فهد بن عبد العزيز مجموعة من كبار رجال الدولة ومثقفيها ووجهائها، وعلى رأسهم الوزراء السابقون أحمد صلاح جمجوم وعبد الله الدباغ ومحمد عبده يماني استجابةً للتحديات التي فرضتها حرب تحرير الكويت على البلاد. خطاب يشيرون فيه إلى أهمية المضي قدماً في ترسيخ التطبيق الشامل للشريعة، من إقامة العدل وتحقيق المساواة وإشاعة الإصلاح. ومن وسائل ذلك: وضع إطار تنظيمي للفتوى، والشروع في تكوين مجلس الشورى، وإحياء المجالس البلدية، ومراجعة أوضاع القضاء، وتنظيم الحرية الإعلامية، والإصلاح الجذري والشامل لقطاعي التعليم وهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتمكين المرأة في الحياة العامة.
يقول الخضر في فصل «عقل المعارضة» أن العريضة المدنية التي اشتهرت في كانون الأوّل/ ديسمبر 1990 باسم العريضة (المدنية) أو (العلمانية) عند التيار الإسلامي، قد حررها د.عبد الله مناع، وساهم معه أيضاً محمد سعيد طيب نقلاً عن لقاء معه في قناة إل. بي. سي. أيار (مايو) 2009.
ويشرح الخضر أن العريضة جاءت في أجواء حرب الخليج وبعد أحداث ساخنة جداً. ويقول إنّه أوّل ما سمع بهذه العريضة في ذلك الوقت، توقّع أنها مجرد مطالب سياسية حول الشورى وبعض الإصلاحات، ولم يفهم لماذا كانت سمعتها سيئة عند نخب الصحوة وتيارها في حينها وقلقوا منها، ثم عندما قرأها لاحظ أنها تعرضت لقضايا حساسة عند التيار الإسلامي، حول الإفتاء، وهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومسألة المرأة، وهذا ما فسر الإحساس بالمؤامرة عند التيار الإسلامي ودفعه للبدء في مشروع خطاب المطالب، ثم مذكرة النصيحة، ولخص الخضر ملاحظاته على العريضة المدنية كالتالي:
ــــ إن من صاغها لديه خبرة وحنكة في الكتابة السياسية، فقد جاءت المطالبات في سياق مؤدب وراق من الولاء المحترم، والتقدير للشريعة والأسرة الحاكمة، وكانت جميع المطالب عقلانية وغير مستفزة حتى لأصحاب الرؤية المحافظة، وكانت أكثر دقة من خطاب المطالب الذي قدمه الإسلاميون، والذي تطور إلى مذكرة النصيحة.
ــــ بالنسبة للأسماء الثلاثة والأربعين الموقعة على العريضة، فلم تكن كثيرة جداً ولا نتيجة تجميع عشوائي يفقدها رصانتها. كانت الأسماء مختارة بعناية، وهناك عدة أسماء يغلب عليها الاعتدال في منهجها، وفيها أيضاً كتاب وأسماء مستنيرة، ومشهورة عند تيار الصحوة (كأحمد محمد جمال وصالح محمد جمال)، وفيها تنوع مناطقي معقول. كان ينقص هذه العريضة شيخ تقليدي قريب من المؤسسة الرسمية.
ــــ كان من مميزات هذه العريضة أنها لم تُنشر على نطاق واسع أو كمنشور على عكس خطاب المطالب الذي انتشر وأصبح مستفزاً للسياسي في حينها. والمفارقة اللافتة أن بدايتها كانت تتضمن آيات وأحاديث أكثر من خطاب المطالب الذي وقع عليه علماء التيار الإسلامي!

الإصلاحات السياسية التي طالبت بها العريضة المدنية كان النظام السعودي قد وعد بتحقيقها أكثر من مرة
وتقديراً للجهد الواضح الذي بذله الخضر في كتابه، أود أن أحيي هذا المجهود وصاحبه برواية قصة العريضة المدنية من باب التصحيح أو التوضيح معتمداً على شهادات محمد سعيد طيب ود. عبد الله مناع وعلي الدميني، وخصوصاً أنّ الخضر أشار إلى اللقاء التلفزيوني الذي أجريته مع الطيب الذي أجاب حين سألته عن العريضة المدنية بأنه والمناع كانا ممن شاركوا في كتابتها.
