سؤالٌ ساذجٌ: من منع الأنظمة العربيّة من إنتاج الأسلحة المتطورّة والمتقدّمة وتطويرها؟ والشقّ الثاني من السؤال: لماذا لم تُقدم الأنظمة العربيّة على الدخول في النادي النووي السلميّ؟ هل تنقصها الأموال؟ هل ينقصنا الخبراء؟

نسأل هذا السؤال على وقع حالة الهستيريا التي باتت تُلازم الأنظمة العربيّة، وفي مُقدمتها المملكة العربية السعودية، المشغولة منذ نصف سنة في حرب إبادةٍ جماعيّة ضدّ العدو اللدود اليمن غير الشقيق، وهي امتداد لنصف قرن من الغدر بالمشروع القوميّ العربيّ.

لكن، بنظرةٍ متأنيةٍ، وإلى الوراء قليلاً، يتبين لنا أنّ السؤال ليس ساذجاً بالمرّة، بل هو صعب للغاية: هذه الأنظمة، من ألفها إلى يائها، تدور في فلك بلد الشياطين الجدد، الولايات العربية المتحدة. وهي عملياً، لم تصل بعد إلى درجة الاستقلال. بكلماتٍ أخرى، لا نجافي الحقيقة إذا قلنا وفصلنا أيضاً إنّ هذه الدول لم ترتقِ حتى اللحظة إلى مستوى الدولة، بمعناها الحديث. أي إنّ هذه الدول لا تملك القرار المُستقل، لا في المجال السياسي ولا الاقتصادي ولا حتى الاجتماعي. إنّها دول مُستباحة من قبل المُخابرات الأميركيّة، التي تفعل ما تشاء، دون حسيبٍ أو رقيبٍ. هذه المخابرات هي التي ترسم سياسات هذه الدول، التي يُمكن اعتبارها، لا أقل ولا أكثر من محميات أميركيّة غير طبيعية.
بموازاة ذلك، نسأل أيضاً: إذا تمكنت الجمهورية الإسلامية الإيرانية من تحدي الشيطان الأكبر، أميركا، وولجت في برنامجها النووي، السلمي أو العسكري، فلماذا ثارت ثائرة هذه الأنظمة الرجعية؟ علاوة على ذلك، بعد توقيع الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة دول (5+1) بات جليّاً وواضحاً تسابق المصالح بين السعودية ومن لفّ لفيفها، وبين صنيعة الحركة الصهيونيّة والإمبريالية، إسرائيل. ومن هنا يُمكن فهم الـ«تقارب» بين الرياض وتل أبيب واللقاءات التي باتت علنيةً بين مسؤولين إسرائيليين ومسؤولين سعوديين. ووصلت الصفاقة والوقاحة بأحدهم أن طلب من صحافيّة إسرائيليّة أجرت معه لقاءً في الدوحة، عاصمة قطر، الواقعة في قاعدة العديد العسكريّة، وهي أكبر قاعدة عسكرية أميركية في الشرق الأوسط، وصلت به الصفاقة إلى درجة أنّه طلب منها التأكيد والتشديد على نشر اسمه، لأنّه لا يخشى أحداً، على حدّ تعبيره. ورغم موقفه الوضيع هذا، حبذّا لو كان لا يخشى أحداً اعتماداً على قوة السلطة التي هو جزء منها، وليس لأنّ كل الخليج تحت الحماية الأميركية، وهي الحماية التي يجري السعي الأميركي إلى استبدال مظلّة صهيونية بها! فعلام التفاخر؟!


■ ■ ■


من نوافل القول إنّ دول الخليج، كانت وما زالت وستبقى، تحت حماية واشنطن. والآن مع اقتراب إيران من القنبلة النوويّة، ستتحول هذه الحماية إلى مُشددة أكثر لأن الخبث الأميركي سيستثمر هذا التطور لتنفيذ مصالحة ومآربه، وفي مقدمة ذلك استخدام إيران على عتبة النووي كفزاعة لحثّ دول الخليج على شراء الأسلحة، التي لن تُستخدم، اللّهم إلّا للاستعراضات العسكريّة وقمع الشعوب.

