التدخّل الروسي ليس التدخّل الأول أو الوحيد في سوريا ولكنه بحسب مؤشّرات أولية «الأعنف» والأكثر تأثيراً في مجريات الميدان. وتأثيره نابع من فشل التدخّلات السابقة في إحداث تغيير جدي في المعطيات الميدانية التي بقيت «مستقرّة» طيلة الفترة السابقة ولم يطرأ عليها أيّ تعديل منذ دخول «داعش» على الخط وهزّه الستاتيكو القائم (بين النظام والمعارضة المسلحة) قليلاً.


وهو ما تتجاهله باستمرار التقديرات وردود الفعل الأولى على الضربات الجوية الروسية، إذ إنّ المطلوب حالياً ليس القراءة الموضوعية للتدخل الذي تقوده روسيا، وإنما وضعها تحت الضغط سواء استهدفت «داعش» أم لم تستهدفه، وسواء قتلت مدنيين أو لم تفعل. فتدخّلها مدان حتى قبل أن يبدأ في حين أنّ التدخلات الأخرى أُعطيت وقتاً قبل أن «تبدأ مساءلتها»، وعندما قتلت مدنيين إلى جانب استهدافها لمقرّات «داعش» وخطوط إمداده لم يكترث أحد لهؤلاء القتلى، وبقي التركيز منصبّاً على إبراز شرعية التدخّل وضرورته وحتميته. وحين يفعل بوتين الآن الأمر ذاته بحديثه عن «شرعية التدخل الروسي» المعطاة من قبل «الحكومة المعترف بها» في سوريا يصبح كلامه تبريراً للعدوان الروسي على قوات المعارضة السورية، ولا يعود التدخّل الذي يقوم به مشابهاً للتدخل الأميركي، على الرغم من أنهما يستهدفان البيئات الاجتماعية نفسها و»يوقعان فيها أعداداً متساوية من الضحايا». وهذا يضع علامة استفهام كبيرة حول المسار الذي يوضع الآن لمساءلة روسيا عن عملياتها الجوية، إذ يظهر أنّ القتلى الذين سيسقطون الآن من بيئات المعارضة لا يشبهون «من حيث الشكل» على الأقلّ ضحايا الغارات الجوية الأميركية، فهم أعلى شأناً على ما يبدو على الرغم من كونهم فقراء أيضاً. هكذا، لا تعود بيئاتهم الاجتماعية التي ستُحطَّم بالطيران الروسي مشابهةً لبيئات الرقة ودير الزور وريف الحسكة التي أحالها الطيران الأميركي «أثراً بعد عين». هذه الانتقائية ليست وليدة اليوم والتعبير عنها بهذه الحدّة مرتبط بالصراع الذي يتطوّر باستمرار منتقلاً من محطة دموية إلى أخرى، وفي كلّ محطة يأخذ معه الارتباطات بهذه الدولة أو تلك إلى مستويات جديدة. وهذه المستويات يجرى التعبير عنها من خلال الأداء الإعلامي الذي يربط عمليات القتل بالجهة التي تقوم بها وليس بالفعل نفسه، أو بأثره التدميري على البيئة المحلّية المُستهدَفة، والتي تبقى دائماً نفسها ولا تختلف باختلاف الجهة التي تحطّمها وتقتل فقراءها.