في البدء، يجدر التنويه بأن الأب الروحي لهذه العريضة بلا منازع، هو الشيخ أحمد صلاح جمجوم (وزير التجارة الأسبق، ويعدّ من رجالات الملك فيصل، وعرف بتوجهه الإسلامي، مع التأكيد أنه ليس صحوياً، حيث يرأس الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بمنطقة مكة المكرمة منذ فترة طويلة). والسبب أنه بعد قرار الاستعانة بالقوات الأميركية لتحرير الكويت، اجتمع وزير الداخلية الأمير نايف بن عبد العزيز بتاريخ 18/8/1990 مع مجموعة من الشخصيات العامة ورجال الإعلام في جدة لتوضيح قرار الاستعانة من باب التهدئة الاجتماعية والتواصل مع التيارات المختلفة، وكان مما قاله الأمير: «هناك نقطتان أساسيتان في الأمر... الأولى: هي أن الجرم كبير ويجب أن نرفضه وهو اكتساح صدام حسين وتشريده لشعب الكويت واحتلاله الكامل للكويت، الثانية: أن ندعم موقف دولتنا في أخذ جميع الاستعدادات وأخذ جميع الاحتياطات اللازمة للدفاع عن الوطن والمواطن». وقال الأمير في مقطع آخر استناداً إلى نص وكالة الأنباء السعودية (واس) الذي نشرته جميع الصحف السعودية في اليوم التالي: «وكما لمستم فإن صدام عمل أو يعمل الآن إلى أن ينقل الفعل إلى ردة الفعل... يريد أن يغطي على ما فعله في احتلاله لبلد عربي شقيق ولشعب مسلم يغطيه بادعائه أن ما يذكر أن المملكة العربية السعودية أو دول الخليج العربي استعانت بقوات... نعم وهذا أمر لم يكن خافياً وأعلنه خادم الحرمين للأمة... وأنا أستغرب من بعض المواقف سواء كانت حكومية أو من بعض الفئات التي خدعت أو فهمت الأمر على غير حقيقته... وإذا كانت فيه أي ملاحظة أو لوم أو وجهة نظر فيجب أن تؤجل حتى يعود الكويت لأبناء الكويت».
وخلال هذا الاجتماع ألقى الطيب كلمة، وحين سألته عنها أكد لي أنه لم يعد يتذكّرها تماماً ولكنّها إجمالاً، حسب قوله، كانت تتعلق بالمستوى المتردّي لأداء بعض الأجهزة الحكومية ذات العلاقة المباشرة بالمواطن. ولكنه يتذكر كما يتذكر كل من حضر الاجتماع، والمناع منهم، المداخلة النارية التي ألقاها الشيخ أحمد صلاح جمجوم، ولم تشر لها (واس) بالطبع! وقد بدأت بجملته الشهيرة: «يا أمير... من أعان ظالماً سلّطه الله عليه.. أنتم أعنتم صدام في حربه على إيران فسلطه الله عليكم»، مطالباً صنّاع القرار بانتهاز الفرصة لمراجعة النفس وإطلاق مسيرة الإصلاح. وكانت هذه المداخلة أشبه بنيزك مشتعل هوى على بحيرة جمدها الركود تحت عبارة «لا بد أن نفعل شيئاً» التي طرحها بعض حاضري الاجتماع على أنفسهم، فجاءت «العريضة المدنية» كحمم دافئة لهذا البركان الجياش!
يقول الصحافي الرائد والمحلل السياسي د. عبد الله مناع: «بعد هذا الاجتماع زرت في اليوم التالي الشيخ أحمد صلاح جمجوم وقلت له إن مداخلتك مثلت صفحة في ملف ولكننا يجب أن نفتح كل الملف». فرد عليه الجمجوم بأن مداخلته لم تأت من فراغ، ولكن سبقها خطاب وجهه للملك يطالب فيه بمجلس للشورى يمثل الشعب... أما ما يخص فتح «الملف»، فيجب أن تتسع الدائرة للتشاور. بعد ذلك... دعا الجمجوم الكاتب والناشر محمد صلاح الدين (وهو معروف بميوله للإخوان المسلمين في مطلع شبابه على الأقل)، ودعا المناع صديقه المقرب محمد سعيد طيب المدير العام لشركة (تهامة) وأحد مؤسسيها لتتألّف لجنة رباعية تفكر في كيفية «فتح الملف».
