Strong>معتصم حمادة *

تؤكد مجموعة من التجارب أن المستقلين الفلسطينيين ما زالوا يمثلون في الحالة السياسية الفلسطينية وضعاً قلقاً، رجراجاً، وغير مستقر، وأنهم ما زالوا، حتى الآن، عاجزين عن أداء دور سياسي فاعل ومؤثر، رغم حاجة الحالة السياسية الفلسطينية إلى مثل هذا الدور، وخاصة في المرحلة الحالية. غير أن هذه الخلاصة لا تتجاهل، في الوقت نفسه، أن عدداً من هؤلاء المستقلين، الذين ينتمون إلى ما يسمى النخبة، يحاولون أن يمثّلوا مصدراً للرأي، وأن يساهموا في إغناء النقاش والحراك السياسي، وفي بلورة رؤية (أو رؤى) متجددة للواقع الفلسطيني ومستقبله. لكن هذه المحاولات لم تنجح في أن تصل إلى مستوى التيار، وما زالت تحركات أفراد مبعثرة، لم تتحوّل إلى عنصر من عناصر صياغة الحالة السياسية الفلسطينية.
يحضرنا، في هذا السياق، العديد من المبادرات التي انطلقت في فترات مختلفة على أيدي مجموعات من المثقفين الفلسطينيين الذين يقدمون أنفسهم باعتبارهم «مستقلين»، علماً بأن معظمهم جاء إلى مربع المستقلين هذا من قلب العمل الحزبي والسياسي المنظم، ويحمل في داخله خلاصات تجارب حزبية وصلت به إلى الطريق المسدود، فانعكست رؤية سلبية للعمل الحزبي والسياسي المنظم، ما يدفعه لوضع نشاط المستقلين (إن وجد) في مواجهة عمل الأحزاب والفصائل الفلسطينية. وكأن الساحة لا تحتمل نشاطاً سياسياً حزبياً وإلى جانبه نشاط سياسي للمستقلين، أو أن فتح الآفاق أمام نشاط المستقلين يتطلب حتماً إعدام العمل الحزبي والسياسي المنظّم. لذلك، لا يتردد في تحميل الأحزاب والفصائل الفلسطينية مسؤوليات إجهاض تجارب المستقلين ومحاولاتهم الانخراط في العملية السياسية.
كذلك يلاحظ إصرار بعض المستقلين، لنيّات غير حميدة، على التأكيد أن المستقلين يمثلون «الغالبية العظمى» من الشعب الفلسطيني، ليدعو إلى دور أكثر فاعلية للأحزاب والفصائل من أجل استقطاب أعداد إضافية لمصلحة العمل السياسي المنظّم (على فرض أن العمل المنظّم هو الأكثر جدوى والأكثر فاعلية)، بل ليغمز من قناة الأحزاب والفصائل، ومن مشروعية «تمثيلها» للشارع الفلسطيني، في عملية تحريض سافرة ضد العمل المنظّم، وضد الفصائل والأحزاب، في خلط عجيب بين التمثيل المباشر للناس من حيث انخراطهم في العمل المنظّم، وبين تمثيل مصالح هؤلاء الناس وحقوقهم والدفاع عنها واستلهامها مصدراً للقرار السياسي.

كأن الشعب الفلسطيني يعيش حالة من الجاهلية (والجهل) السياسية بانتظار مجموعة من فرسان الكلمة القادمين إليه من قلب الضباب
كذلك يلاحظ أن بعض نخب المستقلين ينظرون إلى غير المنظّمين في الأحزاب والفصائل على أنهم مجرد كتلة هلامية تمثّل أساساً صالحاً لحزب جديد، متجاهلين أن الآلاف ممن يبدون كأنهم مستقلون، ليسوا في الحقيقة كذلك، بل هم ينتمون إلى تيارات سياسية بعينها، يسارية أو قومية، أو إسلامية أو سواها، يلتفون حول هذا الفصيل أو ذاك من دون أن يربطهم به رابط تنظيمي مباشر.
ويمكننا أن نضيف ملاحظة أخيرة وهي أن عدداً غير قليل من الحزبيين أو الحركيين يقدمون أنفسهم إلى الرأي العام على أنهم مستقلون، معتقدين أن الموقع الحزبي يمثل قيداً على تحركاتهم، وأن صفة «المستقل» تفتح لهم آفاقاً سياسية أكثر رحابة.