انتقائية الإدانة

في معظم العمليات التي قام بها التحالف الأميركي ضدّ «داعش» سقط قتلى من المدنيين ولكن لم يعترض أحد أو يجرؤ على مساءلة التحالف عن مدى الدقّة التي يضعها لأهدافه العسكرية من الجو، والآن عندما يحدث الأمر ذاته مع الروس تتغير الاستراتيجية تماماً وينشط المدافعون عن البيئات المحلّية المُستهدَفة بقصف الطيران الروسي لفضح المساندة التي تبديها روسيا عبر قواتها الجويّة «لنظام الأسد». في الحالتين يجب إبراز الجرائم التي ترتكبها قوات الطيران ضدّ البيئات المحلّية ولكن التركيز على جرائم طرف دون الآخر ينزع عن المساءلة الحاصلة شرعيتها الأخلاقية، ويربطها بالموقف المُسبَق الذي تتخذه دول غربية وأخرى عربية تابعة لها (في حالة دول الخليج تصبح التبعية أقرب إلى الحالة الاستعمارية فهناك الدول هي شبه مُستَعمرات ومواقفها السياسية ضد هذا الطرف أو ذاك لا يمكن تقويمها بمعزل عن هذه الحالة) من التدخّل الروسي. «جرائم الروس» هنا لا تعود محلّ تساؤل لأنها باتت مرتبطة بغضّ الطرف الذي يحدث في أماكن أخرى عن جرائم الأميركيين وحلفائهم، وهذه معضلة لن تستطيع الماكينات الإعلامية تجاوزها بسهولة لأنها ببساطة مرتبطة بطبيعة الصراع نفسه وبقدرة أطرافه على إخفاء جرائمها والاكتفاء بتسليط الضوء على جرائم الآخرين. طبعاً الوضع الدولي لا يسمح بتناول كلّ الجرائم وربطها مع بعضها البعض، فهذا منطق مرفوض في السياسة الدولية، ورفضه مرتبط بمبدأ ازدواجية المعايير الذي لا تقوم سياسة أو موازين قوى من دونه. وحين نتحدث عن موازين قوى أو عن معادلات دولية مرتبطة بالميدان، فهذا يعني أن لا مكان للمعايير التي تسمح بالاتساق مع الذات، وتسييد منهجية واحدة في التعامل مع التدخّلات العسكرية. وعليه يصبح كلّ الكلام عن جرائم التدخّل الروسي بلا طائل، تماماً كما كانت إدانة طرف واحد لجرائم التحالف الأميركي بلا جدوى أو مقدرة على ترجمة هذه الإدانة إلى أفعال على الأرض، فظلّ الأميركيون يقتلون من دون حساب، وتحوّلت البيئات التي يقصفونها إلى بيئة حاضنة لداعش و»غير مكترثة» بكلّ «ما يقال» عن وحشيته واستعباده للناس. وإذا لم يستفد الروس من تجربة التحالف الغربي ويحيّدوا هذه البيئات تماماً فسيتسببون في دفعها أكثر إلى أحضان «داعش» وجبهة النصرة، وعندها ستتحول الدعاية الموجهة ضدّهم إلى مكان آخر، وتبدأ باستحضار نماذج عن بيئات محلّية لم تكن على وفاق مع الوهابيين ولكنها اضطرت للإذعان لهم تحت ضغط القصف الجوي المتكرّر لها.

طبيعة التدخّل الجوي

وفي الحالة الروسية، فإنّ التدخّل الجوي ضدّ «داعش» مشابه بالفعل لباقي التدخّلات، إن من حيث «موضعيته» المُعلَنة أو من خلال عدم استثنائه المدنيين من أعمال القصف. هو قد يكون فاعلاً أكثر، ولكن فعاليته لا تتعارض مع عدم المسّ بالمدنيين أو على الأقل تحييدهم، وهذا يعود لطبيعة التدخّل نفسه، فروسيا هنا لا تتعمّد قصف السكّان المحليين وتحطيم بيئاتهم الاجتماعية، بل تتعامل معهم في ضوء «المنهج» الذي يفرضه التدخّل العسكري من الجو، والذي يقوم على مبدأ عدم الاكتراث بالمدنيين أثناء القيام بعمليات القصف، واعتبارهم في أحسن الأحوال «أخطاءً جانبية». «الامبريالية» تفعل ذلك دائماً، وحين تُواجَه بجرائمها تبدأ بالتبرير ولا تشير إلى المنهجية التي تحصل من خلالها أعمال القتل. قد تعتذر لاحقاً ولكنها تُبقي المسؤولية عن أعمال القتل في الإطار الفردي متعمّدة عدم الإشارة إلى مبدأ التدخّل نفسه الذي تحصل بموجبه كلّ هذه «الأخطاء». حدث ذلك مع أميركا في باكستان واليمن والعراق وسوريا ومع قوّات الأطلسي في ليبيا ومع السعوديين وحلفائهم في اليمن، ولا أحد يضمن عدم حصوله مجدداً مع الروس طالما أن شكلَ المواجهة هو نفسه تقريباً. والمقصود هنا بالمواجهة عدم التكافؤ بين القوات الجوية «الغازية» التي تحمل صواريخ وقاذفات وقنابل والقوّات المحلية (مهما كانت تسميتها) التي تعتمد على السلاح الخفيف والمتوسّط وتتمركز وسط المدنيين لحماية نفسها من الأسلحة الثقيلة التي يملكها الخصم. هذا الأمر سيخلق حالة تعاطف مع البيئات الشعبية المحيطة بالمواقع المستهدَفة، تماماً كما حصل مع التحالف الأميركي حينما بدأ باستهداف مواقع «داعش». فبعد سنة كاملة من بداية عمليات التحالف لم يعد الناس يتذكّرون منها إلا صور المنازل المدمّرة وحقول النفط المحترقة وأرقام القتلى بين المدنيين (على اعتبار أن صورهم لا تصل عبر الإعلام).