لماذا لم تُقدم الأنظمة
العربيّة على الدخول في
النادي النووي السلميّ؟

تماماً كما فعلت السعوديّة عندما أرسلت درع الجزيرة إلى مملكة البحرين للمحافظة على النظام الحاكم هناك من الثورة السلميّة، التي تناساها العالم العربي وما يطلق عليه المجتمع الدوليّ، ولم يأبه لحقوق الإنسان في هذه المملكة التي تُداس يومياً على مرأى العالم ومسمعه. والمعضلة الكبرى أنّ السعوديّة غاضبة جداً من مشاركة حزب الله اللبناني في دعم نظام العروبة الأخير في الوطن العربيّ، أي سوريا. حزب الله، هو حليف في محور الممانعة والمُقاومة. هبّ لنجدة النظام السوريّ الذي لم يبخل عليه في حرب لبنان الثانية، لا بالأسلحة ولا بالخبرة من أجل تمريغ أنف دولة الاحتلال في التراب. وكما قال الشهيد البطل غسّان كنفاني: «في الوقت الذي كان يُناضل فيه بعض الناس، ويتفرّج بعضٌ آخر، كان هناك بعضٌ أخير يقوم بدور الخائن».
ذاكرتنا ليست قصيرة، وحتماً ليست انتقائيّة، وما زلنا نذكر أنّه خلال عدوان إسرائيل على لبنان في عام 2006، في الوقت الذي كانت فيه سوريا تدعم المقاومة، كانت السعوديّة تتآمر على حزب الله. ولا ضير في هذه العجالة من تذكير من خانته الذاكرة بأنّ السعوديّة أصدرت بعد عدّة أيّام من العدوان الصهيوني على لبنان بياناً رسمياً جاء فيه أنّ حزب الله أدخل لبنان في مغامرة غير محسوبة. وما العمل يا أمراء ويا سلاطين ويا ملوك بأنّ الـ «مغامرة»، وباعتراف من أركان تل أبيب، انتهت بنصر حزب الله الذي تمكّن لأوّل مرّة منذ النكبة، من تحطيم «دوكتيرنة» (عقيدة) بن غوريون القائلة إنّه يجب على إسرائيل حسم المعركة خلال أيّام، شرط أن تدور رحاها في أرض العدو.

■ ■ ■


لكن الأخطر ممّا ذُكر سابقاً أنّ الاستعمار وموبقاته، مدعوماً من الصهيونيّة، تمكّن من تحويل النزاع في الوطن العربي من صراعٍ على الوجود إلى صراعٍ على الحدود. ولكن ليس مع إسرائيل، المُعربدة والمارقة بامتياز، بل بين العرب أنفسهم وذلك ضمن مشروع الشرق الأوسط الجديد، الذي يهدف إلى تفتيت ما بقي من الوطن العربي إلى دويلات قوميّة، إثنية، طائفيّة ومذهبيّة. ومن أجل إنجاح هذا المشروع لم تتورّع الولايات المُتحدّة عن تجييش كلّ ما لديها من مخططات جهنميّة لإخراج وإنتاج شرق أوسط جديد. وبما أنّ المذهبيّة باتت سيّدة الموقف، فإن الحلّ السحري كان جاهزاً: الرئيس السوري بشار الأسد بات علوياً وليس عروبياً، إيران دولة شيعيّة، وحزب الله هو جريرة لها. وهذا الخطاب الذي يُهيمن اليوم على السواد الأعظم ممّا يُطلق عليها، إسرائيلياً وأميركياً، الدول السُّنيّة المُعتدلة انتشر كالنار في الهشيم، وأصبح الوطن العربي مُقسّماً بين الشيعة والسُّنّة. وتواصل واشنطن وتل أبيب العمل على إذكاء هذه الحرب المصطنعة بين الناطقين بالضّاد لتحقيق أهدافهما، الاستراتيجيّة والتكتيكيّة، على حدٍّ سواء. وعندما أدخل الدين بجميع مذاهبه على خطّ المواجهة، بات تنفيذ المُخطط الإمبريالي ـ الصهيوني سهلاً للغاية. ولا بُدّ من التشديد هنا على أنّ الكذبة الكبيرة التي تربينا عليها، والقائلة إنّ قضية فلسطين هي قضية العرب المركزيّة، اختفت عن المشهد الشعبي بعد أن فتك به المشهد الرسمي. إذ إنّ السعودية وقطر وتركيا، غير العربية، تعمل بوتيرة عالية جداً على إدخال حركة حماس إلى بيت الطاعة الإسرائيلي. ولا نستبعد البتة أنّ هذا المخطط المشترك للدول/الأنظمة الـ«سنيّة» هدفه الرئيسي التخلّص من القضية الفلسطينية المُزعجة، وإقامة إمارة متصالحة مع العدو الإسرائيلي في قطاع غزّة. وفصل الضفة الغربيّة، التي يقودها الرئيس غير الرئيس محمود عبّاس، وهو من أيتام أوسلو المشؤوم، عن غزّة للتخفيف عن الدولة العبريّة، التي تُواصل عملياتها الاستيطانية لقضم ما بقي من أراضٍ فلسطينيّة في الضفة الغربيّة.

