تشهد بيروت منذ حوالى أكثر من شهر حركة احتجاج شعبية عُرفت بمصطلح «الحراك المدني» وترفع مطالب خدماتية وأخرى مرتبطة بالإصلاح السياسي للنظام اللبناني. أعاد هذا الحراك طرح جملة من الأسئلة بخصوص الواقع اللبناني الى الواجهة وبثَّ نوعاً من الحيوية المحلية غير التقليدية، أي من خارج الانقسام التقليدي بين قوى 8 و14 آذار.


في هذا الصدد، جملة من الأسئلة التي يدور حولها السجال في بيروت هذه الأيام، ما هي طبيعة الحراك القائم في الشارع؟ من هي مكوناته وأجنداتهم؟ ما سر التوقيت؟ ما هي الظروف التي سمحت بخروجه للضوء؟ ما هي التحولات التي عبّر عنها؟ من هم المتضررون؟ ما هي حدود النتائج المتوقعة؟
تتألف نواة الحراك من جملة مجموعات ليبيرالية ويسارية شابة معادية للنظام اللبناني بدوافع متفاوتة. هذه المجموعات بالمجمل لديها تجربة وخبرة الاحتجاج في الشارع وإن بشكل محدود. يبرع هؤلاء في استخدام الأدوات المعاصرة مثل الغرافيكس، والموسيقى، ووسائط التواصل الاجتماعي، وآليات الاحتجاج السلمي وشبه السلمي للحشد والتعبئة. هذه البراعة تعود للخبرات الشخصية للمنظمين (بسبب التجربة المتراكمة والدراسة)، والحاجة إلى الإبداع، وعملهم في منظمات المجتمع المدني المحلي وتطبيق برامج تنموية أو حول «المدافعة» والحقوق. يضاف إلى ذلك أن بعض المنظمين – لا سيما من الليبراليين – على احتكاك بأجهزة أميركية (حكومية وغير حكومية) للعمل بقضايا حول المدافعة والمهارات القيادية والتغيير السياسي و«نشر الديموقراطية»، ولدى هؤلاء معرفة بتقنيات «الثورة الملونة» والاحتجاج السلمي.
الحراك الذي تصدره «الليبراليون» في البداية سرعان ما شهد حضوراً نوعياً لجماعات يسارية موازية. الفارق الجوهري بين الجهتين، أن الأولى تصر على الضبابية السياسية في مقابل تقديم الخطاب المطلبي، وهي في مجملها معادية للمقاومة بدوافع ثقافية وسياسية. فيما الثانية، تقدم خطاباً سياسياً عميقاً حول إعادة تشكيل السلطة، وآليات النهب المنظم، والنيوليبرالية وعلاقة النخبة المحلية بالمركز الرأسمالي، وهي مؤيدة إجمالاً لفكرة المقاومة والنضال المسلح وإن كانت على خلاف مع حزب الله سياسياً بشكل أساسي. ظهور اليساريين (حزب شيوعي حالي وسابق – حركة الشعب – علمانيون وطنيون معادون بوضوح للولايات المتحدة) خلق نوعاً من التوازن داخل الحراك وطرح تحدي الشراكة وإدارة هذا التنوع والتوفيق بين التناقضات، إلا أنه خفف من هواجس الكثيريين تجاه المجموعة الأولى التي تسيدت الحراك بدايةً.

ترنح النظام واتساع الفجوة

ما الظروف التي أتاحت خروج هذا الحراك الشعبي (ظاهرة سياسية) بهذه الفاعلية الى الشارع؟ كلما يتقلص نفوذ النظام في الحيز الاجتماعي يتوسع حضور القوى المعارضة له والتي تنتهز ظهور أي فجوة للخروج نحو «الضوء» والفعالية السياسية. كيف ظهرت إذاً هذه الفجوة؟ أي ماذا يُضمر النظام اللبناني وما طبيعة الضغوط التي يتعرض لها من داخله ومن خارجه؟ للإجابة يمكن الحديث عن تحولات جوهرية وأسباب مساعدة وثم المحفز. على صعيد التحولات الجوهرية، تعرضت عمادتا «نظام الطائف» الى انتكاسات جوهرية، وهما دعامتا الرعاية الخارجية والزبائنية عبر ريوع الفساد (الدولة الغنائمية). دعامة الرعاية الخارجية لإدارة الملف اللبناني اهتزت عام 2005 وتترنح منذ عام 2011.


