كميل داغر *

لن أجد حرجاً في تكرار الكلمة التي وضعتُها في مقدمة الكتاب، الذي نلتقي حوله اليوم، واستقيتها من الكاتب الفرنسي، بول ــــ لوي كورييه، المولود قبل سنوات قلائل من الثورة الفرنسية الكبرى، والمتوفى قبل سنوات قلائل أيضاً من ثورة 1830، الفرنسية هي الأخرى. وقد اشتهر بالأهاجي التي كتبها ضد عودة الملكية.
في كلمته تلك، يقول: «دعوهم يشيّعوا عنكم الأقاويل، دعوهم يندّدوا بكم، يدينوكم، يسجنوكم؛ دعوهم يشنقوكم، ولكن انشروا أفكاركم. ليس حقاً، بل هو واجبٌ، واجبٌ حميم على من لديه فكرة أن يجعلها تظهر للنور، من أجل الخير العام.
الحقيقة بكاملها للجميع. ما تعرفون أنه مفيد، ويَحْسُن أن يعرفه الغير، لا يمكن كتمانه. حسنٌ أن يتكلم المرء، وأحسنُ أن يكتب. أما أن يطبع فأمر في منتهى الجودة». وكنتُ اعتبرت، في تلك المقدمة، أن كلام كورييه، حسم تردداً طويلاً لديّ في إعادة نشر النصوص التي تضمّنها الكتاب، علماً بأنه ساهم في عملية الحسم تلك العديد من المعارف والأصدقاء، الذين رأوا من المفيد، وحتى الهامّ، بحسبهم، أن أُقدم على خطوة كهذه، وعبّروا لي مراراً عن وجهة النظر هذه.
إنها جزء بسيط فقط، من النصوص المنشورة لي من قبل. ولقد لقيتُ الكثير من الصعوبة والعنت في عمل انتقائي كان الهمُّ الأساسي منه اختيار ما يمكن أن يحفّز حواراً للحاضر وإلهاماً للمستقبل، على الرغم من كونه كُتب في ظروف عبرت، وقبل سنوات عديدة. وكلي أملٌ بأن أكون قد وُفِّقتُ ولو نسبياً في ذلك. أياً يكن لقد حاولتُ أن أمتنع تماماً، أو أقله بصورة شبه تامة، عن انتقاء نصوص قديمة. والنص الوحيد الذي يعود إلى ما قبل عام 1992، ويحمل عنوان رؤية ثانية للمشكلة الطائفية، هو نص محاضرة، من ضمن سلسلة ندوات أقيمت في عام 1978، من على منبر اتحاد الكتاب اللبنانيين، بخصوص حرب أهلية اعتبرتُ دائماً أنها كان يمكن أن تأخذ منحى غير الذي اتخذته، وتكون بالتالي، وعلى النقيض، ثورة حقيقية، تماماً كما كانت تعد بذلك تحولات كثيرة في النضالات الشعبية في النصف الأول من سبعينيات القرن الماضي، وفي وعي أقسام هامة من العمال والفلاحين والطلبة، وقطاع واسع من الشبيبة. ثورةً كان يمكن أن تفشل، ولكن ليس من دون أن تترك آثاراً إيجابية خلاقة، تؤسِّسُ لتغيير ثوري حقيقي لاحق، لا لما نعيشه اليوم من انحطاط مخيف في الحياة السياسية ووعي الغالبية الكبرى من الشبيبة، الرازحة تحت سلطة الأيديولوجيا الطائفية والفساد الكبير للمجتمع السياسي. وهو ما عدتُ فعبّرت عنه، سواء في المقال الذي نشرته لي جريدة «الأخبار» قبل عامين، بعنوان «ثورة 1789 اللبنانية التي لم تتم!»، أو في ندوة مصغّرة انعقدت في الربيع الماضي بشأن تلك الحرب، أكّدتُ فيها، على عكس وجهة نظر أخرى عبّرت عن نفسها، في الندوة عينها، ما أوردته أعلاه، من أن ما حدث في 1975 و1976، كان يمكن أن يطلق سيرورة مختلفة بالكامل في حياة هذا البلد لو توافرت قيادة أخرى تحمل برنامجاً للتغيير الجذري، وتتمسك به وتبذل كل ما وسعها من جهد وإمكانات لتطبيقه. ولقد أضفت أنه، حتى لو حدث أن منيت تلك القيادة بالهزيمة، لما كانت نتائج تلك الهزيمة مأسوية حقاً، كما حصل بالفعل. بل على العكس، لكانت أسست للبنان مختلف تماماً، تاركة في وعي جماهيره الواسعة، إجمالاً، وشبيبته، بوجه أخص، ما تركته كومونة باريس، على رغم هزيمتها الدموية الصارخة، من دروس رائعة لكل الذين لا يزالون يحلمون مذّاك بتغيير العالم والحياة. في كل حال، ومجدداً بخصوص النص بعنوان رؤية ثانية للمشكلة الطائفية، فإنني ما كنت لأحثو عنه الرماد، لولا الندوة الربيعية المشار إليها، التي جعلتني أوقن حقاً أن النقاش بصدد موضوعها، مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ، وربما أكثر بكثير، لأمرٌ في غاية الأهمية، وأن ذلك النصَّ الذي بدا، يوم إلقائه، قبل ثلاثين عاماً، وفي الأسابيع التي تلت ذلك، يغرّد خارج السّرب تماماً، يحتفظ إلى الآن براهنية أكثر من واضحة.
