وضع الوزير السابق كريم بقرادوني مؤَلفاً قيّماً عن عهد الرئيس إميل لحود تحت عنوان «صدمة وصمود»، حيث أعطى للقارئ صورة دقيقة عن عهده الذي تعرَّض لحملات جائرة ضده وضد نهجه في التعاطي مع القضايا الوطنية الرئيسية. وخصوصية مؤلَّف «صدمة وصمود» الذي أصبح في طبعته الرابعة، أنه يوفر العناصر الموضوعية لفهم شخصية الرئيس لحود ومبادئه ومفهومه للسيادة والتحرير واستقلال لبنان


جورج قرم *
في كتابه «صدمة وصمود»، أبدع المؤلِّف الموهوب كريم بقرادوني، الذي ندين له بمؤلَّف آخر مهم بعنوان «السلام المفقود» يصف فيه عهد الرئيس الياس سركيس، في إعطاء جمهور القراء لوحة كبيرة عن تاريخ عهد الرئيس إميل لحود وما تعرض له من معرقلات وحملات إعلامية مضادة جائرة. وتظهر شخصية الرئيس لحود من خلال سرده المفصل كرجل صلب، له مبادئ ثابتة لا تتأرجح ولا تتبدل ولا تخضع للضغوط الداخلية والخارجية. هذه المبادئ وتمسكه بها، رغم الضغوطات الهائلة التي تعرّض إليها خلال السنين التسع التي شغل فيها منصب الرئاسة الأولى، هي التي سمحت بدون شك بتحرير الجنوب من الاحتلال الإسرائيلي الوحشي على مدار اثنين وعشرين عاماً، وذلك عبر التأييد المتواصل الذي أعطاه، منذ أن عُيِّن قائداً للجيش، إلى مقاومة حزب الله التي اطمأنَّت بالتالي إلى محيطها اللبناني وإلى العقيدة القتالية الجديدة للجيش اللبناني التي أرساها الرئيس لحود. وهي عقيدة حدَّدت عدواً رئيسياً واحداً للبنان هو الكيان الإسرائيلي الغاصب، الأمر الذي سمح للجيش اللبناني بأن يتعاون وينسِّق بفعالية متزايدة مع المقاومة اللبنانية بهدف تحرير الأرض.
ولأهمية هذه النقطة الجوهرية في عهد الرئيس إميل لحود، سلَّط كتاب الوزير بقرادوني الأضواء أساساً على هذه الناحية أكثر منه على النواحي والإنجازات الأخرى التي لم يلمسها الجمهور اللبناني تحت تأثير الحملات الإعلامية المضادة لعهد الرئيس لحود ولحكومته الأولى برئاسة الدكتور سليم الحص (1998ــــ2000)، التي تميَّزت أيضاً بالمواقف والعمل الجاد لإنقاذ الاقتصاد اللبناني وأوضاعه المتردية المالية والنقدية من كارثة شبه محتومة. وغالباً ما نسمع عن هذه الحكومة الأولى لعهده أنها لم تفعل شيئاً ولم تتمكّن من تغيير الأوضاع المالية والنقدية والاقتصادية في لبنان. وهذه الصورة النمطية التي ترسخت في أذهان اللبنانيين، والتي لا تزال تتكرر تكراراً رتيباً وأعمى على ألسنة العاملين في الإعلام وفي الشأن السياسي هي صورة تجافي الحقيقة كثيراً وبعيدة كل البعد عن الوقائع الموضوعية.

