وائل عبد الفتاح

بايدن لن يرى مبارك. الرئيس المصري في رحلة التخلص من «المرارة» ولن يسمع مباشرة نصائح نائب أوباما. سيكتفي بقراءة تقارير القسم السياسي لسفارة بلاده عن مستقبل البرادعي والموقف من التغيرات المصاحبة لظهور فرصته.
بايدن في المنطقة من دون أوراق جديدة. أمنيات ورغبات لا يملك من أجلها سوى الضغوط ومحاولة بثّ الروح في الكيانات المشغولة بمستقبلها. ولهذا، ينشغل بايدن وسفارته بقوة نظام مبارك في مصر وقدرته على أداء الدور نفسه المستمر منذ أن أصبحت العلاقة بين القاهرة وواشنطن أقرب إلى التحالف في ١٩٧٤.
الديموقراطيون، عكس الجمهوريين، يفضّلون النصيحة أو الكلام في السياقات العامة، وهذا ما جعلهم يتحدثون عن أمنياتهم بفتح مجال المنافسة. اقتراحات فريق أوباما ليست أوامر مباشرة، كما حدث مع بوش عندما طلب فك قبضة النظام قليلاً. هذه الـ«قليلاً» أحدثت حراك «المشلولين» بعيداً عن البحيرة الميتة.
سيطلب بايدن من نظام مبارك «كثيراً» هذه المرة، لكن بالرقة المعهودة من إدارة أوباما التي تريد أن يكتسب النظام العجوز بعضاً من حيوية تسهم في ما وصفه أمام قيادات إسرائيل بـ«الدور المصري لعزل إيران عربياً».
الدور المصري يواجه بالتهميش نتيجة طبيعية للشيخوخة والاستبداد. وهو ما لن يلتفت إليه بايدن المعروف بأنه الأكثر تطرفاً في الحفاظ على «أمن إسرائيل» بين إدارة الساحر الذي تعطّل سحره وأحبط منتظريه.
صوت نظام مبارك بعيد عن السجالات الإقليمية. الانشغال كله من أجل استعادة السيطرة الكاملة على البلاد بعد «هزة» البرداعي. المصريون صدمتهم شفافية الدولة. اكتشفوا في النظام «الراكد» أجهزة ذكية هي المسؤولة عن الإعلان الرسمي بأن الرئيس في رحلة علاجية لاستئصال المرارة وأنه فوّض الدكتور أحمد نظيف رئيس الحكومة في فترة غيابه.
هذه هي المرة الأولى تقريباً التي يجري الإعلان فيها بهذه الشفافية الغريبة عن النظام. شفافية تحمل رسائل عديدة، أولاها أن مصر دولة مؤسسات وليست دولة رئيس، وأنه يمكن تفويض رئيس الحكومة.
الرسالة الثانية تفعيل الدستور في اللحظة التي يتصاعد فيها الجدل السياسي بشأن تعديل المواد الخاصة بالترشح للرئاسة. الرسالة تقول إن الدستور فعال ويضمن إدارة للبلاد في حالة الغياب المؤقت للرئيس، وتقول أيضاً إن الرئيس ونظامه يطبقان القواعد الدستورية بحذافيرها.
الرسالة الثالثة هي أن النظام قويّ ومستقر، في لحظة يكثر فيها الحديث عن الاهتزاز والقلق العاصف من سنة الانتخابات.
الرسالة الرابعة هي أن الحكاية «عندنا... نحن وفقط» أي أن كل ما يتعلق بصحة الرئيس وأسرار مؤسسة الرئاسة هو اختصاص حصري بمؤسسات النظام.
هناك رسائل أخرى تختبر فيها أجهزة الدولة رد الفعل على غياب الرئيس المؤقت، وتحاول استكشاف الرغبات النائمة أو الفعاليات المنتظرة للحظة الفوضى.
هذا هو الجانب الذكي من أجهزة النظام. لكن، هناك في المقابل ارتباك ملحوظ في دوائر خاصة محيطة بالنظام لا يريد أحد منه أن يكون مصدر معلومات أو تحليل يكشف عن شيء.
ربما هم لا يعرفون شيئاً، وخاصة أن هناك ما يغري بالتكهّنات في الرواية الرسمية لرحلة الرئيس العلاجية (من بينها مثلاً هل تحتاج المرارة، وهي من جراحات اليوم الواحد، للسفر إلى ألمانيا؟ وإذا كانت العملية بسيطة، فلماذا سافرت كل العائلة بصحبة الرئيس؟
لكن، حتى هذا الإغراء لم يكن كافياً لكي تحتل رواية «مرارة الرئيس» حجماً كبيراً من الاهتمام. وهي ملحوظة جديرة بالتأمل. لماذا لم ينشغل الناس بمتابعة صحة الرئيس كما حدث في مرات سابقة، آخرها مثلاً في ٢٠٠٧؟ غالباً لأن الناس مهتمون الآن بما بعد الرئيس مبارك أكثر من اهتمامهم بقدرة الرئيس مبارك على الحكم. بمعنى آخر، لم يعد انتظار الحالة الصحية للرئيس هو النقطة الوحيدة في أمل التغيير، لكن ظهرت عناصر أخرى لها بعض القوة يمكنها أن تحدث تغييراً من دون انتظار قدرات الرئيس الصحية.
كذلك فإن الخبرات القديمة مع الروايات الرسمية تسير أكثر باتجاه الشك التقليدي في إنها تقول الحقيقة. بل إن هناك تصوراً بأن الرواية الرسمية تظهر عندما يراد إخفاء الحقيقة.
الجديد في رواية المرارة هو عدم الاهتمام العام أو التعامل مع الخبر على أنه خبر بروتوكولي عادي، وهو ما يشير إلى تغيير قوي في نظرة المجتمع تجاه مؤسسة الرئاسة.
لم يعد انتظار التغيير من تلك المؤسسة وحدها. ظهر هناك أمل أو احتمال ما لقدرة المجتمع على إحداث تغيير في المؤسسة. وبين التغيير (من) المؤسسة والتغيير (في) المؤسسة مشوار طويل ما يزال المجتمع المصري في أوله.
لكنّ هناك شيئاً ما تغيّر، وهذه تغيرات يحاول بايدن وساحره في واشنطن إدراكها ربما ليقترحا على مبارك في زيارته المقبلة، خطة طريق تربط بين مستقبله السياسي ومستقبل مفاوضات... تكاد تموت قبل أن تبدأ.