النسبية هي الثغرة التي يمكن أن تفتح مساراً لعملية اصلاحية تدريجية تمتد على سنوات

نظام الطائف قائم على توافق سعودي – سوري بمظلة أميركية – فرنسية، ساهم في استقرار النظام حتى عام 2005. ما جرى عام 2005 كان بمثابة سحب للوكالة التي أعطيت للسوريين لإدارة الملف اللبناني. ومنذ 2011 بدأ صمام الأمان هذا ينغلق، بفعل الصراع السوري ـ السعودي، ولم يعد قادراً على تأمين فعالية النظام اللبناني أو استقراره. أدت أحداث ما بعد اغتيال الحريري الى اختلال قوى ظاهر بين من هم داخل النظام وخارجه، إذ انخرط حزب الله في السلطة ولامس حدود النظام وعاد المسيحيون الى المجال السياسي طامحين بدور في السلطة (قوات – كتائب) أو في النظام (عون). أي أن نظام الطائف، كممارسة بالحد الأدنى، لم يعد عاكساً لتوازنات القوى في الحيز السياسي – الاجتماعي. الدعامة الثانية التي اهتزت هي في «عدم كفاية الريوع» لدى نخبة النظام كي تحافظ على استدامة آليات الزبائنية وبالتالي الولاء والطاعة. عدم كفاية الريوع يعود لتقلص إمكانات التوظيف في أجهزة ومؤسسات الدولة (بعكس الحال في التسعينيات حيث كان يعاد بناء الدولة بعد الحرب الأهلية)، وأزمة المالية العامة للدولة اللبنانية وانخفاض ريوع الصناديق والصفقات، بالتوازي مع نمو نسبة الشباب بين السكان (أو قوة العمل 15 سنة – 65 سنة) مع محدودية العرض الاقتصادي (مفهوم النافذة الديموغرافية يشرح هذه الدنيامية بالتفصيل) ما يؤدي لزيادة في التهميش الاقتصادي - الاجتماعي. لم يعد لدى نخبة النظام الريوع الكافية لاستيعاب شرائح شبابية جديدة طامحة لدخول سوق العمل، ولا حتى لتسكين الحاجات الأساسية للسكان بسبب الفشل الذريع للدولة على صعيد الخدمات الأساسية.
هذه التحولات الجوهرية التي تأزمت منذ عام 2005 تقاطعت مع أسباب مساعدة ساهمت في تحضير المسرح لظهور الحراك بهذه الفعالية. السبب الأول يعود لرفض نخبة النظام (الحريرية بشكل أساسي) الإقرار بدور وازن للعماد عون داخل تركيبة النظام، وهو ما لم يترك لعون إلا ممارسة لدور «تعطيلي» بشكل متصاعد منذ سنتين.
