إيلي شلهوب

تشهد العلاقات الأميركية ـــــ الصينية حالاً من التوتر البالغ الدلالات. مواجهة دبلوماسية ليست الأولى، ولن تكون الأخيرة، لكنها عالية النبرة على نحو غير اعتياديّ. أزمةٌ، الحراك فيها مدروس بدقة، والرسائل المتبادلة مقصودة بحرفيّتها، وإدارتها تجري بعناية فائقة، طبعاً وقد استثمر كلّ طرف في علاقته مع الآخر ما لا يحتمل خسارته.
بهذا المعنى لا يمكن الرهان، كما قد يفعل البعض، على صدام وشيك يعيد رسم خريطة العلاقات الدولية. بل حتى لا يمكن الآن قياس مدى التغيير الجوهري، الذي يمكن أن يكون قد حصل، في مقاربة كلّ من طرفي الأزمة حيال الآخر، وخصوصاً أن العامل الداخلي في كل من واشنطن وبكين قد أدّى دوراً في الإخراج، وطريقة التعبير عن المتغيّرات التي تشهدها موازين القوى بينهما.
المشكلة بدأتها إدارة أوباما بتحويل صفقة بيع أسلحة لتايوان إلى الكونغرس في 29 كانون الثاني الماضي بقيمة 6.4 مليارات دولار. خطوة لم تكن عبثيّة ولا مصادفة، وخاصةً أنّ الصفقة من تركة بوش. كانت رسالة واضحة وصريحة (تليها أخرى تتمثّل في لقاء أوباما قريباً مع الدالاي لاما، الذي لم يستقبله العام الماضي) تعبّر عن استياء الإدارة الحالية من الاستجابة الصينية السيئة حيال المبادرات الأميركية تجاه بكين. ألم تعلنها هيلاري كلينتون «عودة إلى آسيا» التي كانت هدفاً لزيارتها الخارجية الأولى في منصبها الدبلوماسي؟ عودة تجاهلت في خلالها واشنطن ملف حقوق الإنسان في الصين لمصلحة علاقة تقوم على «الاحترام المتبادل» و«المصالح المشتركة»، على قاعدة أن نتيجتها ليس بالضرورة أن تكون صفريّة (بمعنى أن كل ما يكسبه طرف يكون على حساب الآخر)، وعلى أمل أن «تكون الصين جزءاً من الحل لا جزءاً من المشكلة».
في المقابل، ماذا كان الرد الصيني، بعيون الأميركيين؟ لا تعاون في الملف الإيراني. تصلّب في المناخ في كوبنهاغن. حكم قاس على غير العادة بحقّ معارض صيني. إعدام تاجر مخدّرات بريطاني مريض عقلياً، رغم مناشدة حكومة لندن. تعزيز الرقابة على شبكة الإنترنت (قضية غوغل). تقليص مستوى شراء بكين لسندات الخزانة الأميركية في 2009 (قيمة الدين الأميركي لمصلحة الصين 790 مليار دولار)...
رسالة استياء أرفقتها واشنطن في الأول من شباط بأخرى تعبّر من خلالها عن التمسّك بالعلاقات تحت عنوان «المراجعة الدفاعية» الدورية: تعاظم القدرة العسكرية الصينية يؤهّلها لأداء دور أساسي وبنّاء في الشؤون الدولية (كانت في 2006 تخل بالموازين الإقليمية). مطالبة بقنوات مفتوحة مع بكين لمناقشة الخلافات...
لم تكن المرة الأولى التي تبرم فيها الولايات المتحدة صفقات تسلّح مع تايوان. وفي كل مرة كان الرد الصيني قاسياً، يتقدّمه تقليص العلاقات العسكرية. لكن هذه المرة حمل الرد عنصراً إضافياً: تهديد الشركات التي تزوّد تايبيه بالأسلحة. بل إن طريقة إخراجه، والسجال الذي رافقه في وسائل الإعلام الصينية كانا معبّرين. يعكس ثقة متزايدة بالنفس، واعتداداً بنجاح النموذج: أوليغارشية تسلطية قيادتها تشاركية، توتاليتارية في السياسة وليبرالية في الاقتصاد. رسالة بأن الصين، التي عبرت الأزمة الاقتصادية الأخطر منذ عقود بسلام، لم تعد تلعب من أجل الفوز بالمقعد الثاني. محاولة لتدشين عصر الند للند (ترى بكين أن كل الفكرة من وراء مجموعة الـ20 هي تقزيم دورها)، أو بالحد الأدنى محاولة لاختبار مدى المكاسب التي يمكن انتزاعها من إدارة أوباما الحديثة العهد، بعدما أظهرت الأزمة الأخيرة مدى الوهن الذي يصيب العم سام.
أليست الصين مصنع العالم، والدولة الأكبر سكانياً والثالثة اقتصادياً بعد أميركا واليابان (ستحلّ ثانيا قريباً) والأكثر جاذبية للاستثمار، وهي تعمل على قدم وساق منذ عقدين على تحديث جيشها عبر تضخيم موازنتها الدفاعية بهدف امتلاك الأذرع العسكرية التي تخوّلها حماية مصالحها المنتشرة في آسيا وأميركا اللاتينية وأفريقيا والشرق الأوسط. مسيرة بدأتها منذ الأربعينيّات، لكنها أخذت بعداً مختلفاً منذ 1978 (تغيير المسار الاقتصادي) كان نقطة الانطلاق في حركة تصاعد سلمي عبر القوة الناعمة، التي يبدو أن بكين تتّجه نحو عسكرتها.
قوة عظمى جديدة، أولوياتها تبدأ بالحفاظ على مستوى نمو بحدود 8 في المئة تعدّه ضرورياً للحؤول دون اضطرابات داخلية حتمية إذا انخفض (الترجمة: لا اتفاق على المناخ). وحدة التراب الصيني (ممنوع الاقتراب من التيبت وكزينجيانع: موقعان استراتيجيان وغنيان بالموادّ الأولية) وتمسّك بسياسة «صين واحدة بنظامين» في ما يتعلق بتايوان (التي وافقت عليها تايبيه وواشنطن). الحفاظ على كوريا الشمالية (الوحدة تعني جزيرة على الخاصرة الصينية موالية للغرب) وميانمار (مصدر للمواد الأولية وطريق محتمل إلى المحيط الهندي بدلاً من مضيق مالاكا، حيث الدوريات الأميركية) وإيران (مصدر للطاقة).
ذلك كله لا يحجب حقيقة أن علوّ النبرة في الخطاب يعود في البعض من أسبابه إلى معطيات داخلية أميركية (محاولة من أوباما للظهور بمظهر الرئيس الشرس) وصينية (تعزيز للشعور الوطني الذي يتسارع نموه، ومحاولة لحرف الأنظار عن أمور أخرى مثل القمع والفساد والمخاوف من لا استمرارية الازدهار).
صراع جبّارين علاقاتهما معقّدة ومصالحهما متشابكة ومترابطة ومتعارضة ومتصادمة في آن واحد. كأنهما في مركب واحد محكومان بالوفاق. الحذاقة في معرفة كيفية الاستفادة من واقع كهذا.