وبعدما اجتمعت اللجنة الرباعية، ولدت فكرة «العريضة المدنية» ووُضِعت خطوطها الرئيسة بشأن مضمونها وأهدافها، وكلف أعضاؤها محمد صلاح الدين بكتابة مسودتها الأولى. وبعد إنجاز المسودة عرضت العريضة على صديقين للمجموعة من باب التشاور كان منهم الكاتب الصحافي والمستشار القانوني محمد عمر العامودي الذي أبدى ملاحظاته ووقع على العريضة.
رواية محمد سعيد طيب تبدو مختلفة بعض الشيء حين يقول: «بعد لقاء الأمير نايف ولدت فكرة العريضة المدنية في منزل أحمد صلاح جمجوم بحضوره وحضوري إضافة إلى عبد الله مناع وإياد مدني (وزير الحج ثم وزير الثقافة والإعلام لاحقاً) ومحمد عمر العامودي ومحمد صلاح الدين (الذي كتب نص المسودة الأولى)... وفي ذلك الاجتماع اتفقنا على الخطوط الرئيسية للعريضة، ولكن كتابتها استدعت اجتماعات شبه يومية في مكتبي بشركة (تهامة) حضرها المناع وصلاح الدين ومدني والعامودي... وكنا نتشاور مع فهد العريفي (كاتب وإعلامي) في الرياض ومجموعة من رجال الأعمال هناك، الذين تنصلوا من التوقيع في اللحظة الأخيرة». ويؤكد الطيب أن مدني حضر أغلب اجتماعات (تهامة) من أجل فحص مسودة صلاح الدين وتنقيحها، وكانت مشاركته في العريضة كبيرة وفاعلة، وساهم كثيراً في التخفيف من حدة بعض عباراتها، ولكنه لم يوقع اعتراضاً على توقيع أحد الوجهاء على العريضة من منطلق أن هذا الوجيه لا يتمتع بسابقة العمل العام، وبالتالي فإنه، أي (مدني)، لا يريد أن يربط اسمه باسم هذا الوجيه!
ورغم المطالب العشرة التي اعتمدتها العريضة، إلا أننا نتحدث بالدرجة الأولى عن المطالب التالية: النظام الأساسي للحكم، مجلس الشورى ونظام المناطق (المقاطعات). وحُدّدت هذه المطالب لأن النظام وعد بتحقيقها أكثر من مرة (وعد بذلك الملك فيصل حين تولى رئاسة مجلس الوزراء 1962 بعد سقوط الوزارة الشعبية التي رأسها الملك سعود، وأكد الفيصل وعده، مرة أخرى، في خطاب مبايعته نهاية عام 1964، ثم ألّف الملك خالد لجنة خاصة لدراسة الشورى وبقية الوعود برئاسة وزير الداخلية الأمير نايف وعضوية بعض الوزراء، منهم محمد إبراهيم مسعود وعبد الوهاب عبد الواسع وإبراهيم العنقري. كما جدد الملك فهد أيضاً هذه الوعود في حواره لمجلة «در شبيغل» الألمانية في بداية حكمه. وللأمانة فإن الشيخ أحمد صلاح جمجوم اقترح مطلباً آخر لم يوافقه عليه شركاؤه في العريضة، وهو تأليف مجلس للعائلة الحاكمة ينظم شؤونها وأمورها (وقد تحققت هذه الفكرة عام 2000 بقرار من الملك فهد).