هذا الدور أو «الفيتو»، المستند إلى دعم من حزب الله، أدى الى تعطيل انتخابات رئاسة الجمهورية وتقييد عمل مجلسي النواب والوزراء على حد السواء، ما فاقم من إرباك النظام وضموره واهتزاز مشروعيته الشعبية. نجحت نخبة النظام حتى اللحظة في استنزاف عون، إلا أنه تمكن في المقابل من إبطاء حركة النظام الى حدودها الدنيا، واضعاً اياه تحت وطأة الشك والقلق والاستهداف، وهي وطأة ساهمت فيها قوى سياسية هزت هيبة النظام الأمنية بإتاحة مجالات فوضى بهدف دعم المعارضة السورية منذ 2011 (حالة الأسير وأحداث عرسال وقادة المحاور في طرابلس).
السبب المساعد الثاني يعود الى هامش التعبير الحر الذي أتاحه رواج وسائل التواصل الاجتماعي خلال السنوات الأخيرة. يمتاز هذا المجال الجديد بضمور سلطة الدولة والجماعة ويتيح بالتالي للأفراد القدرة على انتقاد وكسر قداسة الزعامات التقليدية بعواقب محدودة. هذه الممارسة بما فيها من إغراء للشباب الناقمين، تنتشر كموجات على مواقع التواصل بما يسمح بإمكانية تسييلها في الواقع وإن بدرجة أقل.
يضاف لذلك ما يتيحه هذا المجال من إمكانيات واسعة لحشد وتعبئة وتنظيم واستقطاب لشرائح الشباب لا سيما من مجموعات منغمسة فيه وتدرك مزاياه وتجيّرها لأهدافها السياسية. في المقابل، يبدو حضور الأحزاب التقليدية خافتاً في هذا المجال وتقليدياً تطغى عليه البروباغاندا المنخفضة التأثير لنقص في الأفكار والمهارات وضمور مشروعية القضية.
لكن ما تقدم لا يفسر التوقيت، لماذا لم ينفجر الشارع بهذا الشكل منذ 6 أشهر أو سنة؟ بالطبع كانت هناك تحركات اعتراضية أقل تأثيراً لهيئة التنسيق النقابية بخصوص سلسلة الرتب والرواتب وفعاليات تحت عنوان «إسقاط النظام الطائفي» منذ 2011، إلا أن الحراك هذه المرة يبدو مقلقاً ومحرجاً للنظام أكثر من قبل، وذلك لأسباب ذكرت آنفاً وأيضاً لتسرب الاحتجاج الى البيئات التقليدية لنخبة النظام. صحيح أن التحرك يقوده قوى معادية للنظام ولكن المشاركين يتجاوزون ذلك ممن هم «رعايا» لدى نخبة النظام وهوامشه. هل التوقيت مدبر أم له ظرف موضوعي أم إاستغلال لظرف موضوعي؟ كل أزمة بحاجة لعامل ما يلعب دور «المحفز» الذي يضغط على الزناد trigger لتبدأ كل العوامل الجاهزة سلفاً بالتفاعل. أزمة النفايات التي اندلعت في العاصمة وجبل لبنان خلال آب المنصرم هي المحفز، بالتزامن مع موجة حر غير مسبوقة ومزيد من التقنين الكهربائي. هنا يُطرح سؤال مهم حول حدود الدور والمصلحة الأميركية في ما قامت به مجموعة «طلعت ريحتكم» لاستثمار الغضب الشعبي في ظل أزمة النفايات.