أيها الصديقات والأصدقاء،
كان الهم الرئيسي الذي يجمع بين النصوص الواردة في كتابي، «ينبغي أن نحلم»، الموضوعة إجمالاً بعد انهيار الاتحاد السوفياتي والمنظومة التي كانت تتحلق حوله، هو الوقوف بصلابة عكس التيار الجارف الذي اندفع آنذاك، معلناً نهاية التاريخ، ومشيعاً اليأس القاتل لدى مئات الملايين من الحالمين بمجتمعات أخرى، غير تلك المحكومة بديكتاتورية رأس المال. وكان يودُّ أن يقنع أمثال هؤلاء باستمرار بأن هذه الديكتاتورية لا بد من أن تزول، ومن أن يقوم على أنقاضها مجتمع عالمي، هو بالضبط ذلك الذي تنتظمه سلطة «المنتجين المتشاركين الأحرار».
هذا ولا تدور النصوص المشار إليها بالتالي حول الحالة اللبنانية حصراً، بل تتعدى ذلك إلى الحالة العربية إجمالاً، والوضع العالمي، ضمن الهمِّ عينه، همِّ التغيير الشامل، نحو عالم قال بصدده المفكر الماركسي الثوري البلجيكي، أرنست ماندل، قبل رحيله بسنوات قليلة، في ختام مقابلة أعطاها لمجلة الأزمنة الحديثة السوفياتية، قبل عام واحد من تفكك الاتحاد السوفياتي: «ما من مجزرة أو تعذيب، أو قمع، أو دعاوى، أو انجذاب إلى نمط استهلاكي؛ ما من هزيمة، أو خيبة، أو فشل مؤقت، قادر على التغلب على جهد رجال ونساء شجعان لتحقيق الأمر الأخلاقي الذي صاغه ماركس شاباً، ألا وهو إلغاء كل الشروط الاجتماعية التي يكون فيها الكائن البشري مهاناً ومستعبداً ومتروكاً ومحتقراً». ولقد أضاف ماندل: «لقد كانت جريمة نوسكي وستالين تكمن في التضحية بهذا الأساس الخاص بالاشتراكية، لمصلحة اعتبارات تتعلق بسياسة واقعية إدارية وقحة. فإذا عادت الاشتراكية إلى إلهامها الأصلي، فستصبح عصيَّة على القهر».
أيها الصديقات والأصدقاء،
سأختم كلمتي هذه، بالعودة مرة أخرى، إلى الحالة اللبنانية، مستشهداً بكلمة كتبها الأستاذ أنسي الحاج، في زاويته الأسبوعية بجريدة «الأخبار»، بتاريخ 24/8/2008، حيث يقول: «ولو كان هناك أمل بثورة شعبية عامة تغير الواقع لهانت الآلام. ولكننا ممسوكون على نحو من الجهنمية بحيث لا مجال معه في المدى المرئي لانتقاضة جماعية إلا تحت طائلة تحويلها فتنة طائفية أو مذهبية».
ولقد رددت على هذه الكلمة الجميلة، من بعض النواحي، ولكن القاتمة واليائسة، في مقالتي المستشهد بها أعلاه، بعنوان «ثورة 1789 اللبنانية التي لم تتم». رددتُ، أقول، محدِّداً الشروط المفترض استيفاؤها لأجل أن تزول تلك الحالة «الجهنّمية» التي تبدو كما لو كانت قدراً لبنانياً لدى الأستاذ الحاج، وآخرين كثيرين غيره، بحيث يفتح ذلك الطريق أمام سيرورة مختلفة، مضيئة حقاً ومليئة بالوعود.
هذا وقد أضفت في الأخير: «إن ثورة 1789 اللبنانية التي لم تتم، إلى الآن، يمكن ويجب أن تتم. ومثلما أنتج الأصل الفرنسي ارتدادات هائلة على امتداد أوروبا بأسرها، يمكن أن يفعل الشبيه اللبناني المنشود، بدوره، الفعل نفسه في محيطه العربي».

(ألقيت هذه الكلمة بمناسبة الندوة التي انعقدت حول كتاب كميل داغر الصادر أخيراً عن دار التنوير، بعنوان «ينبغي أن نحلم: نصوص في سياسة هذا العالم»، وذلك في المجلس الثقافي للبنان الجنوبي، مساء الخميس 28 كانون الثاني الماضي)
* كاتب لبناني