Strong>قاسم عز الدين *

ما إن حطّت حرب المقولات الضديّة الساخنة رحالها على برّ التهدئة القلقة، حتى عادت المقولات الضدية نفسها إلى نفسها مغطاة بقفازات ناعمة. فمن قائل بتأليف «هيئة وطنية»، من الطبقة السياسية ونُخبها بطبيعة الحال، للبحث في «إلغاء الطائفية السياسية» في السلطة إلى ضد في السلطة يقول «بإلغاء طائفية النفوس قبل النصوص». ومن قائل بآلية سلطة تحفظ «الكفاءة» في «إصلاح الإدارة»، إلى أضداد سلطة يقول بعضها بمحاصصة تراعي نظافة الكف وحسن السلوك، أو أضداد تطمع في المشاركة بالسلطة تقول بالكفاءة والشفافية المسلكية بغير محاصصة. ومن قائل بحقه في سلطة البلديات لتدعيم نفوذ تمثيله الطائفي في السلطة، إلى قائل بتوزيع سلطاتها على الجماعات الطائفية حسب تمثيلها في السلطة... ولا عجب أن يفرّخ الضد ضداً من جنسه إلى ما لا نهاية في قرقعة فوق عش الوقواق، طالما تجتمع الطبقة السياسية والنُخب الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والروحية... على مقاربة الدولة والنظام السياسي في البلاد، من فوق إلى تحت عبر السلطة وفي السعي للسلطة.
ولا نحسبنَّ مقاربة الدولة ونظامها السياسي عبر السلطة، وخاصة بالقوى الطائفية «البغيضة» فحسب، إنما هي أيضاً خاصة بمعارضي السلطة الراهنة من القوى «المتنوّرة الحداثية غير الطائفية»، على ما يدل ظنّها في «إلغاء الطائفية السياسية» في السلطة، إصلاح للدولة ونظامها السياسي وهما أمران غير متصلين بالضرورة. وعلى ما تدل «طهرانيتها» اليوم في قرظ «الكفاءة والشفافية» لمحاربة الفساد وإصلاح الإدارة، اعتقاداً منها أن «إدارات السلطة» تعوزها الكفاءة والشفافية «غير الطائفية»، بينما يعوزها إعادة بناء وظيفتها في حماية الوفاق الاجتماعي بمنأى عن التبعية لسياسات الدول الصناعية ومدرستها. والحال، ما شاع طويلاًَ عن تعدد رؤى للدولة والنظام السياسي بين شتى أنواع قوى الطائفية «البغيضة»، وبين قوى من دعاة «الحداثة غير الطائفية»، ما هو غير تناقض نفوذ ومصالح ضيقة في حظوة السلطة، وحولها من حواشٍ وزبائنية. وهو أشدّ التناقضات بدائية مهما أتاحت القرقعة لكل من يطمع بمجد سلطان هافت أو فخر بمكانة غريزية طفيلية، تسويق رأسماله الرمزي «منزهاً عن الغرض» والمصالح الضيقة الخاصة. فكل هذه القوى على اختلاف مشاربها وخطابها، تتفق في خطابها السياسي البدائي على إشاعة هرطقة «ثقافة سياسية» تتطلّع إلى السلطة بحجة إصلاح الدولة والنظام السياسي، وتؤكد جهالة أو دهقنة أن السلطة مدخل العبور إلى الدولة، فيما السلطة مدخل العبور إلى السلطة.
