strong>ورد كاسوحة*

ليس سرّاً أنّ وليد جنبلاط قد يزور دمشق. وليس سرّاً أيضاً أنّ عبوره إلى العاصمة السورية (لا إلى دولة 14 آذار) أتى مشفوعاً بجملة من التراجعات عن مواقفه الذرائعية السابقة. تراجعات وفّرتها الحاضنة الإقليمية الجديدة للتسوية اللبنانية (صورتا أمير قطر والملك السعودي في تظاهرة 14 شباط الأخيرة تحملان رمزية كبيرة). وقد أتى شكل التسوية والشعارات التي حملها هذا الشكل مناسبين جداً لجنبلاط، بحيث وفرا له سلّماً للنزول عن شجرة 14 آذار «العالية».
وهو أمر سيتكرر مع سعد الحريري مستقبلاً، وإن بصيغة مختلفة وبإخراج أقلّ ضجيجاً. فالديكتاتوريات العربية لم تستنفد بعد، بخلاف ما يعتقد البعض، مخزونها من الشعارات الواهية. وأيّ شعار ترفعه في هذه المرحلة أفضل من شعار «التضامن العربي» للخروج من مأزق ثنائية ممانعة ــــ اعتدال، وولوج مرحلة جديدة من «الاتساق الموضعي». مرحلة تتيح للأتباع من كلا الطرفين تسويغ تموضعاتهما الانتقالية، وتسويق هذه التموضعات لدى «الجماهير العريضة» بوصفها أفضل الممكن ريثما ينجلي وضع المنطقة، وتقرّر الإدارة الأميركية حسم الملف الإيراني من عدمه.
في هذه الأثناء، لا يبقى للاعبين الصغار إلا تقطيع الوقت والتلهّي بالشعارات التسووية. وهذه الأخيرة «لا تقلّ جاذبية وسلاسة» عن نظيرتها «التثويرية»! فكما حشدت الشعارات «التثويرية» الناس في الحقبة السابقة، كذلك تفعل اليوم شعارات التسوية السورية ــــ السعودية! وكدليل على جاذبية هذه الشعارات انظروا إلى الحشد الذي أمكن سعد الحريري جمعه في ساحة الشهداء! أليست هذه الاستجابة الجماهيرية علامة من علامات النضوج والحنكة السياسيين! وهذان النضوج والحنكة هما من ألاعيب وليد جنبلاط الأكروباتية المفضلة. لكن هذا لا يعني أن الأجندة التي يعدّ لها جنبلاط حالياً متطابقة بالكامل مع «أجندة» سعد الحريري. ومن يعتقد أن زيارة جنبلاط إلى دمشق ستكون استكمالاً لما بدأه سعد الحريري هناك هو واهم على أقلّ تقدير. فالرجلان وإن جمعهما ائتلاف طبقي ــــ طوائفي لحين من الزمن إلا أنهما يفترقان في أمور كثيرة، ولا يجوز على الإطلاق وضع مقاربتيهما لشؤون لبنان والمنطقة في سلّة واحدة. فجنبلاط بوصفه زعيماً «لطائفة» أقلوية يتضاءل حجمها (وكذا دورها) شيئاً فشيئاً، لا يملك ترف الطمأنينة لاستتباب زعامته كما يفعل سعد الحريري مثلاً. صحيح أن الرجلين قد ورثا عن أبويهما زعامة طائفية (في حالة كمال جنبلاط تم تجاوز البعد الطائفي للزعامة إلى حد كبير) لا ينازعهما عليها أحد، إلا أن هذه الوراثة الحصرية لم تعد تكفي لضمان فاعلية الدور الذي يلعبه الرجلان. والفاعلية هنا باتت منوطة بالامتداد الإقليمي ومدى استعداد الدول الراعية لاحتضان هاتين الزعامتين. والتمايز في هذا الخصوص بين حالتي تيار المستقبل والحزب الاشتراكي بات واضحاً للعيان أكثر من أي وقت مضى. ذلك أن المحيط العربي «المعتدل» الذي لا يزال يحتضن الحريري بوصفه رأس «الحراك السني» في لبنان قد لا يبدي استعداداً مماثلاً من الآن وصاعداً لاحتضان جنبلاط، وخصوصاً بعد التحولات التي طرأت على مواقفه، ومغادرته موقعه السابق في صلب التحالف الأميركي ــــ الإسرائيلي ــــ العربي. وهذه المغادرة لم تأت عبثاً، ولا هي وليدة هواجس 7 أيار فقط، ومن يضع تموضع وليد جنبلاط في هذا السياق فحسب يكن كمن يحاول أن يحشر الرجل في بوتقة عقائدية هو أبعد ما يكون عنها وعن خياراتها الجذرية. يكفي أن نستعيد دور جنبلاط في حلّ الحركة الوطنية اللبنانية (وهي أهم إنجاز لوالده) وتسليم رأسها إلى دمشق بعيد اتفاق الطائف حتى ندرك أن «خطاب الثوابت» ما هو إلا ذريعة يستخدمها الرجل لتسويغ نهجه المتنقل من حاضنة إقليمية إلى أخرى، كلّما لاحت في الأفق بوادر حل دولي وإقليمي جديد. هكذا فعل بعيد مثلث مدريد ــــ الطائف ــــ غزو الكويت، وهكذا «فاجأنا» (والأصح فأجأ بعض السذّج من اللبنانويين) بعد اغتيال الحريري، وهكذا يفعل اليوم بعد أفول الحقبة البوشية وانفراط معسكري 8 و14 آذار البائسين.
