رفض أهلنا في فلسطين المحتلة وأبناء أمتنا العربية بلا استثناء، مشروع الأمم المتحدة لتقسيم فلسطين المعبّر عنه في قرارها رقم 181 الذي أصدرته في 29 نوفمبر 1947، والداعي إلى قيام دولتين: عربية ويهودية.


نتذكر ذلك في وقت ترتفع فيه أصوات فلسطينية وعربية كثيرة تتباكى على ذلك الرفض، وتتمنى لو أن الفلسطينيين والعرب قبلوا بذلك التقسيم لأنه، من وجهة نظرهم، لو لم يكن لما كنا تعرضنا إلى ما نتعرض إليه الآن من مآسٍ ونكبات منذ عام 1948 (قيام إسرائيل) وحتى اللحظة.
هؤلاء، للأسف، لا يعرفون حقيقة العدو الصهيوني ولا مشروعه في المنطقة القاضي بقيام دولة يهودية على كل الأراضي الفلسطينية باعتبارها «الأرض الموعودة لليهود» كمقدمة لإنشاء دولة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات. وحتى لو قبل أهلنا آنذاك بالقرار، لرفضته إسرائيل ولحالت بريطانيا وأتباعها والولايات المتحدة دون تنفيذ جزئه المتعلق بإنشاء الدولة الفلسطينية التي أسمتها الأمم المتحدة آنذاك «دولة للعرب». هذا أولاً.
ثانياً، المشروع الصهيوني الذي رُسم أساسه ووُصفت مبادؤه في المؤتمر الصهيوني الأول في بازل - سويسرا عام 1897، دعا إلى تجميع كل اليهود في الدولة اليهودية (التي عنت وتعني كل فلسطين من النهر إلى البحر). لذلك أول ما قامت به إسرائيل قبيل إنشائها على أيدي العصابات الصهيونية وبُعيده على يديّ جيشها هو اقتلاع ثلاثة أرباع مليون فلسطيني من أرضهم وتهجيرهم قسراً إلى الخارج على قاعدة «أرض أكثر وعرب أقل». بالتالي لو جرى إنشاء دولة فلسطينية آنذاك لقامت إسرائيل باحتلالها. ثم إن الموافقة على إقامة دولة لليهود على أي جزء من فلسطين يعني الموافقة والقبول بالشعارات والأضاليل المؤسسة للسياسة الإسرائيلية. لذلك فإن موقف أهلنا من قرار التقسيم كان مصيباً.
ثالثاً، انطلق المشروعان الصهيوني والإمبريالي من تذويب مصطلح «الشعب الفلسطيني»، لذلك حاولوا طمس الهوية الفلسطينية وصُوّرت مشكلة الفلسطينيين بأنها مشكلة لجوء إنساني لبضعة آلاف من دولة عاشوا فيها كـ«أقلية». هم في «خروجهم الاختياري» من فلسطين أصبحوا لاجئين. وهم بحاجة إلى مساعدات دولية إنسانية للانتصار على ظروفهم. تم تجاهل قضيتهم الوطنية تماماً، وحتى عام 1967 (قبل الحرب وظهور المقاومة الفلسطينية) امّحت بشكل نسبي الهوية الوطنية الفلسطينية سوى من أحزاب وطنية قومية ركزّت على الهوية التحررية الوطنية للشعب الفلسطيني.
أنشات الأمم المتحدة وكالة الغوث الدولية لمساعدة الفلسطينيين وتشغيلهم (الأونروا)، ولم يتم إلحاق اللاجئين الفلسطينيين بالوكالة الدولية للاجئين (التابعة للأمم المتحدة) أسوةً باللاجئين من الدول الأخرى لأن الأمم المتحدة ملزمة، والحالة هذه، بإعادتهم إلى وطنهم (هذا بالرغم من صدور قرار الأمم المتحدة رقم 194 والداعي إلى حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى مدنهم وقراهم وأراضيهم).
رابعاً، لم تكن إسرائيل بحاجة إلى سبب لاحتلال الجزء المتبقي من فلسطين في عام 1967، لكن هذا الاحتلال جاء أسرع مما كان متوقعاً مستغلة الأحداث التي جرت في ذلك العام للقيام بخطوتها الاحتلالية. وبذلك قامت إسرائيل بتنفيذ المرحلة الأولى من مشروعها وهي الخطوة الاحتلالية لفلسطين من النهر إلى البحر فتتمكن من استقدام الملايين من اليهود من مختلف أنحاء العالم. وهي سارعت إلى ضم مدينة القدس ومحاولة تهويدها بشكل تدريجي التي أصيبت بسعار الاستيطان وما زالت ماضية بحلقاته حتى اللحظة.
