مروّجو المقولات الإقصائية مثل الأغلبية والأقليات صمّوا آذاننا منذ ألف عام؛ لكن منذ بدء الربيع العربي، أي الرعب العربي في عام 2011، اشتد هجومهم ودعاياتهم العائدة للعصور الحجرية. المقولة تلك، عنصرية وفاشية الجوهر؛ لسان حالها يقول: أنا، بصفتي أغلبية عددية يحق لي امتلاك الأرض وما عليها، من حجر وبشر! الآخر لا حقوق له، وما يتمتع به من استقلالية محدودة هي هبة مني له، أتفضل بها عليه، وألغيها متى شئت.


في القرون الماضية، الدول الحاكمة في أوطاننا كانت دينية، ولذا كان من الطبيعي أن تقسيم المجتمع كان دينياً بل حتى مذهبياً، مع احتفاظ «أقليات» بحق إدارة أمورها الدينية بنفسها. لكن مع تشكل الدول الوطنية خصوصاً في بلاد الشام (سورية ولبنان وفلسطين والأردن) والعراق (سوراقيا)، متعددة التواريخ و«الأعراق» واللغات والانتماءات الدينية والمذهبية، صار من الحتمي الانتقال إلى الدولة المدنية، دولة المواطنة، التي يتساوى فيها أعضائها في الحقوق قبل الواجبات.
الفكر القومي العربي، التقدمي المعادي للاستعمار، الذي انطلق من بلاد الشام تمكن في فترة لاحقة بعد جلاء قوات الاحتلال الفرنسي من تحقيق خطوات مهمة على طريق إقامة دولة المواطنين، لكنه لم يتمكن من إكماله إلى نهايته المنطقية. أما رافده الجنوبي، الذي تلخص، من بعده، في شخصية خالد الذكر الساحرة، التي استحالت عالمية الموقع بفضل ذلك في المقام الأول، وأيضاً بفضل دعم زعماء عالميين أسطوريين، أتى في مقدمهم الهندي جواهر لال نهرو واليوغسلافي جوزيب بروز تيتو والإندونيسي أحمد سوكارنو، خصوصاً بعد تأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي. الفكر القومي ذاك تمكن من محاصرة الفكر الطائفي الإلغائي الذي مثله تكفيريو الوهابية والإخوانجية وغيرهما، مع أن قومية الرئيس الراحل كانت، في جوهرها، مرتبطة بالدين، لكن ليس من منظور مذهبي. هذا، في ظننا ما أعاق بكل تأكيد التفكير في الانتقال إلى دولة المواطنين العِلمانية.
تسيُد الفكر القومي العربي، المرتبط بالدين، اليميني التوجه، الذي قاده جمال عبد الناصر، استمر فترة قصيرة انتهت بهزيمة مروعة عام 1967 حدثت لأسباب ذاتية في المقام الأول، لينتقل ملف القيادة العَقِدية إلى الفكر الوهابي الإلغائي. والسعودية، بقيادة الملك المغدور فيصل، التي كان الرئيس الراحل يسميها، عن حق، الرجعية والإقطاعية... إلخ، استحالت بعد هزيمة عام 67، الآمر الناهي، في بلادنا، على الأقل منذ وفاته، وصارت هي داعمة لنظامه بعد أن كان يدعو لإسقاطها ويطلق على المؤتمر الإسلامي الذي رفعت رايته لمحاربة الفكر القومي، مشروع التآمر الرجعي على العرب. خالد الذكر، رغم شعبيته منقطعة النظير، عربياً وعالمياً، التي كسبها بسبب تصديه الشجاع للاستعمارين، القديم والجديد، لم يدعُ إلى دولة المواطنة أو يتبنى الانتقال إليها، والتي يجب أن ينص دستورها على تمتع كل مواطنيها بحقوق متساوية أمام القانون.
سعار التكفيريين أضحى سياسة رسمية تعتمدها ممالكهم وإماراتهم الكاريكاتورية تصاعد على نحو غير مسبوق منذ عام 2011، وساد فكر وجوب إلغاء الأكثرية العددية، «الأقليات». لذا علينا الآن تأمل الأوضاع الحالية/ المستقبلية من منظور الأخيرين، الذين طال انتظارهم للاعتراف بحقوق المواطنة في أوطانهم التي تجذر بعضهم فيها منذ ما يزيد عن ألفي عام، أي حتى قبل الغزو الإسلامي في القرن السابع.
