إعداد وترجمة: ديما شريف

طغت نتائج الانتخابات العراقية، التي صدرت يوم الجمعة الماضي، على الأخبار الدولية في الصحف الأميركية هذا الأسبوع. وغاص المحلّلون في تفسير النتائج، وتوقّع الخطوات المقبلة على طريق تأليف الحكومة. وبدأ الصحافيون تعداد حظوظ كلّ من رئيس الوزراء الحالي نوري المالكي والأسبق أياد علاوي في تولي الوزارة المقبلة، مع ميل واضح إلى هذا الأخير وتفضيل له، رغم معرفتهم عيوبه. وفي الوقت الذي خاف فيه البعض من أن تطول عملية تأليف الحكومة، وأن يغرق العراق في الفوضى، ما سيزيد من هموم أميركا، يرى آخرون أنّ إيران كانت الخاسر الأكبر، لكنّها لن تسكت على ذلك، وستحاول تعزيز نفوذها في بلاد الرافدين

حيرة أوباما



مايكل كراولي *
من المبكر معرفة ما ستعنيه نتائج انتخابات السابع من آذر الماضي التي صدرت أخيراً، بالنسبة للبلاد بأكملها، أو للأمن القومي الأميركي. في نظرة أولية، تبدو النتيجة دراماتيكية، إذ ربح تحالف رئيس الوزراء نوري المالكي مقاعد أقل من تحالف غريمه رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي. لكن هذا لا يعني أنّ علاوي سيحكم العراق. فبسبب الفارق البسيط بين أول تحالفين (91 مقعداً لعلاوي، 89 للمالكي)، ما سيحصل الآن هو اندفاع عجيب من الشيعة، السنّة والأكراد، مع المتعصبين المذهبيين والطائفيين، والأشخاص الذين يحبون أميركا أو من يكرهونها، والانتهازيين الذين سيقايضون كلّ شيء من المداخيل النفطية المستقبلية إلى الأراضي. ستتطلب العملية أسابيع، وقد تمتد حتى صيف بغداد الحار.
لن يكون هناك شيء بسيط في سير العملية المقبلة، حتى في العملية نفـــسها. وفق الخبير في السياسة والقانون العراقيين في «مؤسسة سانتشوري»، مايكل حنا، فإنّ أحد الأحكام القضائية الصادرة أخيراً عن محكمة عراقية لا يضمن لعلاوي رغم تقــــدمه الانتخابي حقه في أن يكون أول من يُطلــــب منه تأليف حكومة. إذا جمع ائتلاف آخر مقاعد أكثر من لائحة علاوي «العراقية»، فسيسرق هذا الامتياز منه. وحتى لو طُلب من علاوي تأليف حكومة، لا يمكن التكهن بأنّه سيؤلف تحالفه الحاكم. يقول حنا إنّ «نصر عــــلاوي مهم رمزياً ويمثل إعادة اصطفاف سياسي كبير، لكنّه ليس في موقع يسمح لـــــه بأنّ يكلف بتأليف الحكومة». ويضيف حنا أنّّ «المالكي وعلاوي يدخلان المرحلة المقبلة متعادلين».
هل سيؤجل الرئيس الأميركي الخطط المتعلقة بانسحاب كلّ جنوده من العراق؟
ماذا تعني هذه الحيرة والشك بالنسبة للولايات المتحدة؟ هناك أخبار جيدة وأخرى سيئة. الأخبار الجيدة هي أنّ المسؤولين الأميركيين يشعرون عموماً أنّ باستطاعتهم العمل مع المالكي وعلاوي على السواء، وهما لديهما علاقات جيدة مع واشنطن. (هذا يصح أكثر في حال علاوي الذي كان من قادة المعارضة العراقية في المنفى وعمل على نحو وثيق مع السي. آي. إيه قبل الحرب؛ وأميركا ضاقت ذرعاً بنزعات المالكي، لكن لا يمكننا القول إنّ علاوي يشبه توماس جفيرسون في أخلاقه أيضاً).
الأخبار السيئة هي أنّه كلما طال الوقت لتأليف حكومة في العراق، وكلما أصبحت العملية تتسم بالحقد، فإنّه من المرجح أن يزداد النفوذ السياسي لبعض الفصائل بواسطة العنف، وهو ما حصل بعد انتخابات 2006، مما رفع من حدة الحرب الأهلية في العراق. ورغم أنّ هناك انقساماً حول هذا السيناريو ومدى واقعيته، من المستحيل إغفال فكرة العودة إلى الفوضى الدامية.
لكنّ هناك شكاً آخر: كيف سيتصرف باراك أوباما إذا عاد العراق إلى الفوضى؟ هل سيؤجل الخطط المتعلقة بانسحاب كلّ الجنود الأميركيين من العراق بنهاية آب؟ (على عكس الاتفاقية الرسمية الموقعة بين العراق والولايات المتحدة، هذه المهلة مفروضة ذاتياً ولا أساس قانونياً لها). يشمئز المسؤولون العسكريون الأميركيون من اضطرارهم للحفاظ على جدول انسحاب مقابل ثمن محتمل يدفعونه برؤيتهم انتهاء الاستقرار الذي حارب ومات من أجله العديد من الأميركيين. لكن ليس واضحاً ما إذا كانت القوة الأميركية التي يقل تعدادها عن تسعين ألفاً، ستستطيع ضبط البلاد بأيّ حال. تطلّب الأمر ضعف هذا العدد لفرض الاستقرار في العراق في أوج التمرد، وكان ذلك في وقت تنهار فيه بعض المجموعات المتمردة.
ما هو أقل وضوحاً: بماذا يفكر أوباما. ربما فاجأ البعض قراره بالتصعيد في أفغانستان، لكنّه كان تماشياً مع خطابات حملته في 2008. مغادرة العراق، على العكس، كانت في صلب ترشيح أوباما. لكنّ فريق أوباما الخاص بالأمن القومي لديه نزعات صقورية، ومن السهل توقع مجادلة المستشارين والجنرالات بأنّ نفوذ إيران واحتياطي العراق النفطي الكبير يتطلبان التزاماً عسكرياً أميركياً أطول لتأمين الاستقرار وبقاء النفوذ الأميركي هناك.
هذه أسئلة يريد أوباما قدر الإمكان تجنب مواجهتها. مع بعض الحظ، سيؤلّف العراق سلمياً حكومة صديقة بشكل أو بآخر للولايات المتحدة، وستجنبه عذاب نقاش متجدد حول خطط الانسحاب الأميركية. لكنّ العراق، لسوء الحظ، هو مكان غير محظوظ أبداً.
* عن «ذا نيو ريبابليك»، مجلة نصف شهرية أميركية، ليبرالية اقتصادياً مع ميلها إلى وجهة نظر الصقور في السياسة الخارجية