سؤال الثورة الملونة والفوضى المنظمة

ذهب أغلب أقطاب النظام والسلطة الى اتهام الولايات المتحدة بالتحريض على الحراك من خلال علاقة بعض أفراد مجموعة «طلعت ريحتكم» مع السفارة الأميركية وجهات أميركية غير حكومية. وقد وصل الأمر الى أن بعض أبرز المقربين من واشنطن في لبنان (المستقبل، جنبلاط، بعض مسيحيي 14 آذار) شاركوا في توجيه التهمة للأميركيين وحذروا أن الهدف تكرار ما جرى في تونس ومصر، وقد وصل الأمر بأحد نواب «ثورة الأرز» بالدعوة لمراقبة كيفية حضور لمسات «جين شارب» في الحراك.
الفرضية الأولى قائمة على أن ما جرى كان بإيعاز من الأميركيين، بهدف إثارة «الفوضى الخلاقة» ويروج لها أقطاب من النظام. يحاجج هؤلاء أن الهدف الأميركي هو إدخال لبنان في الفوضى كما يجري في دول المنطقة، وهي فرضية تبتغي واقعاً التلاعب بهواجس الخوف من آثار «الربيع العربي» الذي يسحق دول المنطقة. الثغرة الأبرز في هذه «الدعاية» أن النظام في لبنان ليس معادياً للأميركيين بل لديهم مصالح واسعة فيه، يضاف لذلك أن أوباما يسعى لتبريد الساحات قبل نهاية ولايته كما يبدو من الاتفاق النووي الإيراني. إن كان من خلاصة للحرب السورية فهي أن الاستقرار في لبنان خط أحمر إقليمي – دولي وإلا لكان هذا البلد احترق خلال السنوات الماضية. يدرك الأميركيون أن حزب الله ليس هو الأكثر تضرراً من أي فوضى، فالنار ستلتهم بدايةً حليفهم تيار المستقبل الهش والسابح في بيئة شديدة التوتر.
الفرضية الثانية أن الأميركي أراد من الحراك إثارة نوع من الفوضى المنخفصة المستوى والمضبوطة ولكن بزخم إعلامي للتهويل على حزب الله التيار الوطني الحر لدفعهم نحو التنازل في موضوع انتخابات رئاسة الجمهورية. هذا الأسلوب ليس غريباً على الأميركيين بل لطالما أتقنوا التلاعب بهواجس خصومهم كما كشفت وثيقة لويكيليكس التي ظهرت مؤخراً بخصوص الموقف الأميركي من الرئيس الأسد في العام 2006. لكن السؤال، هل خلق الأميركيون الحراك لهذه الغاية منذ بداية أم أنهم تدخلوا لاحقاً عند تطور الحراك وظهوره كفرصة للضغط على حزب الله؟
بظل غياب معلومات مؤكدة، يمكن البناء بالحد الأدنى على الاحتمال الثاني لحين ثبوت العكس. إن البعض من مجموعة «طلعت ريحتكم» ممن يمتهنون قضايا «المدافعة» وجدوا في أزمة النفايات فرصة للممارسة «الوظيفة» التي يتقنون، أي إدارة حراك شعبي والحشد والضغط على السلطة وجذب الأنظار ومحاولة التأثير وتحسين سمعتهم في مجال اختصاصهم وفرصة للتعبير عن الذات تجاه السلطة. هذا التحليل يعود لمفهوم «الدور» الذي يستخدم في تفسير عمليات إتخاذ القرار، فالعسكري يميل لاستخدام القوة في معالجة الأزمات كونه المجال الذي يتقنه، مثلاً لو تُرك القرار في أزمة الصواريخ الكوبية للقادة العسكريين الأميركيين لكنا شهدنا حرباً نووية. والأرجح أن منظمي الحراك – كما الجميع - تفاجأوا بحجم التفاعل الشعبي الذي حفزه عنف القوى الأمنية في 22 آب في ساحة رياض الصلح. تفاعلت عوامل الإحباط العام والغضب الشعبي مع نشوة الحضور والتعاطف الشعبي ومستوى التغطية الإعلامية، لتعطي الحراك زخماً كبيراً غذته السلطة بإرباكها. بعد هذه المرحلة، حاولت الكثير من الأطراف التأثير في الحراك وجذبه نحو مصالحها، وذلك يشمل السفارة الأميركية التي حاولت استخدام الحراك للتهويل على العماد عون وحزب الله للقبول بتسوية وإعادة الروح للنظام، النظام الذي للولايات المتحدة فيه «حصة الأسد». إذاً، على الأغلب إن تدخّل السفارة كان في مرحلة متقدمة لضبط الحراك عبر قناة لها داخل مجموعة «طلعت ريحتكم». السفارة تدخّلت لضمان بقاء الحراك مطلبياً بعيداً من أي شعار سياسي يصيب صلب النظام كالحديث مثلاً في الدعوة لقانون نسبي للانتخابات النيابية. أغلب الشعارات السياسية انطلقت من مجموعات من خارج «طلعت ريحتكم» وهي كانت الأكثر إحراجاً لنواة النظام السياسية والاقتصادية التي خرجت عن طورها في الهجوم على «بقايا الشيوعيين» الذين يريدون تفجير الصراع الطبقي في البلد.
دخول بعض وسائل الإعلام المحلية المقربة للأميركيين بشكل متأخر لتغطية وتزخيم الحراك يمكن تفسيره من زاوية زيادة «التهويل» على حزب الله بعدما تبين مستوى تأثير الحراك. هذه القنوات ذاتها بدأت تغطيتها تخفت بل وتتماهى مع معادي الحراك (الهيئات الاقتصادية) عندما تبيّن أن حلفاء الولايات المتحدة أصبحوا الأكثر تضرراً بعض دخول مجموعات يسارية وازنة للحراك، وأن حزب الله لم يلتقط «الطعم».