والحقيقة أن خراب السلطة في تقاتل جماعاتها على حصصها من النفوذ والمصالح الضيقة، هو نتيجة فراغ الدولة وفراغ نظامها السياسي، على عكس الهرطقة القائلة إن فراغ الدولة نتاج خراب السلطة. وهو فراغ ناتج من هشاشة القوى الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية.... التي يلبي مشروع الدولة مصالحها وطموحاتها بمنأى عن تدخل السلطة في الدولة. ولم تكن الدولة في أي مكان في العالم حيث هي الدولة (وعددها لا يتجاوز خمسين دولة من أصل حوالى مئتي بلد في الأمم المتحدة)، نتيجة صلاح السلطة السياسية، بل كان صلاح الدولة ومن ثَمَّ صلاح السلطة السياسية نتيجة توازن سلطة الحكم والسلطة الموازية لها (القوى الاجتماعية والسياسية والثقافية.... ــــ المجتمع المدني) في الدولة. وذلك بمعزل عن شكل الحكم وعن نظام الانتخابات في اختيار ممثلي السلطة. فالمتحوّل والحالة هذه هو السلطة وشكل الحكم، فيما الثابت هو دولة وظيفة مؤسساتها وإداراتها تنظيم الوفاق الاجتماعي الداخلي في: أ ــــ إعاقة حرية عمل القوى الاجتماعية والاقتصادية الكبيرة، من أجل حق قوى الإنتاج الصغير في إنتاج الثروة وكرامة العيش والعمران. ب ــــ تجنيد مؤسسات الدولة لبناء أفضل ما يمكن من العلاقات المتكافئة مع «المجتمع الدولي» للحد من جموحه في فرض التبعية العسكرية و السياسية والاقتصادية والاجتماعية... وفي حماية الحقوق الوطنية بالردع العسكري، والحقوق السياسية بالسياسة الخارجية الاقتحامية، والحقوق الاقتصادية ـــــ الاجتماعية في حماية القطاعات الصغيرة من تهميش عملها، وفي دعم وحماية توسع مصالح ونفوذ القوى الاقتصادية ـــــ الاجتماعية الكبيرة خارج الحدود الجغرافية، تعويضاً عن إعاقتها في سبيل الوفاق الوطني الداخلي. وعلى أساس هذه البديهيات الأولية في دور الدولة تتنظّم مؤسسات الدولة مستقلة عن تدخّل سلطة الحكم في التشريع والقضاء... وتتنظّم هيئات الدولة وإداراتها في سياسات تعليمية وزراعية وصناعية وصحية وأمن عسكري وغذائي
واجتماعي....

الفئات المتضررة من سياسات السلطة ومؤسساتها وإداراتها، لا يمكنها التعويل على وهم الإصلاح الفني والتقني
وخلافاً لما تشيعه هرطقة «الثقافة السياسية» المقفلة، فإن النظام السياسي، ليس شكل الحكم ولا النظام السياسي نظام سلطة. بل هو السياسات الخارجية والدفاعية والاقتصادية ـــــ الاجتماعية، للدولة التي تعبّر في بنيان مؤسساتها وإداراتها عن المصلحة الوطنية. وهذه المصلحة ليست غير الوفاق الاجتماعي الداخلي وتوسع النفوذ والمصالح بين الدول. ولا يكون النظام السياسي داخلياً محلياً في أي حال من الأحوال. وهو الذي ينتج سلطة محلية على شاكلته ولا تنتجه السلطة على شاكلتها، إنما يُنتَج على شاكلة موازين القوى بين الفئات الاجتماعية المتباينة المصالح. وقد أنتج خراب النظام السياسي في لبنان والبلاد العربية وباقي «الدول النامية» سلطة ضيقة الطموحات والآفاق والمصالح، نتيجة تبعية النظام السياسي ــــ الاجتماعي لنفوذ الدول الصناعية ومصالحها في استراتيجياتها العسكرية ــــ الأمنية وفي استراتيجياتها الجيو ــــ سياسية والاقتصادية والاجتماعية... وفي هذا السياق تمارس السلطة المحلية سلطانها ونفوذها المحلي في إدارة التبعية المحلية لهذه الاسترتيجيات والسياسات، مقابل حصة من النفوذ المحلي والمصالح الضيقة وبحسب حجمها ومهارتها. وبناءً عليه أنشأت السلطة المحلية مؤسسات سلطة(لا دولة) وهيئات وإدارات... لخدمة هذه التبعية وخدمة القوى السياسية والفئات الاجتماعية المستفيدة من التبعية. و«تطوّرت» هذه المؤسسات والهيئات في بلد مثل لبنان نتيجة التحولات النيوليبرالية المعولمة المدعومة بالديون ونمو مصالح الفئات المحلية المستفيدة من إدارة نهب الثروة العامة. ونتيجة إشراف مباشر من «المجتمع الدولي»، على النظام السياسي في: اتفاقيات باريس والشراكة الأوروبية والجدولة والهيكلة وحرية التجارة، وفي سياسات ما يسمى»الاستقرار والازدهار والسلام» الموائمة لها... لكن هذا الإشراف المباشر يواجه صعوبات وعراقيل وخاصة في القضاء على المقاومة وعدم نجاح السلطة في التطبع مع عنف الاحتلال (قرار السلم رداً على قرار الحرب). وعدا ذلك فإن مؤسسات السلطة وهيئاتها وإداراتها تقوم بوظيفتها وبكفاءة عالية في خدمة الاستثمار العقاري والبنوك ومافيات الدواء والغذاء وتهميش الزراعة والصناعات الحرفية وتلوث البيئة وتبديد المياه وهدر الحقوق... وتقوم بوظيفتها في تهميش التعليم غير النافع لحرية السوق، والصحة غير المربحة لتجار الدواء والاستشفاء، والعمل غير المجدي للاستعباد، والثروة الثقافية والطبيعية.... ومن الطبيعي والحالة هذه أن تزحف الجماعات العصبية وكل أشكال التشكيلات البرية للمشاركة في نهب المصلحة العامة. فعندما تزحف المصالح الكبرى على المصلحة العامة من فوق لا بد أن تجرّ معها زحفاَ بدائياً من تحت. والاعتقاد أن وقف الزحف البدائي «بالكفاءة والشفافية» من تحت يوقف الزحف المدمر من فوق، هرطقة سياسية.