■ ■ ■

هزيمة إيران



دايفيد إغناتيوس *
لا تطلقوا الألعاب النارية احتفالاً بفوز رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي في انتخابات العراق بفارق صغير جداً بلغ مقعدين. فمن المبكر القول كيف أو إذا كان سيتمكن علاوي فعلاً من تأليف حكومة المصالحة العلمانية التي وعد بها.
لكن يمكننا قول شيء واحد بكل ثقة: كانت الانتخابات العراقية هزيمة مفاجئة لإيران وأهمّ مسؤولي استخباراتها، أي قاسم سليماني الذي يقود فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني. صرف سليماني الملايين لإيقاف نصر علاوي. لكنّه فشل. إذا لم يكن ذلك يدل على شيء، فهو على الأقل يبرهن على مرونة القومية العراقية، والشعور المعادي لإيران، الذي فشلت الأحزاب الشيعية الدينية التي حكمت العراق في السنوات الخمس الماضية في سحقه.
شنّ سليماني وقواته في فيلق القدس حملة كبيرة وواسعة النطاق، وفق قادة في الجيش الأميركي ووثائق استخباراتية أميركية أزيلت عنها السرية. كان هدفهم الأول تعطيل عمل قائمة علاوي «العراقية»، عبر استخدام لجنة اجتثاث البعث الموالية لإيران، لمنع أكبر عدد ممكن من المرشحين من الترشح. اعترض تحالف علاوي على عمل اللجنة الاستنسابي، لكنّ «العراقية» سرعان ما استبدلت معظم من استُبعدوا.
فهم المالكي أنّ التدخل الإيراني لا يحظى بشعبية بين الناس فقرر خوض الانتخابات منفرداً
تكتيك إيران الثاني كان الضغط على رئيس الوزراء الحالي نوري المالكي للانضمام إلى تحالف الأحزاب الشيعية الدينية الذي يعرف بـ«الائتلاف الوطني العراقي». ربما كان ذلك ليضمن النصر، لكنّ المالكي الذي فهم أنّ التدخل الإيراني لا يحظى بشعبية بين الناس، قرر العام الماضي أن يخوض الانتخابات منفرداً. هو يحاول الآن أن يتحالف مع هذه الأحزاب الشيعية نفسها على أمل أن يصبح لديه عدد المقاعد الضرورية (163)، لكنّه ربما تأخر في ذلك. التكتيك الإيراني الثالث كان ضخّ المال للأحزاب الشيعية في «الائتلاف الوطني العراقي» الذي تدعمه. أخبرني قائد عسكري أميركي في شباط الماضي، أنّ إيران كانت ترسل مبلغ تسعة ملايين دولار أميركي في الشهر للمجلس العراقي الإسلامي الأعلى، ومبلغ ثمانية ملايين دولار أميركي في الشهر للحزب السياسي الخاص برجل الدين المتطرف مقتدى الصدر.
نتيجة الانتخابات كانت تراجع أحمد الجلبي أيضاً، المدلل السابق لدى المحافظين الجدد في الولايات المتحدة وأفضل أصدقاء إيران في العراق اليوم. وفق وثيقة استخباراتية أميركية نزعت عنها السرية وصلت إليّ في شباط، فإنّ «إيران تساند جهود اجتثاث البعث التي هندسها أحمد الجلبي من أجل إقصاء أي عقبات محتملة أمام النفوذ الإيراني. ويهتم الجلبي بمساعدة إيران له من أجل الحصول على مركز رئاسة الوزراء».
الوثيقة قالت إنّ الجلبي التقى سليماني في إيران في تشرين الثاني الماضي للتخطيط للاستراتيجية. أعتقد أنّه لن يكون هناك حفلات نصر في منزل الجلبي في منطقة المنصور في بغداد هذا الأسبوع.
رغم نكسات هذه الانتخابات، سيكون لإيران نفوذ في العراق كائناً من كان رئيساً للوزراء. إذ يقال إنّه حتى علاوي حاول الاتصال بإيران قبل الانتخابات للتأكيد للقادة الإيرانيين أنّه في الوقت الذي يسعى فيه للسيادة العراقية، فهو لن يكون عدائياً تجاه جيرانه.
* عن «واشنطن بوست»