تم التوصل لصيغة العريضة النهائية بعد 14 مسودة، ثم حصر كتّابها الأسماء المقترحة للتوقيع وأرسلها محمد سعيد طيب بالفاكس إلى جمجوم للاطلاع والتشاور تحت عنوان خادع «أسماء الشخصيات المرشحة لحضور حفل اختتام جزء (تبارك) بمدارس تحفيظ القرآن» نظراً لرئاسة الجمجوم جمعية تحفيظ القرآن، وقد ضم الفاكس 47 اسماً معظمها من المنطقة الغربية وقع منهم 17 فقط على العريضة. أما الذين لم يوقعوا، إما من باب الاعتذار أو الاستبعاد أو لم يتسنّ الاتصال بهم من أصحاب العريضة، فمنهم مجموعة من الوزراء السابقين (أمثال: محمد عمر توفيق، حسين عرب، محمد المرشد الزغيبي، السيد حسن كتبي، عبد الرحمن آل الشيخ) ومجموعة من الخبراء الاقتصاديين ورجال الأعمال (أمثال: صالح كامل، عبد العزيز العوهلي، عبد الله دحلان، وهيب بن زقر، عبد الرحمن فقيه، عبد العزيز الدخيل)، ومجموعة من الأدباء والصحافيين والمفكرين (أمثال: أحمد محمود، عبد الله الجفري، عصام خوقير، محمد رضا نصر الله، أسامة عبد الرحمن، محمود سفر، عبد الله أبو السمح).
والحديث عن رجل الأعمال البارز عبد الرحمن فقيه بحاجة إلى توضيح. فقد اشترط للتوقيع على العريضة أن تنحصر مطالبها في مجلس الشورى فقط، وكانت وجهة نظره تقوم على أنه إذا تحقق هذا المطلب فيمكن من خلال المجلس المنتظر تحقيق المطالب الأخرى. بالطبع لم يقبل طلب الفقيه من أصحاب العريضة، وبالتالي لم يظهر توقيعه عليها!
وكان اللافت في قائمة الأسماء المرشحة خلوها من أي اسم من المنطقة الشرقية باستثناء محمد رضا نصر الله، ولكننا نلاحظ في قائمة الموقعين أكثر من اسم، منهم: شاكر عبد الله الشيخ (رئيس تحرير مجلة «الشرق» الأسبق)، عبد الرؤوف الغزال (صحافي)، علي الدميني (شاعر)، محمد العلي (شاعر ورئيس تحرير صحيفة «اليوم» الأسبق) وإسحاق الشيخ يعقوب (كاتب). ونلاحظ أيضاً أن أغلب الموقعين أتوا من خارج القائمة المقترحة أمثال: د. سعد الصويان، عبد الله الصيخان (شاعر)، عبد الله بن بخيت (صحافي)، عقل الباهلي (كاتب) والباحث المعروف د. مرزوق بن صنيتان وتركي الحمد أستاذ العلوم السياسية. ويمكن إسداء فضل التنوّع المناطقي الذي تحقق في قائمة الموقعين إلى جهود فهد العريفي في الرياض وعلي الدميني في المنطقة الشرقية. ونلاحظ أن القائمة المقترحة، ثم قائمة الموقعين، احتوت أسماء قليلة من شريحة الشباب ولم تضم أي امرأة، والسبب أن مناخات تلك المرحلة لم تتح لأصحاب العريضة التفكير في هذا الخيار، فجاء رد المرأة السعودية مجلجلاً على هذا الاستبعاد!
بدأت عملية جمع التوقيعات، ولكن حدثاً حصل في 6 تشرين الثاني/ نوفمبر 1990، وتّر الأجواء السياسية في المملكة إلى حد بعيد، وهي المحتقنة من الأصل في ذلك الوقت، حيث قادت 47 امرأة في الرياض (منهن: د. عزيزة المانع، د. عائشة المانع، د.سهام الصويغ، د. نورة أبا الخيل، د. فوزية البكر، د. سعاد المانع، د. منيرة الناهض، د. هند الناهض، د. بدرية الناهض، د. ألفت فودة، د. نضال الأحمد، مديحة العجروش، سلطانة البكر، مشاعل البكر، وفاء المنيف، منيرة القنيبط، منيرة المعمر، منيرة الكنعان، حصة آل الشيخ، نورة الصويان، نورة العذل، فوزية العبد الكريم، وداد السنان، جوهرة المعجل) 14 سيارة انطلاقاً من موقف السيارات عند أسواق التميمي في طريق الملك عبد العزيز مروراً بطريق الأمير عبد الله ثم شارع العليا فشارع العروبة ثم مرة أخرى إلى طريق الملك عبد العزيز بهدف أن يتقبل الناس رؤية نساء يقدن السيارات.