التوازنات الداخلية للحراك

لكن ما سر محاولة التصويب على سماحة السيد نصر الله من إحدى المجموعات داخل الحراك قبل 29 آب؟ أليس هذا دليلاً على أن الأميركيين يهدفون من الحراك إلى استهداف حزب الله؟ لا يعمل الأميركيون بهذه الطريقة، أي دعم حراك شعبي يهدد حلفاءهم بالدرجة الأولى بهدف الإساءة لشخص أو رمز السيد نصرالله. بالأصل نجح الأميركيون وحلفاؤهم منذ العام 2007 بإدخال شخصية سماحة السيد ضمن دائرة الاستهداف وهو أمر نراه يومياً في الصحف والتواصل الاجتماعي والفضائيات العربية.
إلا أن رفع صورة السيد بطريقة مهينة من مجموعة محددة هامشية داخل الحراك (مجموعة «عالشارع») من المحتمل بشدة، نظراً للتوقيت وهوية بعض أفرادها، أن يكون مبرمجاً لإبعاد المتعاطفين مع المقاومة عن المشاركة في تجمع 29 آب في محاولة لجذبه أكثر نحو خطاب 14 آذار، وثم دفع الحزب للتعامل بسلبية مع الحراك فيقع الحزب في فخ الاصطفاف الى جانب النظام، لتتحقق نبوءة «كلن يعني كلن». شعار «كلن يعني كلن» كان في الأساس يستهدف حزب الله، ربما من باب الكراهية العمياء، وإما من باب ادعاء الحيادية تجاه الجميع، وإما لإخافة الحزب من الحراك كما ذكرنا.
منذ تجمع 29 آب بدأ حضور المجموعات «الوطنية» (التي لا تعادي المقاومة) يصبح وازناً وحقق نوعاً من الضمانة والحصانة للحراك. حضور هذه المجموعات ساهم في دفع مجموعة «طلعت ريحتكم» نحو تحركات موضعية شديدة الاستفزاز (إحتلال وزارة البيئة مثالاً) للحفاظ على حضورها الريادي ومشروعيتها في قيادة الحراك. الإستفزاز يبدو تكتيكاً واضحاً عند مجموعة «طلعت ريحتكم» خلال التظاهرات وذلك لاستدراج رد فعل عنيف من السلطة، بما يحفز عملية التعبئة والحشد. في المقابل اتجهت المجموعات اليسارية نحو أهداف مثل «الدالية»، و«الزيتونة باي»، ووزارة المالية، وكلها «ضحايا» للتجربة الحريرية (الجنبة الاقتصادية للطائف) التي تحكم وتخصخص البلد منذ نهاية الحرب الأهلية.
بالمقارنة مع موجات الحراك السابقة، يبدو الحراك الحالي من أكثرها واقعيةً، إذ يندر أن تسمع مفردة من مثال «إسقاط النظام» وتستبدل بتعابير «إصلاح النظام» والمطالب الخدماتية. النظام اللبناني مركب بشكل شديد التعقيد والتداخل، وهو رغم ما يعانيه من إرباك، ما زال يحافظ على مستوى متقدم من التجذر الشعبي بسبب شبكة المصالح الواسعة التي يرعاها ومستوى حضور التعبئة المذهبية (ثقافة النظام) في وجدان الجماعات، ويضاف لذلك الرعاية الدولية – الإقليمية لهذا النظام بدوافع مختلفة.

