ثمة رأي أعوج يدّعي أن الغرب بات يخشى امتداد «الإرهاب الإسلامي» إلى أراضيه لذلك فإنه معني تماماً بمكافحة الإرهاب وجدية سياساته تجاه هذا الخطر المزعوم.

لكن عند مقاربة هذا الموضوع علينا ذكر مجموعة حقائق ذات صلة، وفي مقدمها أن دولاً غربية عانت الإرهاب، وفق تعريفها، في ستينيات القرن الماضي وسبعينياته الذي لم يَقُد سوى إلى إحكام السلطات قبضتها على مجتمعات(ها) عبر قوانين تحدّ من الحرية الشخصية، وفي العالم أيضاً كما رأينا الأمر في الولايات المتحدة عقب هجمات الحادي عشر من أيلول.

بل إن واشنطن حوّلت موقع الهجمات إلى محجّ لملايين السواح المحليين والأجانب يدرّ أموالاً كثيرة على المدينة الولاية.
فما دوافع تجاهل المروجين للادعاء بجدية الغرب في محاربة الإرهاب للحقائق البديهية المعروفة للجميع! إن كان قصدياً فهو كلام باطل يصدر عن عقل باطل ويراد به باطل، وإن كان عن جهل وتجاهل لكل دروس مواجهاتنا مع الغرب الاستعماري، فيعكس معرفة، لكن استنمائية، ولسنا في حاجة إليها!
الأعمال «الإرهابية» لا تقوّض أنظمة ولا تستثير تعاطف البشر في أي مكان في العالم، فكيف إذا كان الجناة أجانب لا هدف لهم سوى ترويع السكان وإرهابهم وفرض أفكار غريبة عجيبة على مجتمعات ناضلت كثيراً وقدمت تضحيات لا حصر لها على مدى قرون كي تتمكن من تأسيس نظم سياسية اجتماعية مستقرة!
لننظر أيضاً إلى مثال من بلادنا وتحديداً إلى إرهاب الجماعات التكفيرية الإلغائية في العراق الموجه ضد «الروافض!». هل تمكن من تحقيق الهدف المنشود! كلنا يعرف أن ذلك الإرهاب قاد إلى نتيجة عكسية وأدى إلى تخندق الضحية في مواقفه، وساهم في تشجيع التطرّف. هذا تحديداً ما قاد إليه إقدام القاعدة على جريمة تفجير مقام العسكريين في سامراء.
الغرب الاستعماري المعتدي سيتحرك بجدية فقط عندما يشعر بأن ضرراً بنيوياً بدأ يمسّ أنظمته وأن سياساته المعتمدة تؤتي نتائج عكس المقصود.
لعل مشكلة هجمة اللاجئين والمهاجرين الأخيرة في أوروبا بدأت تشعر الأنظمة هناك بإمكانية تضرر ليس الدول فقط وإنما بنية الاتحاد الأوروبي أيضاً، وساهمت بالتالي في الانزعاج الحقيقي من الأوضاع في سوراقيا.
لقد انقضى أكثر من عام منذ قول واشنطن، الكذوب،ب دخولها الحرب على الإرهاب في العراق وسورية، ومن دون أخذ إذن الأخيرة، لكن ما نتيجة ذلك؟! كل ما شاهده من لا يحجب الغربال نظره دلع ومياعة سياسية وعسكرية واستعراض فارغ بقصد استغباء العالم. بل إننا نذهب أبعد من ذلك ونقول إن واشنطن هي من أوعز لعملائها في الجيش العراقي الذي شكلته هي بعد الاحتلال، للانسحاب بلا سلاح من الموصل والأنبار لفتح المجال أمام الإرهاب الداعشي للتمدد. واشنطن وأذنابها من عربان الخليج والعثمانيين الجدد، هم من خلق هذه التنظيمات الوهابية التكفيرية ويمدونها بالأسلحة والمعلومات اللوجستية، بل وحتى بالقتلة من مختلف بقاع العالم، كي تستخدمهم ذريعة لاستعادة مواقعها في الشرق الأوسط بعد أن طردت من أفغانستان وهُزِمت في العراق على يد المقاومين العراقيين.
واشنطن لا يمكن أن تستغني عن الشرق الأوسط في حربها للسيطرة على العالم، لأنه يشكل حلقة مهمة في الطوق الذي تحاول مدّه لمحاصرة أصدقائها الأعداء في موسكو وبكين.
أما حماسة الغرب المتجدّدة لكن البليدة لمحاربة الإرهاب في بلادنا فمردّه الدخول الروسي والصيني المباشر في الميدان ما أربك الغرب. هذا يوضح أنه فقط عندما تشعر حكومات الغرب بأن سياساتها ترتد عليها خطراً حقيقياً ستغيّر مواقفها على نحو جزئي أو كامل.