من موقعها في الساحة العربية، رأت «حركة المقاومة الإسلامية – حماس» في الانتفاضات العربية تحوّلات استراتيجيّة، ستصبّ في مصلحة القضية الفلسطينية في مواجهة العدو الإسرائيلي. ولكن الأمر لم يطل حتّى أصبحت الحركة جزءاً من الانقسام العربي، تحديداً إثر مساندة طائرات «حلف شمال الأطلسي» (حلفاء إسرائيل) الثورة في ليبيا. لم يكن الأمر اللافت ظاهراً في مواقف قادة «حماس» وتصريحاتهم المتضاربة، بقدر ما كان في لغة الجيل الشاب في الحركة.


على عكس الجيل الأول (المؤسسون وقادة المستوى الأول)، يتميَّز جيل «حماس» الثاني بـ«جرأته» في إبداء المواقف والتعبير ــ من دون حرج ــ خصوصاً في الحديث والدفاع عن رؤيته لـ«المقاومة وأعدائها».
وحينما ترك رئيس المكتب السياسي للحركة خالد مشعل دمشق، مفضلاً اللجوء إلى الدوحة، جرى تبرير الأمر ــ على المستوى الرسمي ــ بمعادلات بسيطة من قبيل أنَّه «لا يمكن لحركة حماس أن تقف إلى جانب نظام يقتل شعبه». كانت رؤية «حماس» أبعد من النظر إلى دمشق كحاضنة للمقاومة، بل اعتمدت على تحليلٍ حول مستقبل الأنظمة العربية ككل. فقد بدا، مع الانهيار السريع للأنظمة الحاكمة في تونس ومصر ولبيبا، أنَّ مستقبل الحكم في المنطقة سيكون من نصيب «الإسلام السياسي». وبرغم إمكانية النظر إلى هذا التغير في سلوك «حماس» كرهانٍ على التحوّلات المستقبليّة، فإنه يبدو أيضاً استجابة للبنية الاجتماعيّة للحركة، الآخذة في «السلفنة»، وهي التي يعبر عنها الجيل الشاب في «حماس».

ويمكن ملاحظة أن إيران تمثّل نقطة مركزية في كتابات ونقاشات شباب «حماس» ــ الجيل الثاني. على سبيل المثال، يرى الكاتب في صحيفة «العربي الجديد» القطرية، براء نزار ريان ــ وهو ابن الشهيد القيادي نزار ريان الذي يظهر في تسجيل يعود إلى عام 2007 يهاجم فيه الشيعة (وقد خصّ بالذكر شيعة جنوب لبنان الذين لم تكن تشوب علاقتهم بحماس شائبة في ذلك الوقت) ــ أن «المشروع الإيراني سعى منذ البداية إلى التمدّد المذهبيّ في البلاد الإسلاميّة، بضمّ عناصر من الشيعة الإمامية إلى حظيرة ولاية الفقيه، أو تحويل الآخرين إلى المذهب الإمامي، تمهيداً لضمهم، مثلما حصل مع الحوثيين (الزيدية)، ومع قليلٍ من أفراد السنة في العالم الإسلامي». أمّا دعمها فصائل المقاومة، فما هو، في رأيه، إلّا «محاولة لإيجاد موطئ قدم، لمشروع الوليّ الفقيه في فلسطين، وهذا لا يتأتى بمجرد الدعم لما هو موجود، بل الأمر محتاجٌ لمن يحمل الفكرة عن قناعة ورضى، لا من يأخذ الدعم دون شروط»، وفقاً للكاتب الفلسطيني.
يستنتج ريان أنّ «خلاص المقاومة الفلسطينية من مشروع الولي الفقيه يكمن في سلفيتها»، فالنزعة السلفية «هي التي حمت حماس من الإلحاق بمشروع الولي الفقيه». كما يتباهى الشاب باقتباس الإعلامي فيصل القاسم لكلام كتبه خلال العدوان الإسرائيلي على غزة عام 2012، عندما قال: إنَّ القسام قد «أخزت» السيد حسن نصر الله بإعلانها أنَّ صواريخها محلية الصنع.

أمَّا ساري عرابي، وهو أسير سابق في سجون الاحتلال وأحد أبرز الوجوه الثقافيّة الشابة، فيميز بين المشروع الإيراني والمشروع العربي السنّي من الزاوية المذهبية والقومية. هو لا يرى في السياسات الإيرانية تهديداً للغرب، «وهذا ما أدركه الغرب أيضاً». ويتابع قائلاً إنَّ إيران «معزولة عن العالمين العربي والإسلامي بعنصري افتراق، هما المذهب الشيعي الإمامي والقومية الفارسية، على عكس العرب السنة الذين يشكلون قلب العالم الإسلامي وأصحاب الإرث التاريخي في التصادم مع الغرب، ولا يفصلهم عن الجغرافيا الغربية سوى المتوسط». ورغم أنَّه يعترف بأنّ لإيران «وجوداً طبيعياً في المنطقة»، يرى أنَّ هذا الوجود «تجاوز حدوده إلى الهيمنة على العرب وبصورة تمعن في إذلالهم وتفتيت مجتمعاتهم».