كما طال انتظار القوى التقدمية مبادرة قوى «الأغلبية!» القومية العربية الوحدوية، بمختلف اتجاهاتها للمطالبة بالانتقال إلى الدول العِلمانية كخطوة على طريق حل جذري لكثير من مشاكلنا، لكن من دون جدوى؛ الرجعية العربية تجعل حياة المعتدلين جحيماً! فبدلاً من مواجهتها على الصعد كافة، ترى بعض قادتهم وبعض رموزهم يتزاحمون لتبادل الصور في مؤتمرات الفنادق الفخمة مع سادة الفكر المذهبي التكفيري الإلغائي، الذي هو نقيض الفكر القومي، علهم بذلك يحصلون على ضمان الشيخوخة!
تُرى، ألم ير هؤلاء القادة والرموز وغيرهم صور حرائر سوراقيا وأفغانستان المحجبات وهن يحاولن عبور البحار على متن القوارب المطاطية وأسوار الأسلاك الشائكة، مخاطرات بذلك بحيواتهن وحيوات أطفالهن وعوائلهن، من أجل الوصول إلى البلاد العِلمانية، بلاد «النصارى الكفرة عبدة الصليب»؛ حرائر سوراقيا وأحرارها فضلوا احتمال مواجهة الموت، هن وعوائلهن غرقاً أو عطشاً أو إرهاقاً وهم فارّون من جنان التكفيريين، أياً كانت تسميتهم.
جبن مدّعي القومية، مدّعي تمثيل أغلبية «الأغلبية» هذا، يدفع بدوره كثر إلى التفكير في الحاضر/ المستقبل في هذه البلاد المنكوبة، لكن من منظور «الأقليات»، بما في ذلك الأقليات العِلمانية من مجتمع «الأغلبية» التي ترفض هذه النظرة الإقصائية وتفضل العيش في نظام أو أنظمة عِلمانية.
لقد تعرضت «الأقليات» الدينية والعرقية إلى ويلات مضاعفة في هذه الحروب التي تشن في سوراقيا، وعليها، ولم ينصرها أحد، تقريباً. مسيحيون وإزيديون وعلويون وإسماعليون ودروز وكرد وغيرهم، إضافة طبعاً إلى «أقلية من الأغلبية»، سيقوا كالمواشي، أمام أعين «الأغلبية»، لذبح وسبي وبيع في سوق النخاسة. لقد رأوا بيوت عبادتهم تستحل وتنتهك وتدنس وتهدم، ومقدساتهم تهان.
أما أن بعض «الأغلبية» من «المعتدلين» فلا جديد لديها سوى الدعوة إلى قتل الآخر من «الأغلبية» وتقطيع أعضائه وطبعاً تكفيره وما إلى ذلك من مفردات الخطاب التكفيري على أي حال.
هذا كله، مع ذلك، لا يفيد.
من يتابع المشهد في سوراقيا من منظور «الأقليات»، يرى استعادتهم ذاكرة ما تعرضوا إليه من اضطهاد وملاحقة وتقتيل وتهجير في أوطانهم عبر تاريخ المنطقة. فما دمنا في بلاد الشام لا نزال نستحضر أهوال الصليبيين قبل نحو ألف عام، فمن الطبيعي استحضار «الأقليات» مآسيها القريبة في بلادها ارتكبتها «الأغلبية» بحق «الأقليات» كافة التي استحالت رهينة مزاج هذا أو ذاك من الحكام، المجانين منهم وغير المجانين، وصولاً إلى أهوال الحاضر.
فلنعد قراءة كتب تاريخنا، من منظور المغلوبين لنكتشف كم هي مخدوعة شعوبنا بتاريخ متخيل فرضه المنتصر فرضاً.
هل تقبل هذه الأقليات العودة إلى أن تكون رهينة وتابعة، وأن تكون مواطنة كاملة في الواجبات فقط وناقصة في الحقوق، السياسية والاجتماعية والفكرية وغيرها!
نقصر حديثنا هنا على سوراقيا لأنه، وعلى عكس بلاد الشام، ليس ثمة من ثراء وتعدد ثقافي وديني في جنوب بلاد الشام، وتحديداً في بلاد الأعراب؛ ثمة استثناءات قليلة. فأعراب جزيرة العرب لا يعرفون سوى الغزو والنهب، ولم يُثروا حيواتنا بأي أمر، رغم ثروات بلادهم غير المسبوقة، التي يبددونها من دون رقيب أو حسيب، في كل ما هو ضار.
الأجيال المقبلة ستقول: عندما كان العرب في قمة ثرائهم كانوا أيضاً في قاع لا قاع له.
بعض أعراب جزيرة العرب، حرّضوا على نحو غير مسبوق على كراهية الآخر في بلادهم أولاً ومن ثم في كل بقعة وصلوا إليها، تلاها في العراق بعد الاحتلال الأميركي وفي سورية ولبنان من بعد، استكمالاً لسياساتهم السابقة.
