خالد صاغية

تستطيع سوريا، لضمان مصالحها، استغلال الواقع الطائفي اللبناني، ونسج علاقات صداقة وتحالف مع زعماء الطوائف، إضافة إلى علاقتها بمؤسسات الدولة اللبنانية. وتستطيع أن تختار الزعماء وفقاً لهواها، كأن يقرّر الرئيس السوري بشار الأسد استقبال هذا الزعيم على باب القصر، واستقبال آخر في باحته الخارجيّة، وانتظار ثالث في الداخل. يستطيع الرئيس السوري أيضاً أن يعبّر عن عدم رغبته في استقبال زعيم ما.
تستطيع سوريا في عودتها المظفّرة أن تفعل كلّ ذلك. لكنّ حلفاءها وأصدقاءها في لبنان لا يمكنهم فعل الأمر نفسه. مناسبة هذا الكلام عودة الحديث عن سياسة العزل. فما إن كُسر الجليد بين وليد جنبلاط وعائلة الحريري، وما إن عادت وفود الزعماء اللبنانيين تتقاطر إلى سوريا، حتّى راجت مقولة «أبواب سوريا مفتوحة للجميع باستثناء حالة واحدة»، يقصَد بها القوّات اللبنانية.
إنّ خطاباً كهذا ينبغي ألا يغري المعارضة اللبنانية السابقة التي باتت تتصرّف على أساس أنّ «تعقيم» الخطاب الحريري، والاستدارة الجنبلاطية، يتيحان لها إعادة إنتاج إجماع حول المقاومة وسلاحها، وحول العلاقة مع سوريا، وكلّ خارج عن هذا الإجماع يُعزَل. السعي وراء إجماع كهذا غير مفهوم. فحتّى الأمين العام لحزب اللّه صرّح في أكثر من مناسبة، كانت آخرها أمس، بأنّ الانقسام حول المقاومة ليس عيباً، وأنّ ما من مقاومة في التاريخ حصدت إجماعاً حولها. وعلى اللبيب أن يلاحظ كيف تحوّل مهرجان القوّات في ذكرى حلّها إلى ملجأ لكلّ الهاربين من هذا القسر، لكلّ من لا تزال عندهم ملاحظات كبيرة على الأداء السوري في لبنان وعلى سلاح المقاومة. والجميع يعلم أنّ أصحاب هذه الملاحظات ليسوا حفنة صغيرة من العملاء.
وعلى سيرة العملاء، إن كان لدى حزب اللّه أو الدولة اللبنانية ملف حول تعامل حاليّ للقوّات مع إسرائيل، فمن حق الشعب اللبناني الاطّلاع عليه. أمّا إذا كانت شبهة التعامل مع العدو عائدة إلى زمن الحرب الأهلية، فينبغي التذكير بأنّ إيلي حبيقة بات يُعد شهيداً لدى المترفّعين عن التعامل مع القوّات، وصولانج الجميّل كانت عضواً في لائحة انتخابية واحدة مع حزب اللّه في عام 2005.
الخوف هو أن يكون هناك حلم ما زال يراود البعض حول توحيد الزعامة المسيحيّة، أسوة بسائر الطوائف. فإن أزيحت القوّات من الصورة، يخلو الجوّ لميشال عون. هذا الحلم خطير للغاية. فإن كانت هناك حياة سياسيّة في الأعوام السابقة، فمردّها إلى التنوّع السياسي عند المسيحيّين. والمأزق الذي وصلت إليه البلاد لا سبيل للخروج منه إلا بنقل هذا التنوّع إلى الطوائف الأخرى، بدلاً من السعي إلى القضاء عليه.