في كل الأحوال، وكخلاصة لكل ما أوردناه، ما زلنا نتطلع إلى دور فاعل يؤدّيه المستقلون في الحالة الفلسطينية، لا يتناقض مع عمل الأحزاب والفصائل، ولا يكون في الوقت نفسه تابعاً لها، بل يتفاعل معه في عملية جدلية تعكس نفسها في خدمة المصلحة الوطنية العامة، وخاصة أن الوضع الفلسطيني، في تشتّته الجغرافي والسياسي، يحفظ للمستقلين دوراً ما يزال حتى الآن يشكو الفراغ ويبحث عمن يقوم به بجدارة.
نسوق هذا الكلام ـــــ الذي نعتقد أنه قد يغضب كثيرين لصراحته ووضوحه وواقعيته وابتعاده عن المجاملات وتدوير الزوايا ـــــ ونحن نستقبل الإعلان عن ولادة «هيئة الحقوق الفلسطينية» التي قدمت نفسها في مؤتمر صحافي في بيروت (24/2/2010) وفي حديث إلى صحيفة «الأخبار» اللبنانية للزميل بلال الحسن (التاريخ نفسه) الذي بدا ناطقاً رسمياً باسم «الهيئة». وقد أثار لدينا عدداً غير قليل من الملاحظات من أهمها:
· لاحظنا في حديث بلال نبرة أستذة واستعلاء على الحالة الشعبية الفلسطينية، وحالة اغتراب عبّر عنها حين تحدث عن «مهمة تثقيف الشعب الفلسطيني وتوعيته لأهمية حقوقه وعدم هدرها» وكأن الشعب الفلسطيني يعيش حالة من الجاهلية (والجهل) السياسية بانتظار مجموعة من فرسان الكلمة القادمين إليه من قلب الضباب ليدلّوه إلى الطريق الموصل لحقوقه. ولا نعتقد أن الأمر يحتاج منا إلى شرح وافٍ لتأكيد مستوى الوعي السياسي الذي تعيشه التجمعات الفلسطينية في المناطق المختلفة، ولا نعتقد أن هذا الأمر يحتاج إلى شهادة منا. ونرى أن مثل هذه العبارة، كما وردت على لسان بلال في حديثه إلى الزميل حسام كنفاني، إنما تمثّل ليس فقط سقطة خطيرة، بل هي تدلّل على حالة نخبوية معينة تفتقر إلى الصلة اليومية مع الحالة الشعبية، وكذلك إلى المعرفة الحقيقية بطبيعة هذه الحالة.
· واستطراداً، نلاحظ أن بلال يتحدث عن «نشر الثقافة الفلسطينية الأصلية»، كواحدة من مهمات «الهيئة» متبرّماً من إغراق الحالة الفلسطينية ـــــ كما يقول ـــــ بـ«تفاصيل لا علاقة لها بالشعب كالمفاوضات والانقسام». ونعتقد في السياق ـــــ خلافاً لما يعتقد بلال ـــــ أن ملفي المفاوضات والانقسام ليسا مجرد «تفاصيل». كما نعتقد في الإطار نفسه أن لهذين الملفين علاقة مباشرة بالشعب الفلسطيني وبحاضره ومستقبل قضيته.
فالانقسام، وهو تعبير عن سياسات ومواقف وسلوكيات ـــــ يمثّل الآن وباعتراف الجميع هماً وطنياً وعقدة كبيرة تعوق مجمل الحالة الفلسطينية، ويمثّل في الوقت نفسه عنصراً من عناصر منعها من التقدم إلى الأمام. ويسود الحالة الفلسطينية بكل اتجاهاتها السياسية والفكرية قناعة راسخة بضرورة وضع حد لهذا الانقسام، وضرورة استعادة الوحدة الداخلية. فالوحدة الوطنية هي من ثوابت الثقافة الفلسطينية الأصلية، ومن يحاول أن يتجاوز هذه المسألة يكون قد وقع في سقطة كبير ستقوده إلى العزلة السياسية.