أفق التحدي وحدود النتائج

إذاً لسنا أمام سيناريو الفوضى، ولا الحرب الأهلية ولا إسقاط النظام، ولا حتى بداية اختلال توازن القوى (بين النظام ومعارضيه) كما يحاجج الوزير السابق شربل نحاس. تحولات ميزان القوى تحصل بين نواة النظام (بري – الحريري – جنبلاط) وغلافه الخارجي (عون) والداخلي (حزب الله – القوات - الكتائب) وليس بين النظام ومعارضيه، بل داخل النظام ذاته. النظام أمام معضلتي دخول المسيحيين للمعادلة السياسية وصعود الشيعة أكثر بكثير مما يقر الطائف لهم.
لا يمكن النظر الى كل من في السلطة على أنه جزء من نظام الطائف القائم على المغانم. قوى هامش النظام دخلت بحالة مساكنة وتحالف مع أطراف في «نواة النظام» إما لأسباب تتجاوز السياسة المحلية (حزب الله الذي امتلك حق فيتو في القضايا المرتبطة مباشرة بالمقاومة سواء في تموضع لبنان خارجياً أو سياسات السلطة داخلياً) وإما للعودة الى السلطة بعد طول إقصاء (القوات – الكتائب). فيما كان التيار الوطني الحر الأكثر اعتراضاً ومشاغبةً مع «نواة النظام»، لأن غايته الدخول في شراكة بالقرار والدور مع هذه النواة وليس الاكتفاء بمكسب سلطوي هامشي، كما حال القوات والكتائب.
بضع الآف من أنصار الحراك، وإن افترضنا أن جميعهم معادون للنظام، لا يمكنهم بأي حال التأثير في ميزان القوى. كثيرٌ من الجمهور المشارك في الحراك إنما دوافعه مطلبية تحت وطأة الأزمات الحالية ولكن من دون مغادرة ولائه لقوى النظام. الحراك بذاته ليس أزمة النظام، الحراك تعبير عن الأزمة ويستثمر فيها، الأزمة أكبر بكثير من الحراك. الحراك الذي يفتقد للعصب المذهبي والقوة العسكرية والكتلة الشعبية الوازنة قادر فقط على توتير وإرباك وإزعاج أركان النظام ممن لم يعتادوا هذا المستوى من التجرؤ عليهم، فالسلطة تقدس الهيبة.
غير ذلك، ماذا يمكن للحراك أن يحقق؟ يمكن الحديث عن 3 احتمالات، تقع في إطار الإصلاح السياسي للنظام بصيغته الحالية، وقوة هذه الاحتمالات ستتأثر بالعامل الإقليمي بطبيعة الحال:
الاحتمال الأول، وهو الخيار الأكثر واقعية ويتمثل في إجبار «نواة النظام» على الرضوخ لضرورة التسوية مع العماد عون في ما يخص مطالبه بالشراكة، وإن ليس للدرجة التي يطمح إليها عون، بما يتيح إعادة التماسك والفعالية للنظام. أي أن الضغط على النظام من خارجه في الظروف الحالية، سيدفع «نواة النظام» الى القبول بانتقال عون الى داخلها بما يمنح النظام جرعة حياة. إلا ان دخول عون للنواة سيضعف تماسكها ويجعلها أكثر حساسية للضغوط الشعبية مستقبلاً.
الاحتمال الثاني أن يسهم هذا الضغط الشعبي، بجانب عوامل أخرى، في إقرار إصلاحات في قانون الانتخاب نحو صيغة نسبية بدوائر كبرى بما يضمن صحة التمثيل وعدالة التوزيع. هذه الخطوة ستتيح المجال لظهور صوت جديد (غالبه من الحراك) عبر تمثيل كتلة جرى تهميشها منذ الطائف. نسبية القانون الانتخابي ستجعل النظام أقل تماسكاً وأكثر حساسية تجاه أصوات المواطنين بما يفرض تغييراً تدريجياً في خطاب وسلوك الطبقة السياسية. النسبية هي الثغرة التي يمكن أن تفتح مساراً لعملية اصلاحية تدريجية تمتد على سنوات.
الاحتمال الثالث وهو أن يسهم الحراك في دفع النظام السياسي نحو البدء بإجراء إصلاحات قطاعية (الكهرباء، النقل العام، المياه على سبيل المثال) كصمام أمان للنقمة الاجتماعية مستقبلاً. هذه الإصلاحات لن تمس جوهر النظام السياسي وبنيته ومن الممكن تسويقها لدى كل جمهور الطبقة السياسية، أي إنجاز لكل الطبقة السياسية لتبيعه لجمهورها. هذه الإصلاحات لن تكون تامة، بل أقلها ستؤمن مستوى مستقر من الخدمات وإن بقيت كلفتها مرتفعة.