إن إنقاذ الوضع المالي تمَّ في عهد الرئيس لحود وخاصة أن إيرادات الضريبة على القيمة المضافة أصبحت المورد الرئيسي للخزينة
وفي هذا الصدد، لا بد أولاً من الإشارة إلى موقف الرئيس لحود من القضايا الاجتماعية ورغبته الجارفة في تحسين أحوال الفئات المحدودة الدخل والمهمّشة. وكان في بداية عهده قد أعطاني توجيهات واضحة في هذا الخصوص، كوزير مال في حكومة الدكتور الحص، بالعمل من أجل إعفاء تلك الفئات من عبء ضريبة الدخل التي تقع عليها. وهذا ما فعلْتُه من خلال قانون موازنة 1999 حيث رُفعت التنزيلات العائلية من أجل احتساب ضريبة الدخل إلى مستوى مليون ليرة لبنانية للشخص الأعزب ومليون وخمسمئة ألف للشخص المتزوج، مع زيادة خمسمئة ألف ليرة لكل ولد في العائلة تحت سن الواحد والعشرين، وبحدّ أقصى بلغ مليونين وخمسمئة ألف ليرة. وبذلك أصبح كل شخص أعزب يقل مدخوله الشهري الصافي عمّا يعادل ستمئة وستين دولاراً في الشهر معفياً من ضريبة الدخل، وأية وحدة عائلية يتراوح دخلها الشهري الصافي ما بين ألف دولار وألف وستمئة دولار (حسب عدد الأولاد) معفية من ضريبة الدخل.
وفي الوقت نفسه، وتحقيقاً للعدالة الضريبية، تمت زيادة معدلات الضريبة حسب شطور الدخل من 2% إلى 20% بدلاً من الوضع السابق الذي كان يحدّ من تصاعدية الضريبة في آخر شطر من الدخل بمستوى 10%. وبالتالي فإن هذيْن الإجراءيْن الاثنيْن في قانون موازنة عام 1999 حققا تحسناً كبيراً في العدالة الضريبية بالنسبة إلى الضريبة المباشرة، إذْ خُفّف هذا العبء بالنسبة للفئات المحدودة الدخل وزيد بالنسبة إلى الفئات الميْسورة. وقد وافق الدكتور سليم الحص على كل هذه الإجراءات. وبعد معركة شرسة في المجلس النيابي، اعتُمدت الإجراءات المذكورة في مشروع قانون موازنة عام 1999.
أما في عام 2000، فقد بادر الرئيس إميل لحود مع وزير الشؤون الاجتماعية في حينه الدكتور ميشال موسى إلى اعتماد مشروع ضمان الشيخوخة الذي أحيل إلى المجلس النيابي وصودق عليه. ولكن بعد رحيل حكومة الرئيس الحص، لم تهتم الحكومات المتتالية بوضع هذا القانون موضع التنفيذ، بل اعتُمد مشروع للضمان الصحي الاختياري عملاً بمبادئ الليبرالية الجديدة التي كانت تنتهجها حكومات الرئيس الحريري.
ولا بدَّ كذلك من التذكير بما تمَّ لإنصاف وضع الطوائف المسيحية في لبنان من الناحية المالية، إذْ رُصد اعتماد خاص في الموازنة لتمويل نفقات محاكم الأحوال الشخصية المسيحية أسوةً بالمحاكم الشرعية الإسلامية من جهة، إضافةً إلى وضع قانون صادق عليه المجلس النيابي لتحقيق العدالة والمساواة في الإعفاءات الضريبية لكل من الطوائف الإسلامية والمسيحية ومؤسساتها وأوقافها، من جهة أخرى. وقد جرى ذلك في عهد حكومة الرئيس سليم الحص.
أما في المجال النقدي والمالي، فإن إنجازات حكومة الرئيس الحص، التي حظيت بدعم الرئيس لحود، قد رسَّخت الوضع النقدي المهزوز الذي ورثته من الحكومات السابقة، وهذا عبر مبادرات عديدة وإجراءات متنوعة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر ما يلي:
أولاً، مبادرة وزير المال إلى دفع المتأخرات المتراكمة على الخزينة اللبنانية تجاه القطاع الخاص، وهي التزامات ترتَّبت على الحكومات السابقة ضمن الموازنة أو خارجها ولم تُدفع إلى أصحابها، وهي كانت في الحقيقية تمثِّل ديْناً مستوراً لا يظهر في حسابات مديونية الدولة خلافاً لمبدأ الشفافية والإدارة المالية السليمة، كي لا يظهر للعيان تفاقم عجز المالية العامة الذي يؤثر على استقرار سعر العملة. لكنْ، عملاً بمبدأ الشفافية المطلقة الذي اعتمده الرئيس لحود في خطاب قسمه، بادرت وزارة المال إلى الاعتراف بهذه المتأخرات علناً وبوضع آلية شفّافة وسريعة لدفع ما يقارب المليار دولار لأصحاب المتأخرات هذه (مستشفيات ومقاولات واستملاكات) بعدما صدّق المجلس النيابي على مشروع القانون الذي تقدمت به وزارة المال في هذا الخصوص. كما دفعت وزارة المال، ضمن إمكاناتها، جزءاً من المتأخرات العملاقة المترتبة على الخزينة تجاه البلديات وصندوق الضمان الاجتماعي. وقد كان في نية وزارة المال أن تقوم بعملية شاملة لتنقية كل متأخرات الخزينة تجاه مؤسسات القطاع العام، وكذلك دفع المتأخرات المتبادلة في ما بين مؤسسات القطاع العام (مصلحة كهرباء لبنان، مصالح المياه، الضمان الاجتماعي الخ...). غير أن قصر مدة حياة هذه الحكومة لم يسمح لها بأن تقوم بهذا العمل.