في الوقت نفسه، تجد ساري عرابي ــ في مقالة ــ ما يبرر اضطرار «حماس» إلى محادثات الهدنة المثيرة للجدل مع إسرائيل بكون سقف حلفائها الحاليين منخفضاً. ولكنه لا يعاديهم بتاتاً، من الناحية المبدئية، ولا يوجه لهم أي اتهامات، فتلك يبدو أنها مخصصة فقط لإيران ولحلفائها.
باختصار، تشترك نظرة مثقّفي «حماس» من الشباب في العدائيّة تجاه السياسات الإيرانية.
فالمشروع الإيراني «شيعي فارسي»، ويمثِّل «اختراقاً للأمة العربية السنية ويفتتها بالاشتراك مع الغرب لمنع نهضتها»، أمَّا أمثلة الشراكة بين إيران والغرب فعديدة لديهم، تبدأ من إسقاط حكم «طالبان» إلى تفتيت العراق، وصولاً إلى إسقاط حكم «الإخوان المسلمين» في مصر عبر ما يرونه «دعماً للانقلاب العسكري». من المدهش، عند هذه النقطة تحديداً، ملاحظة كيف نسي هذا الجيل فجأة الدعم الإيراني المالي والعسكري الذي لولاه، لكانت المقاومة الفلسطينية في غير مكان.
لكن المدهش هو نظرة شباب «حماس» إلى الحرب الأهلية الدائرة في سوريا. فهي، بالنسبة إليهم، «ثورة شعبيّة ضدّ أقليّة متسلطة». على عكس القادة، لا يخجل جيل الحركة الشاب من «تسمية الأمور بأسمائها». الثورة هي «ثورة أهل السنة ضدّ الأقلية العلوية المتسلطة». لا داعي للبحث في داعمي «الثورة السورية» حتى لو كان من ضمنهم إسرائيل، فهذه «الثورة» تستحقّ الدعم «لأنهم إخوان في الأمة ذاتها». يُستفز الأسير المحرر، إسلام أبو عون، (من المفيد الإشارة إلى أن محمد دحلان وجبريل الرجوب هما أيضاً أسيران محرّران)، من «وقاحة حزب يمثل أقلية (حزب الله) في استخفافه بأمة بكاملها (الإخوان والسلفيون) حين يذهب ليواجه مشروع الأمة» المتمثل بـ«جبهة النصرة» و«الجيش الحر» وحتى «داعش». وأبو عون يحظى بمتابعة جيدة ويكتب في موقع «هافنغتون بوست عربي» بنسخته القطرية.
«داعش» الذي يسبّب إفراطه في الإجرام إحراجاً لهم، حظي هو الآخر بتأييد واضح وصريح من أوساط في القواعد الحمساويّة. في العراق وسوريا، يواجه «مجاهدو الدولة» كما كان يحلو لهم تسمية عناصر التنظيم، أنظمة مستبدة ظالمة لأهل السنّة. لكن ردّ «داعش» لم يتأخر، حينما دخل التنظيم إلى مخيم اليرموك بالتنسيق مع «جبهة النصرة»، ونكّل بأنصار «حماس».
كان لهذا الحدث وقع متفاوت على القواعد الحمساوية وعلى كتّابها. إبراهيم المدهون، وهو مدير مركز «أبحاث المستقبل» التابع للحركة وكاتب ومحلل معروف، اقترح على «النصرة» و«داعش»، بعد أحداث اليرموك بمدة قصيرة وفي تغريدة على موقع «تويتر»، أن يتّحدا في تنظيم واحد «لتسريع إسقاط نظام الاستبداد في سوريا».
لكن الرجل تدارك نفسه واكتشف أن «الفكر الداعشي» فيه الكثير من التطرّف عندما بدأت مظاهر حراك مسلح للمتعاطفين مع «داعش» في غزة. وفي السياق، غرّد أحد كتّاب «حماس»، لائماً الفصائل «الجهادية» السورية على عدم نصرتها للأكناف (أكناف بيت المقدس) التي دربت وسلحت هذه الفصائل (على هذا المنوال يمكن القول إنَّ الفضل في تدريب المعارضة السورية يعود إلى إيران وحزب الله والجيش السوري!).