وفي كل محطّة من هذه المحطّات ظهر جنبلاط على غير ما يشاع ويكتب هنا وهناك متصالحاً مع نفسه ومع تاريخه. فحراكه في النهاية هو حراك زعيم طائفي مهجوس «بخيار» البقاء. والبقاء هنا هو بقاء الزعامة الجنبلاطية على رأس الطائفة الدرزية. وقد علّمت التجارب المريرة «وريث» كمال جنبلاط أن بقاء الدروز كطائفة (وكذا بقاءه على رأسها) مرهون بفعالية دورهم في المعادلة الطائفية في لبنان. وهذه الفعالية لا يمكن ترهينها وتدوير عجلتها إلا بالاستناد إلى العمق الاستراتيجي للدروز، أي سوريا بمعزل عن النظام الذي يحكمها في هذه الحقبة أو تلك. وهذه «قاعدة» تحظى «بإجماع طائفي» لدى الدروز. وقلّما خرج عن هذا «الإجماع» زعيم درزي. حتى أن كمال جنبلاط يظلم من البعض حين يوضع في خانة «العداء لسوريا». فالرجل لم يختلف مع النظام السوري إلا حين امتنع هذا الأخير عن تأييد خيار حسم المعركة مع اليمين اللبناني. ويحكى أن كمال جنبلاط قال بعد عودته الأخيرة من سوريا وتأكده من القرار السوري بإبقاء لعبة التوازن الطائفي على ما هي عليه: «هذه ليست سوريا التي نعرفها».
وزيارة وليد جنبلاط الأخيرة إلى قبرص ولقاؤه القيادي في حزب «التجمع الوطني الديموقراطي» سعيد نفاع (وهو من الطائفة الدرزية) تؤكدان أن «قاعدة الإجماع» الآنفة الذكر قد وضعت على نار حامية، وأن الحرارة قد عادت من جديد إلى المثلث الحيوي الذي تتموضع فيه الطائفة الدرزية (سوريا ــــ لبنان ــــ فلسطين المحتلة). والحال أن انفراط عقد هذا المثلث في حقبة وليد جنبلاط يختلف تماماً عن «انفراطه» في حقبة المعلّم كمال جنبلاط


كما حشدت الشعارات «التثويرية» الناس في الحقبة السابقة كذلك تفعل اليوم شعارات التسوية
(كما يحلو للاشتراكيين تسمية الرجل). فالقطيعة المتأخرة مع سوريا في عهد الأب كانت على قاعدة أن دمشق قد تخلّفت عن اللحاق بالمشروع الوطني المناهض لأسرلة لبنان. وهذا يختلف جذرياً عن قطيعة الابن (المتأخرة بدورها) مع دمشق التي نهضت على قاعدة أن سوريا تقف «حجر عثرة» في وجه المشروع الكولونيالي الرامي إلى تفتيت المنطقة وتسييد إسرائيل عليها. و«عودة وليد جنبلاط إلى رشده» اليوم لا تعني أنه قد اقتنع تماماً بخيار أبيه، كما أنها لا تعني أن الحراك المتواصل بين سوريا ولبنان وفلسطين سيعود إلى سابق عهده. جلّ ما في الأمر أن الرجل بات مقتنعاً بحجمه الحالي كزعيم طائفي، مثله مثل باقي أمراء الطوائف في لبنان والمنطقة. فلا هو يزعم بأنه يستكمل مشروع كمال جنبلاط التحريري ــــ التحرّري ولا هو في صدد أن يبيع للناس أوهاماً جديدة عن «الديموقراطية» و«السيادة» و«العبور إلى الدولة»، كما يفعل أترابه في 14 آذار. حسبه في هذه المرحلة أن يصون زعامته ويمرّرها إلى ابنه تيمور بأقلّ قدر ممكن من الخسائر، ويكفيه أن يرمّم علاقته «بسوريا النظام»، دون أوهام بعودة العلاقة مع الشعب السوري إلى ما كانت عليه قبل الوعيد «بتفخيخ دمشق». إذاً صون الزعامة وتوريثها وترميم العلاقة مع النظام في سوريا هما كلّ ما يطمح إليه الرجل في هذه المرحلة. وخارج هذين العنوانين لا شيء يهمه. فقد ولّت المرحلة التي أتاحت له ولغيره الزعم بلعب دور المخلص من الاستبداد الشقيق، لا لأن الاستبداد قد انتهى، بل لأنهم استبطنوا في تحالفهم «السيادي» الآفل هذا «الاستبداد» (الاستبداد بمعنى الاستئثار بالسلطة والهيمنة على الفضاء الرمزي) وأباحوا ممارسته على شرائح مضطهدة (العمال السوريين) هربت من تحت الدلف (في سوريا) لتقع تحت المزراب (في لبنان 14 آذار) على ما يقول مثل عربي شائع.
* كاتب سوري