أصبحت إيرادات شبكتي الخلوي تذهب كلياً إلى الخزينة اللبنانية بعد اقتطاع الأتعاب التي تترتب على إدارة الشبكتين
ثانياً، من جراء هذه الإجراءات في تنقية المالية العامة، اطمأنَّ العديد من مؤسسات التمويل الدولية والمستثمرين الكبار وزال التوتر الذي كان موجوداً في سوق القطع، إذ أصبح العديد من المودعين في الجهاز المصرفي يحوّلون أموالهم من الدولار إلى الليرة اللبنانية، مما عزّز من احتياطات مصرف لبنان الصافية من العملات الأجنبية وأزال خوف اللبنانيين على ثبات سعر صرف العملة الوطنية، وخاصة بعدما كان قد ساد الاعتقاد أن الرئيس الحريري وحده يمكن أن يُمسك بالاستقرار النقدي، ولو كان ذلك بكلفة عالية بسبب المستوى الخارق للفوائد على سندات الخزينة بالليرة اللبنانية التي كانت قد بلغت ما يناهز 40% خلال سنة 1995. وما حصل في عهد حكومة الرئيس الحص هو العكس تماماً، إذْ تمكن وزير المال حينذاك عبر حوار مكثف مع جمعية المصارف وحاكم مصرف لبنان من خفض الفوائد على إصدار سندات الخزينة بالليرة اللبنانية. فعندما استلمت حكومة الرئيس الحص مهماتها في كانون الأول 1998، كان متوسط عائد سندات الخزينة بمستوى 22،5%، وعندما استقالت وغادرت كان قد هبط مستوى الفوائد هذه إلى 14،14% دون وجود فرق بين الفائدة الاسمية لسند الخزينة وعائده الفعلي الأعلى منها، كما كانت الحال سابقاً، مما كان يعكس توتراً مالياً ونقدياً كبيراً. وإذْ تحمَّلت الخزينة اللبنانية خلال مدة حكومة الرئيس الحص عبء دفع المتأخرات وكذلك عبء الفوائد العالية لسندات الخزينة بالليرة اللبنانية التي صدرت خلال عامي 1997 و1998، فإن الحكومة التي خلَفت حكومة الدكتور الحص استفادت من الخفض الكبير للفوائد الذي حصل بفضل جهود حكومة الرئيس الحص، مما خفف أعباء خدمة الديْن العام بآلاف المليارات من الليرات اللبنانية في ما بعد، وساهم في الاستقرار النقدي وعدم زيادة عبء خدمة الديْن العام رغم زيادته.