لا يمكن الحديث عن الوعي المقاوم لشباب «حماس» من دون معرفة وجهة نظرهم في العدوان السعودي على اليمن. يختصر إبراهيم المدهون موقف شباب «حماس» من حملة «عاصفة الحزم»، حين يرى في تأييد «حماس» الحرب «انحيازاً لشرعيّة النظام العربي»، و«تبنياً لموقف المملكة العربية السعودية الحكيم والرشيد». ويقول: «في ظل التغير السعودي الجديد والحراك الإيجابي الذي يتبناه الملك سلمان، قد تجد الحركة بارقة أملٍ لتكوين جبهةٍ عربيةٍ تستطيع تشكيل حاضنة لمشروع التحرير الفلسطيني».
وفيما يستخدم «أنصار الله» (الحوثيون) انتصار مقاومة غزة كحافز لردعهم العدوان السعودي ـ الأميركي، يرى مثقَّفو «حماس» في القضاء على الحوثيين «بارقة أمل» لمقاومة غزة. لكن بعض شباب «حماس» لم ينسوا دعم السعودية لـ«الانقلاب» على «إخوتهم» في مصر؛ لكنّهم، برغم ذلك، أيّدوا العدوان، لأنَّهم رأوا فيه مقاومة «للمدّ الإيراني الشيعي». ومع مرور الأسابيع، بدأت نبرتهم تجاه السعودية تصبح وديّة أكثر فأكثر.
بات شباب «حماس»، المؤثرون إعلامياً، جزءاً من آلة الدعاية القطريّة، وأحد أهمّ ذخائرها. يمكن القول إنَّ انخراط الحمساويين ضمن هذه الآلة هو أحد الأسباب الرئيسيّة لنجاحها الباهر في السيطرة على وعي قطاع واسع من الجمهور العربي لدرجةٍ تجعل الإعلام السياسيّ القطري أخطر من رديفه السعودي، لأنه يمتلك شرعية «مقاومة».
فمثلاً، لو فكّرنا بمسألة العدوان السعودي ـ الأميركي على اليمن، لوجدنا أنّه كان من الصعب أن يحصل على تأييد شعبي كبير في العالم العربي لولا انخراط الإعلام القطري، ورموزه العرب، في الترويج له.
قد تكون وكالة «شهاب» الإخبارية الحمساوية نموذجاً صارخاً عن مدى التحاق «حماس» بالركب القطري. تحتفل الوكالة بأيّ تقدم يحققه «الثوار» في سوريا، وتغطي كل «عطسة» لمسؤول تركي أو قطري بنبرة تعظيم (كما بدأت، مؤخراً، بالترويج للسعودية بدءاً من قصة قطع الملك سلمان مراسم استقبال الرئيس باراك اوباما من أجل أداء الصلاة حتى قفزة «مبهرة» لجندي سعودي فوق سيارة مسرعة أمام أحد الأمراء). وفي الوقت نفسه، فإنَّ الوكالة كلَّفت نفسها عناء ترجمة تقرير عبري طويل عن «تورط حزب الله والإيرانيين في تجارة المخدرات في أميركا الجنوبية».
هذا الجنون التحريضي الجارف أقوى من أن يجد من يُخالفه داخل الحركة. أحد أبناء الشهداء المعروفين، ويحظى بمتابعة كبيرة من جمهور الحركة ومحبيها، يقول في هذا الإطار (وقد طلب عدم ذكر اسمه)، ملخصاً «المأساة» التي لحقت بجمهور الحركة: «من الصعب جداً الوقوف في وجه تيّار يحمل توجّهات بُنيت على مرّ الأعوام جرّاء تنشئة دينية وإيديولوجية صلبة. وهذه التوجّهات يشترك فيها معظم الشعب جرّاء الثقافة الدينيّة السائدة»، مضيفاً أن محاولة مناقشة مثل هذه الأمور في الحيّز العام يعني التعرّض للإقصاء فوراً، فالمواقف قد اتّخذت مسبقاً، والآن يأتي فقط دور إطلاق الأحكام يميناً ويساراً».
هل يقبل أحد من «مثقفي حماس الشباب» المجيء إلى الضاحية الجنوبية لحضور إفطار جماعي من موائد الحزب الرمضانية المكرسة لـ«الوحدة الإسلامية»؟ أي وعي مقاوم يمكن الحديث عنه، عندما يرى «مثقفو حماس» في هزيمة حزب الله والحوثيين انتصاراً لمشروعهم المقاوم؟ قبل أن يعتلي هذا الجيل المنابر للحديث باسم المقاومة، قد يكون من المجدي تعريف هذا المشروع المقاوم ومكانه في الأمة والمنطقة، بدلاً من رفع لواء هوية طائفية لا محتوى لها، تصل بهم إلى التماهي مع أعداء المقاومة وحلفاء إسرائيل.