■ ■ ■

انقلاب إيراني في العراق؟



روبرت درايفوسويقول أحد حلفاء علاوي، وهو أيهم السامرائي، إنّه «من المتوقع أن تكون هناك دعوات لمقاطعة البرلمان ولتمرد مدني». وأضاف إنّه لا يمكن عدم توقع ردّ فعل عنيف من مناصري علاوي، الذين يطالبون بإعطائه الفرصة في تأليف حكومة. في انتخابات السابع من آذار الماضي، فاز تحالف علاوي الوطني بـ91 مقعداً، متفوّقاً بذلك على ائتلاف دولة القانون، الذي يتزعمه رئيس الوزراء نوري المالكي، الذي نال 89 مقعداً.
لكنّ السياسيّين البارزين في العراق، من الذين يمثلون الأحزاب الشيعية الطائفية والانفصاليين الأكراد، زاروا إيران لتقديم الطاعة، والتشاور في شأن تأليف الحكومة المقبلة رغم فوز علاوي.
إنّ آخر ما تحتاج إليه إدارة أوباما هو التورط في أزمة ما بعد الانتخابات العراقية
زار رئيس الجمهورية جلال طالباني، وهو زعيم كردي، طهران نهاية الأسبوع الماضي، واجتمع مع الرئيس محمود أحمدي نجاد وآية الله علي خامنئي. رافق طالباني نائب الرئيس عادل عبد المهدي، وهو زعيم المجلس العراقي الإسلامي الأعلى وأحد قادة «التحالف الوطني العراقي» الطائفي الشيعي الموالي لطهران. بموازاة ذلك، سافر قادة في حزب دولة القانون الذي يرأسه رئيس الوزراء نوري المالكي إلى إيران للقاء مقتدى الصدر. الصدر وعبد المهدي هما من القادة المهمّين في «التحالف الوطني العراقي». وتحاول إيران من خلف الكواليس أن تجمع المالكي، «التحالف الوطني العراقي» وطالباني في تحالف حاكم، وفق مصادر عراقية في العراق والأردن.
الهدف من ذلك هو قطع الطريق على رئيس الوزراء الأسبق أياد علاوي. فوفق القانون العراقي وممارسات سابقة، سيُطلب من علاوي رسمياً تأليف حكومة. لكنّ المالكي زوّر حكماً قضائياً يسمح له، كما يقول، بأن يؤلّف تحالفاً أكبر، ثم ادعاء الحق في الإعلان عن أغلبية حاكمة.
وفق مصادر عراقية، فإنّ المالكي، «التحالف الوطني العراقي» وطالباني، الذي يسيطر على ثمانية أو تسعة مقاعد في الكتلة الكردية، وافقوا في إيران على تأليف حكومة. فهم سيجمعون في ما بينهم 170 مقعداً، أي أكثر بقليل من الـ163 مقعداً المطلوبة لتأليف حكومة. ونتيجة لذلك، تقول التقارير، سيتحالف القائد الكردي مسعود البرزاني مع هذه المجموعة أيضاً. (قيل أخيراً إنّ علاوي والبرزاني توصّلا إلى اتفاق بشأن تحالف بينهما، لكنّهما معاً لا يملكان أصواتاً كافية لتأليف حكومة).
حاول علاوي وحلفاؤه، ومن ضمنهم صالح المطلك الذي منعته من الترشّح ما سمّيت لجنة اجتثاث البعث، الطلب من الولايات المتحدة المساندة. لكنّ واشنطن، التي يذوي نفوذها في العراق بسرعة، والتي تخطط للانسحاب من بلاد الرافدين بحلول آب، لم تتجاوب مع اقتراحات علاوي. غنيّ عن القول إنّ آخر ما تحتاج إليه إدارة أوباما هو التورط في أزمة ما بعد الانتخابات العراقية. وفي جميع الأحوال، فإنّ واشنطن لا يسعها القيام إلّا بالقليل للتأثير في النتيجة. بالفعل، لسنوات خلت أصبح من الواضح أنّ نفوذ أميركا في العراق يتضاءل، وأنّ يد إيران فيه أصبحت أكثر قوة.
لكن سواء أحبّت واشنطن ذلك أم لا، ربما أصبح العراق اليوم على شفير حرب أهلية.
* عن «ذا نايشن»، مجلة أسبوعية أميركية يسارية