وهنا أنتقل إلى ما روته د. عزيزة المانع في لقائها المطول الذي أجراه د. عبد العزيز قاسم بتاريخ 5 كانون الثاني/ يناير 2004 في صحيفة (المدينة): «أذكر أن الوقت كان عصراً، والطريق خالياً نوعاً ما، فأتممنا الجولة الأولى دون أن يشعر بنا أحد، فقمنا بجولة ثانية على الخط المتفق عليه ذاته، وعند عودتي إلى طريق الملك عبد العزيز رأيت صف السيارات النسائية التي سبقتني وقد أوقفت إلى جانب الطريق وأحاط بها بعض سيارات المرور وهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فسألت زميلتي في السيارة حصة آل الشيخ: ما رأيك يا حصة، هل نواصل السير أم نتوقف مع الموقوفات؟ فكان رأيها أن نقف معهن، فتوجهت بالسيارة ووقفت في صف السيارات الواقفة... لأني كنت وما زلت لا أرى نفسي أمارس خطأً أتنصل منه». وتضيف المانع: «بعد دقائق من إيقافنا طلب منّا التحرك بالسيارات للوقوف في مكان آخر، فقدنا سياراتنا تشق لنا الطريق سيارات المرور إلى أن وصلنا مكاناً خالياً فطلب منا التوقف عنده. وهناك أمرنا بالتخلي عن مقعد القيادة والجلوس في المقعد الخلفي وتولى قيادة كل سيارة شرطي ركب إلى جانبه رجل من الهيئة، ثم قيدت السيارات ونحن في داخلها إلى مركز شرطة العليا. كان رجال الشرطة بلا استثناء مهذبين في التعامل معنا، أما رجال الهيئة فقد تفاوتوا في سلوكهم، وكانت تجربة راكبات كل سيارة تختلف عن الأخرى، فبعضهن ذكرن أنهن اضطررن طيلة الطريق إلى سماع أقذع الشتائم والصفات تصب عليهن من الرجل الراكب معهن، وبعضهن ذكرن عكس ذلك. وبعدما وصلنا إلى مركز الشرطة جمعنا في غرفة صغيرة لا تتجاوز مساحتها 12متراً، وكنا سبعا وأربعين امرأة، ثم بدأ استدعاؤنا للتحقيق، وبقينا في ذلك المكان إلى فجر اليوم التالي حيث طلب منا كتابة تعهد بعدم قيادة السيارة أو الركوب في سيارة تقودها امرأة وتم صرفنا بعد ذلك».
حين تسرّبت تفصيلات العريضة أعلن الملك فهد عن قرب صدور الأنظمة الثلاثة ومراجعة كل
أنظمة الدولة
إثر هذه المسيرة، فصلت الموظفات والأكاديميات المشاركات من أعمالهن (لمدة قاربت الثلاث سنوات) وشن عليهن تيار الصحوة هجوماً هائجاً عبر منابر المساجد وشرائط الكاسيت اتُّهمن عبره بالكفر والعمالة لدول أجنبية مع تشكيك، غير أخلاقي، في أخلاقهن وسلوكهن! وهنا تجدر الإشارة إلى أن المصور الفوتوغرافي الراحل صالح العزاز (الكاتب الصحافي المعروف) التقط بعض الصور لهذه التظاهرة وفقد حريته بسبب ذلك قرابة الستة أشهر! ورغم التوتر الذي أضفته المسيرة وتداعياتها على المناخ السياسي، إلا أنها عززت مشروعية العريضة وضرورة مطالبها وعجلت بإنهاء جمع التوقيعات عليها، وبعد استكمال التوقيعات وصلت، على نحو أو آخر، تفصيلات العريضة إلى صناع القرار، فصرح الملك فهد بتاريخ 27 نوفمبر 1990 كما نشرت صحيفتا (الشرق الأوسط) و(عكاظ) عن قرب صدور النظام الأساسي للحكم ونظام مجلس الشورى ونظام المناطق، وأضاف الملك: «كل أنظمتنا الحالية في وقتها كانت من أجمل ما يكون... أما اليوم فهي بحاجة إلى إعادة نظر من أولها إلى آخرها».