ثالثاً، هناك إجراءان رئيسيان إضافيان اتُخِذا في عهد الرئيس لحود في ظل رئاسة الدكتور الحص للحكومة، وكان من شأنهما استكمال عملية إنقاذ الوضع المالي والنقدي في لبنان، رغم الأحداث الأمنية والسياسية الجسيمة التي حصلت في البلاد في ذلك الحين. الإجراء الأول هو إتمام جميع التحضيرات المتعلقة بإدخال الضريبة على القيمة المضافة في لبنان ومنها تحضير مشروع القانون والمراسيم التطبيقية، ووضع كل الدراسات الاقتصادية اللازمة لتحديد نسبة الضريبة والسلع والخدمات التي يجب إعفاؤها لكي لا يتأثر وضع الفئات المحدودة الدخل، وإجراء مباراة لاختيار موظفين جُدد وتدريبهم على إدارة الضريبة المنوي تطبيقها، وتوفير المكان اللائق لهؤلاء الموظفين عبر متابعة بناء مبنى وزارة المال في كورنيش النهر الذي كان قد توقف منذ سنين عديدة. والجدير بالملاحظة هنا أن الاتحاد الأوروبي قد أعجب بالنمط الجديد للسياسة المالية والنقدية وإجراءات التنقية المالية المطبَّقة بجدية وسرعة، فقدّم لوزارة المال هبة بواقع 50 مليون يورو، ارتبط سحبها أساساً بتحضيرات الضريبة على القيمة المضافة وإرسال القانون إلى المجلس النيابي ومن ثم تطبيقه. وكان قد رفض وزير المال الذي خلف وزير مال حكومة الرئيس الحص، وهو الرئيس فؤاد السنيورة، أن يكمل ما قام به سلفه في هذا الموضوع، لكنَّه اضطر إلى العمل بالضريبة وتطبيقها دون تلكّؤ إثر فشل مؤتمر باريس 1 في عام 2001، وإثر الضغوط الخارجية الكبيرة التي مارستها مؤسسات التمويل الدولية والاتحاد الأوروبي. وقد تحول تطبيق الضريبة على القيمة المضافة إلى «إنجاز» لوزارة المال بعد مغادرة حكومة الرئيس الحص، ولم ينصف أحد حكومته لما قامت به لتأمين التحضير الكامل لاعتماد هذه الضريبة. غير أن المهم بالتأكيد هو أن إنقاذ الوضع المالي تمَّ في عهد الرئيس لحود من وراء هذه التطورات، وخاصة أن إيرادات الضريبة على القيمة المضافة أصبحت المورد الرئيسي للخزينة اللبنانية وإيراداتها تتزايد إلى اليوم سنة بعد سنة، وتساهم مساهمة أساسية في تحمل زيادة أعباء الديْن العام.
لا بد من الإشارة إلى خطوة جريئة أخرى في تحقيق الشفافية وتحمُّل المسؤولية، اتخذها الرئيس الحص في عام 2000، عندما أصدر مصرف لبنان كميات زائدة من سندات الخزينة بالليرة اللبنانية عن الحاجة الفعلية للخزينة، نظراً للطلب المكثَّف من المصارف اللبنانية على سندات الخزينة بالليرة. وقد كان موقف مصرف لبنان مؤيِّداً للمصارف بحجة امتصاص السيولة الزائدة بالليرة اللبنانية. توجَّه الرئيس الحص عند ارتكاب هذه المخالفة ببيان مفصَّل إلى المجلس النيابي عملاً بمبدأ الشفافية، وإثر شعوره بالمسؤولية لعدم احترام قانون الموازنة الذي ينص على ضرورة عدم تجاوز إصدار سندات الخزينة الحاجة الفعلية لتسديد العجز في المالية العامة (وقد كان الرئيس الحص نفسه، عندما كان نائباً متزعماً المعارضة، قد أدخل مادة خاصة في قانون الموازنة لمنع مثل هذا التصرف المسيء من مصرف لبنان والذي كان يزيد اصطناعياً من الديْن العام). وقد شرح في هذا البيان ما حصل، وموقف مصرف لبنان، ووعد بالعمل بناءً على المذكرة التي كنْتُ قد هيَّأتها له بصفتي وزيراً للمال، من أجل فصل السياسة النقدية عن إدارة الديْن العام. وهذا عمل نادر في تاريخ الجمهورية، مر مرور الكرام، كما سائر المبادرات والأعمال الإيجابية، نظراً لكثافة الإعلام المضاد الذي كان يتعرض له كل من الرئيس لحود والرئيس الحص ووزير المال حينذاك.