صياغة التدخّل إعلامياً

حينها لم تترافق أعمال القتل مع حالة تعبئة إعلامية لأن معظم وسائل الإعلام العربية والعالمية كانت في صفّ الولايات المتحدة، ولكن الأمر سيختلف الآن مع الروس، فهم لا يملكون ما تملكه أميركا من رساميل ولا يستطيعون إيقاف آلة الضخّ الإعلامي التي ستغرقهم وتغرقنا «بأرقام القتلى» و»صور الضحايا من المدنيين». شكوى الروس من هذا الأمر قد بدأت، فقد صرّح بوتين قبل أيام بأنّ المعلومات عن سقوط ضحايا بين المدنيين ظهرت قبل طلعات المقاتلات الروسية، وأبدى استعداده في ضوء هذا الهجوم لخوض حرب إعلامية إذا اقتضى الأمر. هو يعلم أنّ المواجهة على هذه الجبهة ليست سهلة، ولكنه سيخوضها في كلّ الأحوال، فحجم التدخّل الذي قام به على المستوى العسكري يفرض عليه أن يكون جاهزاً لأيّ اشتباك إعلامي، وهذه المرّة سيكون الاشتباك مختلفاً وسيذكّر الروس بحجم المواجهة التي خاضوها حينما تدخّلوا في أفغانستان لحماية النظام الشيوعي هناك من التمرّد الإسلامي الذي قام ضدّه. في تلك الحرب خسروا كلّ شيء بسبب مواجهتهم لأفراد متدرّبين على حرب العصابات جيداً ومندمجين في بيئاتهم التي كانت ضدّ التدخل السوفياتي، والصياغة الإعلامية لتلك المعادلة صبّت في مصلحة الأميركيين وحلفائهم الإسلاميين الذين استفادوا من التورّط الروسي وعملوا على أبلسته في كلّ مكان. الأبلسة الآن لن تكون سهلة كالسابق بسبب وضوح معالم الحرب أكثر وتورّط جميع أطرافها في عمليات القتل وتحطيم البيئات الاجتماعية ولكنها ستستمرّ بأشكال مختلفة، وستعتمد على حجم الضرر الذي ستحدثه الغارات الروسية في الأماكن المُستهدَفة. إذا حصلت جرائم جرّاء الغارات فسيواجه الروس أوقاتاً عصيبة لأنهم بخلاف الأميركيين لا يسيطرون على الإعلام والمنظومة التي يمتلكونها في المقابل لا تستطيع مهما كانت فعاليتها (وهي فاعلة إلى حدّ كبير) تفنيد كلّ الأخبار التي تتحدث عن آثار الغارات على البيئات المُستهدَفة. ولكي يستطيعوا المواجهة عليهم أن يتحدثوا بوضوح أكبر عن أهدافهم، وحين تتسبّب غاراتهم بسقوط ضحايا فيجب أن يعترفوا بذلك، وأن يشكلوا لجان تحقيق لمحاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم، لأنهم إن لم يفعلوا فسيصبحون «هدفاً سهلاً» للإعلام الغربي وتوابعه العربية، ولن يكون بمقدورهم إنكار ما حدث كما يفعل الأميركيون باستمرار. الامبريالية عادةً تمتلك بنية إعلامية هائلة لإخفاء جرائمها، ولذلك تبقى دائماً بمنأى عن المساءلة حين تقتل أو تدمر بيئةً اجتماعية ما، أما القوى التي لا تمتلك هذه البنية وليست مؤهّلة لخوض حروب الامبرياليات فعليها امتلاك وسائلها الخاصّة «لإخفاء الجرائم» أو «التخفيف من وطأتها»، هذا إذا كانت قد ارتكبت جرائم فعلاً، وهو سؤال برسم الروس وتدخّلهم الجديد.
* كاتب سوري