كانت هناك العديد من الإشارات بشأن تسرب العريضة إلى صناع القرار قبل نشرها. يقول المناع: «التقينا أنا والطيب بربيع دحلان (وكيل إمارة مكة) في سيارته قرب مقر شركة (تهامة) وقال لنا: عريضتكم على مكاتب صناع القرار وعليها أسماؤكم لذا لا ترسلوا أي شيء». ويضيف علي الدميني: «استدعاني سليمان العلواني (المدير العام للمباحث في المنطقة الشرقية) في جلسة ودية قبل تسرب العريضة وتحقق من أسماء الموقعين، وقال لي: لا داعي لأن ترسلوها لأنها وصلت».
وفي يوم الخميس 29 تشرين الثاني/ نوفمبر، دخل محمد سعيد طيب إلى مجلس محمد عمر العامودي متأبطاً، كالعادة، ملف العريضة من أجل بحث كيفية إرسالها للملك (حيث قرر أصحاب العريضة انتقاء ثلاثة يكلفون بهذه المهمة)، ولكن (العامودي) قال له: «كاشو... لقد قضى تصريح الملك فهد على خطابنا»... رفض الطيب التراجع عن بث العريضة. وبعد التشاور مع مجموعة من الموقعين، سربها إلى صحيفة (الأهالي) المصرية، التي كانت من أبرز صحف المعارضة في مصر، لتنشر نصها في كانون الأول/ ديسمبر 1990 تحت عنوان: «شخصيات سعودية تطالب الملك فهد بالإصلاح: إعادة النظر في نظام الحكم والإعلام ووضع المرأة... تأسيس مجلس للشورى والمساواة في حقوق المواطنة». المناع له رواية مكملة، إذ يقول إن العريضة تسربت قبل صحيفة (الأهالي) إلى مجلة «الجزيرة الجديدة» في لندن (كانت تصدرها هناك المعارضة السعودية قبيل المصالحة المشهورة بينهم وبين الملك فهد) التي نشرت مسودتها الأولى ومسودتها النهائية بالكامل وكل أسماء الموقعين... بعدها اتصل مسؤول في الديوان الملكي بالدكتور محمد عبده يماني (وزير الإعلام الأسبق)، وقال له «لا داعي لأن ترسلوا شيئاً لقد وصلت رسالتكم وستصدر الأنظمة الثلاثة قريباً». من جهته أكمل الطيب روايته قائلاً: «من جهتي لم أسمع عن أي أصداء ولم يستدعنا أحد أو يسائلنا أحد، ولم يرسل الخطاب رسمياً بالمرة، ولكن نشره في صحيفة (الأهالي) حقق ردة الفعل المطلوبة وأكثر... ويسجل، لكل الموقعين، صفحة مضيئة ومشرفة... هم جديرون بها».
ومن الضروري أن نشير هنا إلى أنه بعد بث العريضة حاول بعض أصحابها أن تكون هذه التجربة مقدمة لتأسيس تكتل سياسي يجمع الموقعين عليها، ولكن هذه الفكرة لم تكلل بالنجاح!
كيف انتهت قصة العريضة المدنية ومتى؟ نستطيع أن نقول إنه حين أصدر الملك فهد في 1 آذار/ مارس1992 النظام الأساسي للحكم ونظام الشورى ونظام المناطق، كان توقيعه على هذه الأنظمة إعلاناً عن القرارات الأهم، من وجهة نظري، في مسيرة الدولة السعودية الثالثة لتكون درة عهده... وأحد الجسور الناضجة والمطلوبة إلى مفهوم (الدولة)... وبرهاناً على أن استجابة الحاكم لمطالب المواطنين أحد مظاهر قوة النظام وأسبابها، وفي الوقت نفسه، عكست تلك القرارات تحولاً فاصلاً في المجتمع السعودي ووجهاً مشرقاً للتيار الإصلاحي.
وفي البدء والختام، كانت كلمة ألقاها أحمد صلاح جمجوم متكئاً على حديث نبوي مرفوع: «من أعان ظالماً سلّطه الله عليه»!
* صحافي سعودي