أما الإجراء الآخر، وندين به بالكامل إلى إصرار الرئيس لحود ومواقفه الجريئة، إلى جانب وزير الاتصالات آنذاك، المهندس جان لوي قرداحي رغم كل الحملات الإعلامية الجائرة التي تعرضا لها، إذ إنه، بعد إلغاء الرئيس الحريري عقود تشغيل شبكتيْ الخلوي، وكانت ستنتهي مدتها على كل حال بعد سنتيْن، أفسح المجال للشركتيْن بأن تقبضا تعويضات ملموسة من الدولة اللبنانية التي اضطرت إلى دفع القيمة الباقية من التجهيزات، ومن ثم عبر التحكيم إلى دفع تعويضات إضافية لفسخ عقديْن دون سبب وجيه؛ وبعدما تكلفت الخزينة اللبنانية هذه التعويضات الكبيرة، رفض الرئيس لحود أن تعاد الشبكتان إلى الملكية الخاصة لكيْ تعوض الدولة عما خسرته بدفع التعويضات ولكيْ تتعزز موارد الخزينة. وهذا ما حصل فعلاً، إذ أصبحت إيرادات شبكتي الخلوي تذهب كلياً إلى الخزينة اللبنانية بعد اقتطاع الأتعاب التي تترتب على إدارة الشبكتيْن لحساب الدولة من شركتيْن من القطاع الخاص اختيرتا عبر مناقصة دولية.
ولا بد اليوم من الإشارة إلى أن إيرادات شبكتيْ الخلوي وإيرادات الضريبة على القيمة المضافة أصبحت العمود الفقري لموارد الدولة التي سمحت باستيعاب الزيادة المتواصلة في الديْن العام التي لم نجد لها بعد معالجة فعّالة، بالرغم من مقترحات عديدة تصب في ضرورة التوصل إلى اتفاق رضائي بين المصارف اللبنانية والخزينة لتغيير أسلوب إدارة هذا الديْن ومنهجه، إذْ إن الديْن العام بغالبيته في حوزتها وحوزة مصرف لبنان. ولهذا السبب دعا نائب رئيس الوزراء السابق عصام فارس إلى معالجة قضية المديونية ليس في إطار خارجي مع دول مانحة قد تبتز لبنان اقتصادياً وسياسياً، بلْ في بيروت نفسها: «بيروت 1» بدلاً من «باريس 3». وتجدر الملاحظة هنا إلى أن حكومة الرئيس الحص أدارت المالية العامة على مدى سنتين في ظروف صعبة تستدعي توخي الحذر إبان تحرير لبنان وتلقي شبكة كهرباء لبنان ضربات جوية إسرائيلية متعددة، دون أن يضطر لبنان إلى طلب النجدة والمساعدة المالية من الدول الخارجية. وقد حصل آنذاك اجتماع تمهيدي لدول مانحة من أجل المساعدة على إعمار الجنوب المحرر بناءً على ضغوط هائلة من كوفي أنان، وهو كان أميناً عاماً للأمم المتحدة في حينه، وولفنسون رئيس البنك الدولي الذي اتصل بي مراراً وتكراراً في هذا الخصوص. وقد ارتبت من الأمر لأنه كان من السهل فهم هذه الضغوط ودوافعها، وهي اشتراط تقديم المساعدات مقابل نزع سلاح المقاومة، وهذا ما حصل فعلاً. ولذلك لم تتابع حكومة الرئيس الحص هذا الموضوع بعدما ظهر الأمر جلياً في اجتماع حصل في السرايا الحكومية مع سفراء الدول الأجنبية الكبرى وممثلي منظمات التمويل الدولية. وقد استعملت في حينه الجزء الأول المسحوب (خمسين في المئة) من هبة الاتحاد الأوروبي المذكورة سابقاً لتأمين الحاجيات الآنية الملحة للجنوب بعد دحر الجيش الإسرائيلي المحتل.
إن كل ما ذكرناه كان من الضروري إبرازه استكمالاً لإنصاف عهد الرئيس لحود، الذي كان له مساهمتان أساسيتان في تاريخ لبنان: الأولى تتعلق بتحرير جنوبه ورفض التوطين وتعديل خطة السلام العربية بما يتلاءم مع رفض التوطين، ومن ثم هذه المساهمات والمبادرات الفعالة الكبرى المقدمة إلى الاقتصاد اللبناني في إطار من العدالة الاجتماعية والشفافية واستقرار الوضع النقدي في لبنان.
* كاتب ووزير لبناني سابق