يستوقف، في سياق ما يكتب ويعلن من مواقف وتحليلات، مقالان: الأول للأستاذ غسان حجَّار في «النهار» (24 أيلول المنصرم)، والثاني للأستاذ جان عزيز في جريدة «الأخبار» قبل ذلك بيومين. وضع حجار لمقالته عنوان «نظامنا الطائفي نتمسك به». انتهى إلى هذه الخلاصة بسبب أنه «في هذا الشرق سقطت مفاهيم وعقائد وأفكار العروبة والقومية الاجتماعية والبعث والشيوعية والاشتراكية وكل محاولات العلمنة والدولة المدنية». ثم بسبب استهداف الجماعات المسيحية في غير بلد عربي (هل وحدها مستهدفة!) ما يفرض، حسب الكاتب، أن تدافع هذه الجماعات عن نفسها بتفعيل هويتها الطائفية.


أولاً، تشير كل أحداث التاريخ، في أوروبا خصوصاً، إلى أن الصراعات الدينية قد استغرقت عقوداً. وهي لم تتوقف (لم تتوقف كلياً بعد) إلا بسبب عاملين: التطور الاقتصادي الحاسم الذي أسقط المرحلة الإقطاعية، والنهضة الفكرية التنويرية التي مهدت لهذا التحول الثوري أو واكبته. هذان العاملان شكلا القاعدة المادية والذهنية لقيام نمط اقتصادي جديد (البرجوازي) أنهى أيضاً استخدام الكنسية من قبل الإقطاعيين وأنجز عملية فصل الدين عن الدولة.
يدخل كلام حجَّار في نطاق ردود الفعل أكثر من تبني خيار حاسم بشأن الطائفية ونظامها. لا ينطبق ذلك على مقالة جان عزيز الذي لا يكتفي برفض أي توجه مدني أو علماني، بل هو يعتبره دخيلاً وطارئاً ومستغرباً! «ذلك (يقول عزيز) أن مجرد وجود حراك مدني أهلي شعبي (هو) قضية إشكالية في لبنان». يضيف: «الأسباب كثيرة. أولها أن هذا البلد تكون تاريخياً وتدريجياً، انطلاقاً من مقولة البلورة المرحلية لوجدانات الجماعات الطائفية فيه. بمعنى أن الطوائف كانت سابقة للدولة. ولذلك تكوّن في وجداناتها وفي أذهان أتباعها وجيناتهم ربما، أن لطوائفهم أسبقية في التاريخ تصير أولوية وأرجحية في الحاضر على الدولة وعلى مؤسساتها وعلى بنيانها وأسسها، لا بل على الوطن نفسه». يعتبر عزيز أن كل كلام عدا ذلك هو «ثرثرة وزجليات وخبث شخصي أو انفصام عام...»، ليقرر فوراً: «نحن ناس طائفيون حتى الشوكي من نخاعاتنا»، ثمّ ليختزل التاريخ وحركة أحداثه بواحد فقط هو نشوء الطوائف التي تشكل الوجدان ثمَّ تسكنه إلى الأبد!
في مسار طويل يفاجئنا العلم كل يوم بمزيد من الاكتشافات المذهلة والسحيقة في التاريخ والزمن. لكن الثابت والأكيد أنه في مرحلة غير بعيدة من التاريخ المكتوب، وقبل ظهور الأديان وفروعها، كانت القبيلة هي الوحدة الاجتماعية الأساسية. هي ما زالت حاضرة وبقوة إلى اليوم في نطاق التفاوت في مستوى التطور الاقتصادي والاجتماعي، ما أتاح تعايش الأنماط: جديدها والقديم (دول صغرى وعظمى وقوى قديمة وحديثة تبني سياساتها، أو حتى جزءاً من استراتيجياتها، على تعبئة أبناء العشائر والقبائل: من اليمن إلى العراق، ومن واشنطن إلى الرياض، ومن الأحزاب العقائدية الى الملكيات المطلقة...). لماذا لا نعتبر هذه الصيغة هي الأساس، بوصفها الأقدم في الماضي والمستمرة حتى اليوم؟ هل هو المقدس ما يميِّز. ألم تكن «قريش» حارسة الكعبة قبل الإسلام، ثم منها أيضاً خرج النبي محمد برسالة التوحيد إلى أن تحلقت قريش وكل القبائل حوله بإيمان أو بإكراه؟
الانتقائية الحداثية تصبح مضحكة عندما تتدثّر بأقصى الانفتاح إذا تعلّق الأمر بالبزنس والسمسرة والانتفاع، لتعود وتتقهقر إلى استحضار أرذل صيغ المحافظة (كل أشكال الغرائز والعصبيات والهويات المفتعلة) لاكتساب النفوذ والشرعية واحتكارهما إلى الأبد (من قبل «تقدميين» أو تقليديين على حدٍّ سواء)!
