أمين الياس*

قرأنا في عدد يوم الأربعاء 17 شباط مقالاً للدكتور أنطوان فليفل عن النزعة العلمانية في فكر الأب العلاّمة يواكيم مبارك، وذلك ضمن سلسلة مقالات تهدف إلى إظهار النزعة العلمانية في الفكر المسيحي. وبعد التعبير عن غبطتنا بطرح هذه المسائل الشديدة الأهمية، لا بد لنا من مناقشة بعض المسائل التي طُرحت في هذا المقال.
لقد أصاب الدكتور فليفل في التعريف بالجهد الحثيث الذي قام به الأب يواكيم مبارك لإظهار روح التلاقي بين الديانتين الإبراهيميتين الموحدتين المسيحية والإسلام. وحريّ القول إن الأب مبارك لم يكتفِ فقط بإظهار نقاط التلاقي بين هاتين الديانتين، بل إن جرأته العلمية قادته للقيام بالعديد من المبادرات تجاه الإسلام لإيجاد مساحة تلاق أوسع، وخاصة على مستوى نظام الحكم السياسي، إلا أن مبادراته لم تجد عند الفريق المسلم التجاوب المطلوب.
نقطتان أساسيتان تفرّقنا عن تحليل الدكتور فليفل. الأولى مبالغته في التشديد على فكرة العلمانية في فكر الأب مبارك، ذلك أننا على يقين بأن مبارك لم يأتِ على ذكرها في مؤلفاته، بل جلّ ما كان يطمح إليه هذا الأب هو «التمييز الدقيق بين الزمنيات والروحانيات» وليس الفصل بينهما، وهنا لا بد من الإشارة إلى الفارق الكبير بين التمييز والفصل! أما النقطة الثانية فهي تركيزه على «دور المسيحيين في سبيل العلمانية المشرقية» مغيّباً بذلك دور المسلمين. ويقيننا أن أي سعي للعلمانية لا بد له من تعاون مسيحي إسلامي مشترك، وإلا فإن السعي من طرف واحد لن يوصلنا إلا إلى الطريق المسدود.
وللدلالة على قولنا، سوف نستعيد بعضاً مما جاء على لسان الأب مبارك والشيخ صبحي الصالح، وذلك خلال ندوة حوارية دعا إليها مؤسس «الندوة اللبنانية» الأستاذ ميشال أسمر في ربيع عام 1965. فخلال محاضرته «أضواء وتأملات»، شدد الأب مبارك على ضرورة «التمييز بين الزمنيات والروحانيات»، وذلك بهدف إيجاد «طريقة اتحاد جديدة في ما بينهما تكون أفضل وسيلة للوصل بين الروحي والزمني، بحيث تجنبنا انقساماً (بين الروحي والزمني) لا موجب له ومخاصمة لا مبرر لها تضر الجميع». من هنا يتبيّن أن هدف الأب مبارك، لم يكن بتاتاً «الفصل الواضح بين الديني والزمني» كما أورد الدكتور فليفل، بل «التمييز الدقيق» بينهما. فهذا الأب الكاثوليكي لم يكن بوارد القبول بأي شكل من أشكال العلمانية أو فصل الديني عن الزمني. ويجدر الإشارة إلى أن الأب مبارك كان شديد التأثر بالفكر الكاثوليكي آنذاك، والذي كان يمثله الفيلسوفان الكاثوليكيان الفرنسيان «جاك ماريتان Jacques Maritan» و«إيمانويل مونييه Emmanuel Mounier»، هذان الأخيران اللذان كانا يبغيان «تفوّق الروحانيات» على الزمنيات وخضوع «الحاضرة الأرضية» للروحانيات. ولكن رغم ذلك، لا يمكننا إلا الانحناء أمام محاولة الأب مبارك هذه، التي حاول فيها تجاوز النظام الطائفي اللبناني بهدف إيجاد نظام حكم يتم فيه «التمييز بين الزمني والروحي». ولعلّ تركيز مبارك على فكرة «التمييز» لا «الفصل»، كانت بهدف إيجاد قاسم مشترك ما بين المسيحية والإسلام تمكّن لبنان من تخطي نظامه الطائفي، والسير باتجاه نظام آخر أكثر تطوراً وعدالة. وقد ذهب مبارك بجرأته إلى حد المبادرة الصريحة تجاه الإسلام، الممثّل في هذه الحلقة الحوارية بالشيخ صبحي الصالح، ودعوته لتبنّي هذا «التمييز»، فيقول: «إني لمقتنع من كون الإسلام على أتمّ الاستعداد ليخطو هذه الخطوة الحاسمة نحو التمييز الدقيق بين الروحانيات والزمنيات»، لا بل هو لا يتردد في إعلان أن هذا التمييز لهو أمر بديهي «يُجمِع عليه كبار المتنوّرين في الإسلام والمسيحية». إلا أن جواب الشيخ الصالح لم يكن أبداً بحسب رغبة الأب مبارك. فقد كان الصالح، وهو الدكتور من جامعة السوربون ونائب المجلس الإسلامي الشرعي الأعلى، يعلن بوضوح، في محاضرته التي تحمل العنوان نفسه لمحاضرة مبارك «أضواء وتأملات»، رفضه لأي تمييز وبأن الإسلام لا


لم يكن الأب مبارك بوارد القبول بأي شكل من أشكال العلمانية أو فصل الديني عن الزمني
يتبنى «الفصل بين الروحانيات والزمنيات» ذلك أن أي هدف، مهما يسمَ في نظر الآخرين، لن يحمل المسلمين على التفريط بما يعتقدونه «بين أيدي الله من أن الإسلام دين ودولة، وعقيدة ونظام!»، مشدداً على أن الإسلام يفرض «التنسيق بين الروحانيات والزمنيات، لا الفصل بينهما». وبهذا يكون الصالح قد نعى مبادرة مبارك، رافضاً حتى التمييز بين الروحي والزمني، وبذلك أسقط كل إمكانية في سبيل تحقيق مساحة التقاء بين المسيحية والإسلام حول مسألة الحكم في النظام اللبناني.
إن هذا الحوار المعبّر ما بين عَلمَين من أعلام المسيحية والإسلام في لبنان، يظهر لنا عُقم الحوار الإسلامي المسيحي حول مسألة الحكم والعلمانية وتجاوز النظام الطائفي اللبناني. فما دام هناك فريق لبناني مسلم، يرفض فكرة التمييز بين الديني والزمني، لا يمكن الفريق الآخر المسيحي أن يذهب وحيداً في مسألة هذا التمييز باتجاه بناء الدولة العلمانية. وهنا نقطة خلافنا الثانية مع الدكتور فليفل، رغم تقديرنا لنبل دعوته المسيحيين ليلعبوا «دوراً أكبر في سبيل العلمانية المشرقية». إذ لا يمكن المسيحيين وحدهم السير في اتجاه يرفضه الفريق الآخر رفضاً مطلقاً، وهنا تقع مسؤولية كبيرة على مسلمي لبنان تساوي بأهميتها مسؤولية مسيحييه. فإن لم يبلور المسلمون مفهوماً جديداً لمسألة الحكم في الإسلام، لا يمكن أبداً التوصل إلى مساحة مشتركة بين الفريقين، وبالتالي لا إمكانية لإيجاد هذه «العلمانية المشرقية». فمصير هذه الأخيرة لا يتوقف على مبادرة المسيحيين فحسب، بل إنه يتوقف أيضاً على مشاركة المسلمين وقبولهم بها!
* طالب دكتوراه في جامعة لو مان الفرنسية