أعراب جزيرة العرب لم يخوضوا أي معركة من أجل قضيتنا المركزية، قضية فلسطين، التي أجمعوا عليها مع قادة العرب في مؤتمرات وبيانات لا حصر لها، ومن قبل في ميثاق الجامعة العربية، قبل أن يصادروها أخيراً لمصلحة أهدافهم الضيقة وغير القويمة التي لا تفيد أياً كان باستثناء الثنائي الأميركو-صهيوني؛ لكن فلسطين الحاضرة دوماً في كل الادعاءات صارت عملة صالحة في التجارة بالأوطان، وصار استدعاؤها غربالاً لحجب نظر من لا يريد أن يرى الحقائق.
الحروب الأولى للتكفيريين الإلغائيين كانت ضد العرب المسلمين من «الأغلبية»، ليس فقط في جزيرة العرب حيث وصلت قطعانهم إلى حلب في القرن التاسع عشر قبل أن يدحرهم أهل بلاد الشام. ثم وسعوا من حروبهم ليضموا إليها النجف، حيث نهبوا جنوب العراق ومقام علي بن أبي طالب وأعملوا ذبحًا في شيعة البلاد وسبوا ما سبوا من نسائها، قبل التنكيل بأهل الحجاز وعسير وغيرهم. ثم تحالفوا مع الإنكليز «النصارى من عبدة الصليب» ضد العثمانيين المسلمين الذين ينتمون إلى «الأغلبية»! وها هم أخيراً يشنون حرباً جديدة، مع أشقاء لهم من بعض أعراب الخليج الفارسي، على اليمن المنكوب، بخليط ذرائعي غريب عجيب، مذهبي/ قومي (الفرس المجوس العجم عبدة النار وعملاؤهم الحوثيؤن الروافض!) مع أنهم ومعهم نظام عمَّان الصهيوني بامتياز، كانوا لعقود حلفاء حكم أئمة اليمن، أي من يطلقون عليهم اليوم نعت «الروافض» من الزيدية الهادية، ودعموهم بالمال والسلاح ضد ثورة الراحل الكبير المشير عبد الله السلال ورفاقه. بل إنهم متحالفون في مجلس التعاون إلى يومنا هذا مع عُمان الإباضية التي خرجت على الخلافة العباسية منذ منتصف القرن السابع، واختارت إمامها الخاص بها القائم إلى يومنا هذا، فقط لأنهم يتفقون معهم على تقديس الحكم المطلق العصر حجري.
من الأمور الطريفة المفيد ذكرها في هذا المقام حقيقة أن السعودية وقفت ضد شافعيي جنوب اليمن الذين عملوا على تفكيك الدولة اليمنية الموحدة، بينما وقفت دولة الإمارات ضد حسم محاولة منع إعادة تقسيم اليمن عسكرياً، بكل تأكيد خوفاً من أن يكون ذلك سابقة تشجع جارتها الوهابية اللدود على ابتلاعها، آخذين في الاعتبار الصراع المدمن بين الطرفين على واحة البريمي.
من الواضح أن هذه الحروب لم تكن يوماً من أجل الدفاع عن دين، وإنما اندلعت للحفاظ على سلطة دنيوية، وللتمسك بكراسي حكم مغتصَبة، حيث تتفق كل رجعيات عصور الظلام في المنطقة على محاربة التقدم.
إزاء هذه المشاهد المفجعة، قد يقول قائل: كيف يمكن لهذه «الأقليات»، التي لا ترضى بغير العِلمانية مستقبلاً، أن تقبل صاغرة الخنوع الأبدي وقبول وضع المواطنة من الدرجة الثانية!
في حال عدم تمكن القوى القومية الوحدوية من التخلي عن نفاقها المهين للفكر التكفيري الإلغائي وتعديل بوصلتها وتصويب عملها من أجل تحقيق دولة المواطنين، ما نخشاه وتخشاه هذه «الأقليات» اضطرارها مستقبلاً لتبنّي «أبغض الحلال إلى الله» والبحث عمّا يتلخص في إعادة ترتيب الشرق الأوسط ديمقراطياً وفق رغبات شعوبه؛ لمن يرغب بالعيش في دولة دينية أحادية اللون فليكن، يتمتعون فيها بإجماع وليس فقط أغلبية! ولمن يرغب العيش في دولة عِلمانية زاهية بكل ألوان الطيف.
هو العمل بمنطق المثل القائل: «نهاية مأساوية أفضل من مآسٍ لا نهاية لها».