كلام السيد عزيز لم يكن يقال بهذه الصراحة والإصرار والتحدي من قبل. هو يجزم مثلاً بأن التحرك عاجز عن «رفع ربع كيس زبالة». هي ظروف تنامي التطرف والإرهاب ما شجع. كأن المطلوب أن يكون الرد على التطرف مماثلاً لطبيعته: في الاصطفاف والتعصب إلى حدود العنصرية، وفي التقوقع إلى حدود الفيدرالية والتقسيم. كل ذلك وفق مخططات يضعها، أساساً، المستعمرون ممن اعتمدوا مبكراً سياسة «فرق تسد»، والذين يغذون الآن كل أشكال التطرف الديني والمذهبي وصولاً الى «داعش».
لاحظ الاستقلاليون الأُول أن «الطائفية عيب» وليست «بغيضة» فقط. هكذا سموها في بيان حكومة الرئيس رياض الصلح الأُولى. وجاء في مقدمة الدستور اللبناني: «إلغاء الطائفية هدف وطني أساسي يقتضي العمل على تحقيقه وفق خطة مرحلية». هل هذا مجرد «وطنجيات وعلمانيات وشعارات وزجليات» كما يصفها السيد عزيز؟! أم أن توظيف الدين والتدين في خدمة السياسة هو ما يملي القفز عن ابن خلدون لمصلحة ليفي شتراوس!
يصبح مثل هذا الكلام غاية في الخطورة عندما يقع ضمن نهج تيار يرفع شعار «الإصلاح والتغيير» بعد أن جنح مؤخراً إلى استثارة العصبيات الطائفية لتحقيق مكاسب سياسية بالغة الفئوية تيمناً بما هو سائد من محاصصة مفرطة لسلطة وموارد الدولة وتقاسمها وتوريثها.
يزعم كثيرون من المستفيدين أو الطامحين بأن تعديل أو تغيير أو «تحسين» التوازنات بين أطراف المحاصصة هو السبيل للإصلاح وللتغيير. هذا وهم وخبث (هنا الخبث الحقيقي)، لأن الصراع على الحصص في ظروف إقليمية مضطربة، كما هو الوضع الآن، قد يتحول (وهو تحول مراراً في السابق) إلى حرب أهلية طاحنة.
ليس من دون معنى أن رئيس الحكومة تمام سلام قد حذَّر من نيويورك من «انهيار لبنان» أو قل ما تبقى منه! كرر ذلك أربع مرات في مقابلته في «الحياة» الاثنين الماضي. رئيس «التيار الوطني الحر» نفسه الوزير جبران باسيل اعترف من مدينة بوسطن، في ساعة صفاء، بأننا «فشلنا في أن نبني دولة. وهذا أمر معيب بحقنا كسياسيين استعملنا المواطنين لسياساتنا الصغيرة، وكمواطنين لأننا جددنا لمثل هؤلاء السياسيين ووافقنا على أن يكونوا متحكمين بالبلد».
لقد ساهم «الحراك» أي الاحتجاج الشعبي، في كشف العلاقة بين «الانهيار» والارتكابات والفساد وبين النظام الطائفي. أوساط واسعة جداً من اللبنانيين ربطت ما بين النفايات ونظام المحاصصة الطائفي المذهبي ومسؤولية المستفيدين منه ممن يحتقرون كل المواطنين من أجل سياساتهم «الصغيرة» والقذرة!
هل يكون الحل، أي الإصلاح والتغيير، من خلال التمسك بالنظام الطائفي وإضفاء صفة المصيرية والقداسة عليه، أم أن استمرار وتفاقم «العيب» الذي حذَّر منه الاستقلاليون الأُول هو ما يهدد الوطن بالزوال والدولة بالخراب والانهيار؟ وهل «الجنيات» الطائفية والمذهبية هي ما يحدد مواقف وسلوك اللبنانيين، أم هو اقتطاع موارد الدولة لمصلحة المحاصصين واستخدامها في استتباع المواطنين بعد تعطيل مجلس الخدمة المدنية ووهيئات التفتيش والرقابة والقضاء... أوليس معيباً مشهد الصراع على التعيينات وفق الولاء لا وفق الكفاءة والأقدمية والحاجة؟ خصوصاً في المؤسسات الأمنية التي تخوض معارك حقيقية ضد الإرهاب والتطرف ونشر الفتنة...
خلافاً لما يعتقد السيد عزيز فلقد حقق التحرك الشبابي الشعبي الاحتجاجي إنجازات غير متوقعة: لقد أطلق عملية المحاسبة والرقابة الشعبيين. عطَّل مناقصات المحاصصة والنهب. أعاد بعض الحقوق للبلديات، كشف مواطن خلل خطيرة في عمل السلطة وأطرافها وأجهزتها...
نُسب إلى الرئيس نبيه بري قوله إثر الاحتجاجات وتفاقم التعطيل والشلل: «لولا الطائفية لسحبَنا المحتجون من بيوتنا!». ذلك يعني أنه بالطائفية تدوم «النعم»... والفساد والتشرذم والنفايات، وبزوالها تزول هذه الآفات التي تهدد لبنان بالانهيار!
مراعاة أثر الشروط التاريخية، المتحولة بالضرورة، على المراكز والجماعات الدينية لحركة الاجتماع اللبناني شيء، وتقديس وتأبيد وتوظيف الطائفية شيء مناقض تماماً!
* كاتب وسياسي لبناني