منذ تسعينيات القرن الماضي انطلقت دينامية تقوم على تحويل الهيمنة المادية الأميركية على النظام العالمي الى «ثقافة»، تجعل من اميركا لا مجرّد منتصر بل «نموذجاً» ومثالاً متفوقاً، وهي كانت تعمل على عدة مستويات: من فكرة النموذج الاقتصادي الأمثل، الى حزمة جماليات تتعلق بأسلوب الحياة والاستهلاك، وصولاً الى ترسيخ الإنطباع بأن السلاح الأميركي متفوّقٌ ولا يُهزم؛ وهذا كان ركنٌ لا يستهان به وبفعاليته في الدعاية الأميركية.


تكون الهزيمة حين تبدأ برؤية العالم من منظار عدوّك، ولكن تربية جيلٍ كامل على فكرة أن الغرب وحده يمتلك مفتاح الحرب وسرّها، وأنّ أي تحدٍّ عسكري لجيشٍ غربي سوف ينتهي بإذلالك، وكلّ سلاحٍ آخر لا نفع له أمام التكنولوجيا الغربية المتفوّقة، هذه العقلية تنتج خضوعاً من نوعٍ مختلف، مقتنعٍ في داخله باستحالة المقاومة، وأن الحرب لا تكون الا على النمط الأميركي (أي انها ليست للفقراء)، ولا نفع من استيراد السلاح الروسي أو الصيني، ناهيك عن التفكير في صناعة سلاحك بنفسك.
حرب الخليج، عام 1991، قدّمت للأميركيين «معرض صورٍ» غنيّ لإثبات تفوّقهم واذلال السلاح المنافس: الدبابات الروسية ــــ التي كانت ترعب اوروبا ــــ مدمّرة ومتفحّمة في الصحراء، طوابير المدرعات العراقية وقد أحرقتها غارات الطيران، وفلول الجيش الهاربة من آلة الحرب الأميركية. في سنوات مضت، كان بالإمكان انهاء أي نقاشٍ (بالأرقام والمواصفات والنظرية) عن مزايا السلاح الروسي أو امكانيات مواجهة غزو اميركي عبر استحضار صور حرب الخليج وفكرة «التفوق النوعي» التي كرّستها. اليمن اليوم يصنع «حرب خليج» بالنسبة الى السلاح الأميركي، تبدّد الهالة التي بنيت حوله على مدى سنين، وتحطّم ــــ وإن بالمعنى الرمزي ــــ أسطورةً أخرى من أساطير الهيمنة.
لم يكن أحد يتخيّل أن يتمّ اذلال السلاح الأميركي على هذا النّحو، فتدمّر مدرعات الـ «برادلي» بالعشرات، وتصير دبابات الـ «ابرامز» منصات لالتقاط الصور التذكارية، وتدخل الأرشيف مئات الصور لأحدث المعدات الأميركية بين ألسنة اللهب ــــ وأن يبدو كلّ ذلك سهلاً ويسيراً. كُسرت هيبة السلاح الأميركي في العراق وافغانستان، ولكن ليس بنفس الشكل والكثافة، والأميركيون كانوا دوماً حريصين على صورة سلاحهم وتبرير خسائرهم. أمّا في اليمن، فقد اكتشفنا أن الدبابات الأميركية قابلة للإشتعال كنظيرتها الروسية تماماً، وبأسلحة سوفياتية قديمة، وقد تم توثيق (خلال هذا الشهر وحده) تدمير أكثر من عشر مدرعات سعودية من طراز «برادلي»، وخمس دبابات «ابرامز»؛ ومع اسقاط مروحية جديدة منذ أيام، يبلغ عدد المروحيات التي أسقطت من الأجواء أو دمّرت في هجوم «صافر» الى أكثر من ثمان، أي ما يوازي نصف سربٍ على الأقل من طائرات الـ «اباتشي» الباهظة الثمن.
دولة كالسعودية، صرفت على شراء السلاح الأميركي وحده (بحسب تقرير للكونغرس) أكثر من 90 مليار دولار منذ عام 2010، تجد نفسها عاجزة عن هزيمة أفقر بلدٍ عربي، و»أنصار الله» يتقدّمون باستمرار داخل أراضيها، ولا تلمح الجنود السعوديين في تسجيلات المعارك الا وهم يهربون. مغزى هذه المشاهد بسيط وواضح، وهو أن السلاح، كالمال، مجرد أداة، لا يجعلك أكثر حكمة أو أكثر شجاعة أو أكثر قوة. ولكن الغربيين سيبذلون جهوداً مضنية، في السنين المقبلة، لإثبات أن العيب ليس في سلاحهم، بل في الجنود الخليجيين، الذين يشترون ما لا يعرفون استخدامه. مقابل التسجيلات شبه اليومية التي يصدرها «أنصار الله» لضرباتهم وغاراتهم وانتصاراتهم، شكلت تسجيلات قليلة نشرها الجيش السعودي فضيحة حقيقية بالمعنى العسكري. في احداها، وهو مأخوذ من قمرة حوامة «اباتشي»، تجد الطيار يستنفد ذخيرته وهو يصيب كلّ شيءٍ حول الهدف باستثنائه، ثم يأخذ اذنا بضرب صاروخٍ ثمنه مئات آلاف الدولارات على هدفٍ لا يناسبه، ثم يتبين (بحساب الوقت الذي استغرقه الصاروخ في طيرانه) أن الطيار السعودي كان يستعمل الرشاش الثقيل من خارج مداه الفعال بعدة كيلومترات ــــ أي انه لن يتمكن من اصابة شيء على أي حال، ولو كان وليم تِل (وهذه هي التسجيلات التي انتخبتها وزارة الدفاع السعودية لعرضها على الجمهور!).
منذ غزو العراق ومسار الهيمنة الأميركية في انحدار. لم تتمكن الولايات المتحدة من فرض ارادتها عسكرياً في كل صراع دخلته (مباشرة أو غير مباشرة) في السنوات العشر الماضية. الا أن اليمنيين اليوم يخوضون حربنا جميعاً، ولا يوجد عربي وطني لا يحلم بمنازلة آل سعود. الحكم السعودي قد جاء اليهم برجليه، غازياً معتدياً؛ لا توجد حربٌ أقدس من هذه، ولا عدوُّ أجدر بالإهانة والإذلال. حرب اليمن، في أكثر من تقريرٍ غربي، صارت تدعى «الحرب المنسية»، لأن الإعلام الغربي يتجاهل جرائم الأنظمة الخليجية ويتحرّج من الكلام عن الحرب، فيما الإعلام في بلادنا، وطبقة المثقفين، تتواطأ بصراحة ووقاحة مع الغزو. يكفي هؤلاء ذلاً أن يسجّل التاريخ أنهم قد وقفوا الى جانب الأمير، المجرم العميل، ضد فقراء اليمن، وضد رجالٍ يحرقون دبابات أميركا التي أذلّت شعوبنا، وهم يصدحون بأعلى الصوت: «الموت لأمريكا، الموت لاسرائيل».