■ ■ ■


يُقال إنّ شرّ البلية ما يُضحك: مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي، التابع لجامعة تل أبيب، والمُرتبط عضوياً مع المؤسستين الأمنيّة والسياسيّة في دولة الاحتلال، أعدّ أخيراً دراسةً جاء فيها أنّ السعودية قد تلجأ إلى القوة العسكريّة للجم إيران ومنعها من مواصلة السيطرة على الوطن العربي، على حدّ تعبيرها. ومع أننا نعلم بأنّ هذه الـ«دراسة» الاستراتيجيّة هدفها تأجيج الصراع الإيراني ـ السعودي، وتدخل في إطار الحرب النفسية الصهيونية ضدّ إيران والعرب على حدٍّ سواء، إلا أننّا نسأل وبالصوت العالي: السعودية، التي تهاجم اليمن منذ ستة أشهر ونيّف، لم تتمكّن من الانتصار على هذا البلد العربي رغم عدم تكافؤ القوّة بين الطرفين، فكيف لها أن تُحارب إيران، التي حولّت نفسها وباعتراف دوليٍّ، إلى دولة إقليميّة إن لم تكُن عظمى؟ أم أنّ السعودية، بإيعازٍ من واشنطن وتل أبيب، ترغب في الدخول في مقامرة (غير) محسوبة، في محاولة بائسة ويائسة لخلط الأوراق في المنطقة؟ في حقيقة الأمر، لا يمكننا استبعاد أيّ شيء على وقع التطورات والمُستجدّات في المنطقة. فالحرب التي استمرّت 8 أعوام بين إيران والعراق، شبيهة إلى حد كبير بالسيناريو الذي نتحدّث عنه. وإذا تحقق هذا السيناريو، ونحن نأمل أن نكون على خطأ، فسيكون سباق التسلح على أشدّه، وجميع الدول ستربح الأموال الطائلة من بيع الأسلحة والعتاد العسكري. والعرب، كالعادة، سيكونون في الجانب الخاسر. ولكن، إذا كانت السعودية تعتدي على اليمن الآن بالسلاح الأميركي وتستجدي باكستان والسنغال والإمارات (التي هي مجموعة قبائل) ومصر لإرسال جيوشها للقتال ضد اليمن، فهل بوسعها مقاتلة إيران بأي وسيلة؟ أم أنّ الاستراتيجيين الصهاينة يقصدون أنّ إعلان الحرب سعودي، بينما تنفيذ العدوان صهيوني؟
* كاتب عربي ــ فلسطين