ومع انطلاق حركة المقاومة الفلسطينية وبدء التساؤلات الدولية حول الهوية التحررية للشعب الفلسطيني وبفعل المقاومة والتضحيات الفلسطينية، بدأ العالم في فهم الأبعاد الحقيقية لولادة قضية اللاجئين الفلسطينيين. ونتيجة أيضاً لارتفاع التضامن الشعبي الأممي مع الشعب الفلسطيني وتأييد قضيته الوطنية من قِبل دول عدم الانحياز والدول الاشتراكية وعلى رأسها الاتحاد السوفياتي، فإن هذا التضامن عبّر عن نفسه باعتراف دولي بالظلم الذي تعرض له الفلسطينيون بفعل الجرائم الإسرائيلية وبدء اتضاح المشروع الصهيوني وحقيقة الصهيونية. وبفعل المقاومة الفلسطينية بدأ التضامن والدعوات الدولية لإنصاف هذا الشعب، والدعوة إلى أهمية أن يعيش في وطن مثل كل الشعوب الأخرى.
خامساً، كان من الصعب على إسرائيل مواجهة هذه الحملة الدولية والانتقادات الكثيرة التي توجه إليها، فبدأت تتعاطى مع التسويات على قاعدة «نعم ولكن». أي بدأت بشكل واضح ومطلق تتهرب، بالمعنى الفعلي، من توقيع السلام مع الفلسطينيين (وصل الأمر إلى هذا الحد بشكل تدريجي) عبر الادعاء بقبوله ومن ثم إفشاله من داخله. ثم بدأت المشاريع الدولية تظهر واحداً بعد الآخر، وبدأ مؤتمر مدريد بعد سنوات طويلة (بعد حربي عام 1973 وعدوان 1982 على لبنان، وبعد اتفاقية كامب ديفيد المشؤومة). بعدها جرى توقيع اتفاقيات أوسلو وسط وضوح إسرائيلي كامل بالنسبة لحدود التسوية مع الفلسطينيين: حكم ذاتي على القضايا الإدارية والحياتية للسكان ضمن لاءات خمسة حددتها إسرائيل وشكلت قاسماً مشتركاً أعظم بين ألوان الطيف السياسي الإسرائيلي كافة. كل ذلك جاء بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ودول المنظومة الاشتراكية وظهور عالم القطب الواحد. لقد بدأت التنازلات الرسمية التدريجية الفلسطينية والتي وصلت إلى الحد الذي نراه الآن. كل تنازل رسمي فلسطيني قوبل بشرط إسرائيلي جديد، وذلك لتفجير الحل من داخله. فمجرد قيام دولة فلسطينية (حتى لو كانت عبارة عن حكم ذاتي) مسألة لا تريدها إسرائيل، وترى فيها نقيضاً لها وبداية لنهايتها. بالتالي هي تعمل على عرقلة قيام مثل هذه الدولة حتى لو قام الفلسطينيون بتنفيذ كل شروطها.
سادساً، بالنسبة لاستكمال المرحلة الثانية من المشروع الصهيوني وهي: إنشاء دولة إسرائيل الكبرى، فإن المستجدات السياسية والأحداث وطبيعة التطور حدّت من الاندفاعة باتجاه تحقيق هذا المشروع، هذه هي العوامل الموضوعية، إضافة إلى ذلك، بدأت اسرائيل الاستعاضة بالاحتلال الاقتصادي والسياسي كبديلين من الاحتلال المباشر. أما العوامل المعيقة الذاتية الإسرائيلية لتنفيذ المشروع فأبرزها: عدم وجود القوى الديموغرافية الإسرائيلية للقيام بمثل هذا المشروع. لذا فإن الأطروحات الإسرائيلية - الأميركية بدأت لإنشاء شرق أوسط جديد تكون إسرائيل هي القوة الفاعلة والرئيسية فيه. عربياً على صعيد الشعوب، بدأت إدراك حقيقة إسرائيل وضرورة مقاومتها ووقف تمدّدها.
سابعاً وأخيراً، إن فلسطين بالمعنيين العام والخاص هي: فلسطينية عربية خالصة. وعلى ضوء طبيعة الصراع وعوامله، وبسبب حقائق التاريخ والجغرافيا وقيم العدل والمبادئ والحقوق، وبسبب أيضاً الرفض الإسرائيلي لأشكال الحل كافة: إقامة دولة فلسطينية أو دولة ديموقراطية أو دولة واحدة أو دولة ثنائية القومية أو دولة لكل مواطنيها، فإن فلسطين لشعبها الفلسطيني العربي من النهر إلى البحر، وفي نظر شعبها وأبناء الأمة العربية فلسطين لا تقبل القسمة على اثنين.
* كاتب فلسطيني