ملفا المفاوضات والانقسام ليسا مجرد «تفاصيل»، بل لهما علاقة مباشرة بالشعب الفلسطيني وبحاضره ومستقبل قضيته
أما المفاوضات، فهي بالضرورة همّ وطني من الطراز الأول ودليلنا في ذلك أن الحالة الفلسطينية مشغولة كلها الآن بالموقف العربي الذي وفّر غطاءً للرئيس محمود عباس لاستئناف المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي. ويهمّنا هنا أن نلفت النظر إلى أن «الثقافة الفلسطينية الأصلية» لا تضع تعارضاً بين المقاومة (كل أشكال المقاومة العسكرية والسياسية والثقافية والاقتصادية وغيرها) وبين العملية التفاوضية. ونعتقد أن أي محاولة من قبل «الهيئة» لوضع تعارض بين المقاومة والعملية السياسية، والعودة إلى اعتبار المقاومة السبيل الوحيد للوصول إلى الحقوق الوطنية، ليست إلا مزايدة لفظية غير واقعية، ولا تلبي الضرورات الوطنية. كما نعتقد أن أي محاولة للقول إن المثقف لا تهمّه إلا الأمور والمواقف المطلقة، وليس معنياً بتكتيكات السياسي، ما هي إلا ذر للرماد للعيون، واستقالة معلنة للمثقف من موقعه النضالي اليومي، وتضليل للرأي العام الفلسطيني وبث وعي مزيف وكأن الطريق إلى الحقوق لا يمكن إلا أن تكون مستقيمة بعيداً عن التكتيكات وعن مراعاة الظروف الوطنية نفسها. إلى ذلك، فإن حصر العمل الفلسطيني بالمقاومة يمثّل قفزة عمياء عن واقع الحالة الفلسطينية في الخارج، ودعوة إلى إبقاء الخارج في حالة تبعية للداخل من حيث منسوب المستوى الكفاحي، ومن حيث صياغة البرامج النضالية.
· ويبدو واضحاً، في حديث بلال، أن «الهيئة»، وهي تقدم نفسها كطرف مستقل لا تتبنى إيديولوجية بعينها، وأن إيديولوجيتها هي الحقوق الفلسطينية الثابتة، تنحو في الموقف السياسي منحى مخالفاً لهذا القول. هي تعلن انحيازها لتيار سياسي فلسطيني بعينه، هو تحالف القوى الفلسطينية، وتتخذ من فصائل منظمة التحرير موقفاً عدائياً، تحاول أن تجد له مبررات لا تستند إلى وقائع ولا إلى معطيات مقنعة. فالموقف من فتح أمر مفروغ منه ولأسباب لا داعي لذكرها. أما حزب الشعب فهو، برأي بلال الحسن، بات تابعاً للسلطة الفلسطينية. كذلك هو الموقف من الجبهة الديموقراطية التي يصفها بلال بأنها باتت تمثل المحافظين الجدد في الحالة الفلسطينية، وهو توصيف أوضح طبيعة الحالة السياسية التي يعيشها بلال الحسن، ومدى تأثره بالحالة الانقسامية التي يعيشها الوضع الفلسطيني، وإلى أي مدى بات يمثّل جزءاً من الحالة الانقسامية، فضلاً عن كونه توصيفاً يثير السخرية من قائله، ومدعاة للشفقة عليه. أما الجبهة الشعبية فإن «الهيئة» لن تتعامل معها لأنها تعيش حالة مزدوجة بين الداخل والخارج. إذاً، وبوضوح تام، فإن «الهيئة» لن تتعامل مع فصائل منظمة التحرير، بل هي تناصب هذه الفصائل شكلاً من أشكال العداء السافر، لتبرر لنفسها الانحياز السياسي المسبق لتيار دون غيره. أمر يخفي في طياته مخاطر أن تكرر هذه «الهيئة» تجربة المؤتمر الوطني في دمشق الذي انتهى إلى لجنة متابعة باتت في نهاية الأمر مجرد ظل لفصائل التحالف الوطني، تجتمع دورياً وتكتفي بإصدار بيان قد لا يحمل جديداً. أو أن تكرر تجربة المؤتمر الدولي للاجئين الفلسطينيين وحق العودة الذي انتهى هو الآخر إلى بيان ركيك وللجنة متابعة لم يعد لها من وجود. أو أن تكرر تجربة لقاء المستقلين في بيروت، وكان بلال الحسن واحداً من عناصره الرئيسية وانتهى مع انتهاء
جلساته.
* عضو المكتب السياسي في الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين