شهدت الساحة الإعلامية في الآونة الإخيرة جملة من النقاشات على خلفية موقف حزب الله من الحراكات المطلبية التي، والحق يُقال، حتى لو داخلها بعض التحوير فإنّ أساسها يبقى صحيحاً لتغيير الواقع المؤلم لملايين اللبنانيين.


النقاشات تراوحت إذاً بين لا مبالاة الحزب حيال آلام الناس أو ترفّعه بسبب انشغاله بمهمات لها حسابات استراتيجية خارجية، أو هو في حالة امتناع واستقالة من النشاط الثوري بعدما انخرط في منظومة النظام الطائفي وأصبح جزءاً من توازنات الكبار حتى قادته ذاتيته ومشاريعه الخاصة إلى تناسي واجباته تجاه أشرف الناس! هذا الكلام وغيره سيق أيضاً بطريقة أكثر شراسة وشقاوة وشفافية على صفحات المواقع الاجتماعية وحتى من مناصرين للحزب الذين تعكس الحياة، بين الانتصارات والانكسارات، تناقضاتها على وجودهم، وتتأرجح بين الفرح والاعتزاز والفخر بإنجازات المقاومة والضيق والضجر واليأس من موقف الحزب نفسه من الموضوعات والملفات المطلبية، التي وإن لم يجانبها ولكنّه في المقابل لم يحتوِها على شكل صيرورات شعبية صراعية بطولية تواجه أنواء الفساد والمفسدين.
وفي ما يلي محاولة لفهم بعض جوانب هذا الموقف والمشاركة في بعض تفسيراته:
أولاً: يدرك الحزب التلازم بين التّحرر الوطني والتّحرر الاجتماعي، وأنّ هناك امتزاجاً عضوياً بين الحرية والكرامة، وبين الاستقلال ورغيف الخبز، وبين الأرض الوطن والأرض التي تُنبت سنابل القمح، وبين الرصاص موجهاً إلى صدر العدو والصراخ في وجه السرّاق والفاسدين. لكن مَنْ يقول بأنّ المعايير والظروف واحدة لتحقيق الأهداف؟ ثم إنّ منْ يحاكم الحزب على أساسها لا شك يشكو من بلاهة مفرطة.


من الإشكاليات التي يواجهها
الحزب أنّه لا يعيش في متن الدولة
كما يعيش في متن الأمة


ثانياً: يرى الحزب في الحراكات المطلبية الحالية والسابقة تعبيراً صادقاً عن معاناة الناس ووجعهم الطويل والتي يمكن أن تفعل فعل الخميرة في تغيير الواقع اللبناني على أكثر من مستوى.
ثالثاً: تسمح الشبهات، التي دارت حول بعض من قاد الحراكات الأخيرة وطريقة تدخل وسائل الإعلام وخصوصاً قناتي «لمؤسسة اللبنانية للإرسال» و»الجديد»، للحزب أن يرى فيها افتعالاً وتوظيفاً مقصودين، وعليه يرفض الحزب أن يقرأ الحراكات في نطاق البعد المطلبي وحده، أو أن يتعاطاها شهوة شهرة!
رابعاً: يُحجم الحزب في العادة عن التعجّل في أمر ليس من صنعه، ويفضل التأنّي ريثما تتضح الصورة بأبعادها كافة، مع ملاحظة مهمة، هي أنّ وضعه كمتفرج خامل جعله في موقف حرج مع جمهوره، وضغط التأنّي كان من النوع الأقسى لأنّه يقع على خط تماس وتعارض بين أن يكون مع الناس وحقوقهم ليستجرّ ثناء ومديحاً أو المغامرة في لعبة لا يعرف متطلباتها فتناله الملامات والاتهامات.
خامساً: يشعر الحزب بحجم الأزمة الاجتماعية وخطورتها فعلياً وليس نظرياً ، لكنّه يعتقد أنّ الإصلاح والنزول إلى الشارع في هذه اللحظة بالذات لا ينبني على الجسارة وحدها والمنطقة تشتعل بالنار والدولة على شفير الهاوبة.
سادساً: الحزب لا يُؤثر السلامة الشخصية ولا يوفّر نفسه عندما تحتاج الساحات والميادين إليه، ولكن ليس كل جميل مفيداً!
سابعاً: إنّ الذين لا يملكون علواً في فهم الأوضاع وتعقيداتها محلياً وخارجياً يقيسون الأمور كما لو أنّ الإصلاح يحصل بتظاهرة أو تظاهرات. هؤلاء لا يدركون أنّ الحزب ليس السلطة ولا كل الطوائف ولا كل الناس. يريدون منه أن يحقق لهم كل تطلعاتهم في العدالة والحرية والمساواة وهذا مستحيل، ولأنهم لا يرغبون في فهم هذه الحقيقة يبدون وكأنّ كل آمالهم قد خابت وينقلبون إلى متشائمين أو ساخطين.
في المقابل، يواجَه الحزب بمجموعة من الإشكاليات منها:
أنّه لا يأخذ بعين الاعتبار المتطلبات المجتمعية المدنية كما يأخذ المتطلبات الاستراتيجية والإقليمية.
وأنّه لا يعيش في متن الدولة كما يعيش في متن الأمة.
وأنّه إذا كان له من قدرة على صنع الإنجازات فهي بفعل الثقة التي محضتها الطبقة المستضعفة والمحرومة له والتي مكنته لاحقاً من الانفتاح على الآفاق الاستراتيجية دوراً ومكانة وتأثيراً.
وإنّ معظم المقاومين وعوائلهم الذين قدّموا تضحيات كبيرة في سبيل استرجاع الأرض وتحريرها والدفاع عن سيادة الوطن وأمنه هم على خط الفقر أو دونه، ويعانون كما بقية المعدمين والمسحوقين في هذا الوطن من سلطة مستهتره مفرطة، لا وفاء لها للمقاومة ولا لدماء الشهداء، ولا أمل منها في تأمين أبسط متطلبات العيش الكريم. لقد تسامى المقاومون وعوائلهم على الألم كثيراً منتظرين أفضل الوعود المرتجاة، ولكن ليس العيش العمر كله في ظل سلطة عديمة الإحساس والمسؤولية.
في الوقائع، يعاني الحزب من محدودية خياراته الداخلية، سواء بسبب النظام الطائفي نفسه أو شركاء السلطة الذين يتقاسمون الحصص على المغانم أو حتى بسبب حلفائه الذين يراهنون على زهده في السلطة وأولوياته في مواجهة العدوين الإسرائيلي والتكفيري لتمرير صفقات سياسية ومالية تتعارض مع منطق الدولة العادلة والقوية التي يريدها.
لقد كان «السيستم» الذي حكم الحزب وطريقة تفكيره منذ انطلاقته حتى اليوم يقوم على مضاعفة الجهد العسكري، وكان يصعب عليه أن يسير بخطوات جدية ومنسجمة يوّفق فيها بين التنمية الداخلية والأولويات الأمنية. لكن مع تفاقم الأزمة المعيشية ظهرت الحاجة بنحو خاص إلى تحصين النسيج الاجتماعي للمقاومة الذي كان قد تهمّش بفعل الأهمية الأرجحية للدور العسكري على حساب الرعاية المجتمعية المباشرة، غير أنّ الرهان على أن يكون ذلك عبر الدولة كاف لجعله خاسراً. إنّه في الوقت الذي كان الحزب يحقق تراكمات عسكرية متواصلة كانت البيئة الاجتماعية الداعمة له تتعرض لمزيد من النزيف، وإذا كان صحيحاً أنّ العوامل التاريخية وضعت الحزب أمام ضرورة تلزمه بتطوير استراتيجية عسكرية تذهب إلى أبعد من الحدود الحالية بسبب تطورات الأوضاع في المنطقة لكنها في المقابل رسمت الإهمال في مجالات أخرى. السؤال هل في قدرة حزب الله إنتاج موازين تنموية موازية للموازين الأمنية؟ الجواب يكون إيجابياً من خلال توفر عاملي الإرادة السياسية والتخطيط الاستراتيجي وترشيد الموارد.
وحين يكون الارتباط بين سياسات التنمية المجتمعية وسياسات الدفاع والقوة العسكرية ثمرة لعناصر استراتيجية دائمة تتبناها القيادة، فإذا ما تلاقت المعطيات الثابتة التي تتشكل من التاريخ والدين والجغرافيا، والمعطيات المتغيرة من الموارد والخبرات والعلاقات فستظهر إلى السطح متغيرات إيجابية ناتجة من الموائمة بين القدرات العسكرية والجهود التنموية، أمّا عدم تناول العناصر الثابتة والمتحركة بشكل متناسق في إطار التكامل الاستراتيجي والأهداف المرصودة فسيبقى يضع الحزب أمام مآزق لا يستسيغها جمهوره أبداً. إنّ القيام بتخطيط استراتيجي يمزج بين التراكم السياسي والعسكري والقيمي ويقوم بتحليل ديناميكي لعناصر القوة كفيل بإحياء القوى الكامنة والغافية للحزب لتصبح أكثر ملامسة للجوانب التي تتعلق بمصالح الناس المباشرة، لا أن يبدو الحزب وكأنّه مستعد للتنازل عن كثير من القيم والحقوق من أجل مراعاة الهدف الأكبر حصراً والقائم على أولوية الجهد الحربي. لقد مرت المقاومة ببعدها العسكري بمراحل من العفوية والارتجال حتى وصلت إلى مستوى عال من الترسّخ المعرفي والعقلانية والإبداعية فهل تعُدم بأبعاد أخرى ترتبط بكرامة الناس؟ علامة استفهام تستثير الإجابة أو محاولتها على الاقل!
* كاتب وأستاذ جامعي