خلاصة

كلما اقترب الحراك من ملامسة العناوين السياسية ستبرز خطوط التفسخ فيه بصورة أوضح، نظراً للتباينات الإيديولوجية والسياسية بين أطرافه. المعضلة التي يواجهها أطراف الحراك بخصوص العناوين السياسية تقع في الخوف من تبنيها لأي طرح سياسي قد يجعلها تبدو في موقع أقرب لأي من طرفي الانقسام اللبناني. وحدة الحراك الآن كلفتها مرتفعة على صعيد الفعالية والمرونة، بسبب الحاجة للوقت والموارد لإدارة التباينات، وكذلك تمنع الحراك من طرح عناوين سياسية كبيرة كما في موضوع قانون الانتخابات النيابية. السؤال هنا حول مدى قدرة بنية الحراك على تقديم طروحات سياسية وازنة من دون التعرض للتفسخ؟
النظام مقبل على تسوية جزئية تعيد له بعض الحيوية، وتبدو أزمة النفايات ستجد مسارها للحل، ما يعني أن النظام سيُضعف زخم الحراك الذي سيجد نفسه أمام الحاجة الملحة لعناوين جديدة تلامس المطلبي ولكن الأهم تقديم طروحات سياسية عميقة. التحدي الأساسي في المرحلة المقبلة سيرتبط بقانون جديد للانتخابات النيابية يتيح لقوى خارج النظام التسرب الى داخل العملية السياسية. في ظل الانقسام السياسي الحاد، يمكن لكتلة ضئيلة أن تشكل فرقاً داخل البرلمان وتكسب دوراً يفوق بكثير حجمها.
موقف حزب الله تجاه الحراك كان رصيناً ومعتدلاً رغم القلق الذي رافق اللحظات الأولى. لم يتعامل الحزب مع الحراك ككل متسق وموحد، ولم يُستدرج للصدام المجاني مع مطالب محقة أو أن يتبنى خطاب النظام بل حافظ على خطابه الخاص. تدخل حيث الضرورة، صوب على مكامن الشبهة، أدرك ضعف التهويل الأميركي وحدوده، وترك النظام تحت وطأة الضغط.
يساهم الحراك في تسريع وتحفيز حركة التحولات داخل النظام، ويدفعه ليصبح أقل استقراراً وأكثر تأثراً بالرأي العام وأقل قابلية للمقاومة. الضغط المحدود للحراك على بنية النظام من الخارج لم يكن ليظهر بهذه الفعالية لو أن النظام مستقر من الداخل. ضغوط العماد عون بدعم من حزب الله على بنية النظام من الداخل منح الحراك فرصة لمضاعفة تأثيره بأضعاف قوته الفعلية. بتقدم التسوية الداخلية بين مختلف طبقات النظام، سيتراجع تأثير الحراك الذي لا بد له من الحوار مع من يجدهم الأقرب لطروحاته داخل النظام لاستكمال معركة خلق ثغرة تتيح لقواه الولوج الى العملية السياسية وفتح مسار إصلاحي طويل الأمد.
* باحث سياسي