ليس «بالكفاءة والشفافية» يمكن إصلاح وظيفة الإدارة والمؤسسات بل في تغيير بنيانها ووظيفتها لخدمة الوفاق الاجتماعي الداخلي، في تفكيك تبعيتها للدول الصناعية وفي الحد من حرية عمل القطاعات المالية والتجارية الكبيرة، لمصلحة عمل عمران القطاعات الإنتاجية الصغيرة. وليس في دعم القطاعات الإنتاجية الصغيرة يمكن إصلاحها بل في تغيير منحى عملها من المنافسة الجائرة في السوق الدولية إلى المبادلة المتكافئة في السوق المحلية والإقليمية. فزيادة الشيء من الشيء نفسه لا تغير من الخراب خردلة. وليس في إدخال المزيد من التقنيات على التعليم غير النافع للسوق الحرة يمكن إصلاح التعليم. فلا علم من أجل العلم بل علم من أجل الاستخدام والعمل في عمل ما وكل عمل له علمه وتقنياته... وليس في إصلاح شكل الحكم في السلطة يمكن إصلاح النظام السياسي بل في إعادة بناء السياسة الخارجية والسياسة الآقتصادية ــــ الاجتماعية والسياسة الدفاعية لتبادل المنفعة والمصالح والتضامن في الحقل الإقليمي، تمهيداً للحد الأدنى من العلاقات المتكافئة المتبادلة مع الدول الصناعية. وليس في زيادة الاحتجاج من أجل «إلغاء الطائفية السياسية» في السلطة، يمكن إصلاح مؤسسات الدولة وإداراتها. بل في توازن السلطة الموازية (من القوى السياسية والثقافية والروحية والقوى الاجتماعية المتضررة من سياسات تبعية السلطة وتجارها وطفيلييها وزبائنها للدول الصناعية) مع سلطة الحكم، على أرض الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي وفي تكامل المقاومة. وهذا التوازن لا تقوم له قائمة بالمطالبة «بالمواطَنَة»، فالمواطنة تؤخذ ولا تُعطى. إنما يُبنى في مسار من بناء آليات عمل بين القوى المتضررة في بدائل عملية وفي مقاربات سياسية بديلة لسياسات الدول الصناعية والسلطة المحلية والقوى الاجتماعية المستفيدة من التبعية، على أوسع ما يمكن من تشابك قطاعات العمل وأماكن العيش، وعلى أوسع ما يمكن من تشابك الفضاءات الجغرافية المحلية والإقليمية والعالمية. قد يكون من حق الفئات «الشفافة الكفوءة» أن تطمح للمشاركة في السلطة والمناصب العليا في مؤسسات السلطة وإداراتها. وأن يعلو صوتها واحتجاجها في توظيف رأسمالها الرمزي لإلغاء الطائفية السياسية في السلطة تعبيراً عن حق مشاركتها في السلطة. لكن الفئات والقوى المتضررة من السياسات وبنيان ووظائف السلطة ومؤسساتها وإداراتها، لا يمكنها التعويل على وهم الإصلاح الفني والتقني. وفي التجربة العملية تجددت السلطة والمؤسسات والإدارات في لبنان، وعلى مر العقود في دم جديد من المختصين المحتجين على الطائفية السياسية وعلى خراب المؤسسات والإدارات. ومنهم من وصل إلى أعلى المناصب وما زال منهم كثير في مجلس النواب والحكومة وعلى رأس الإدارات والهيئات. ومنهم من فاق أركان الطائفية «البغيضة» فساداً و«كفاءة» في تخريب الإدارات العامة. فلكل خطابه الخاص في السلطة وخطاب السلطة سلطة.
وربما لهذا السبب فقد اللبنانيون الأمل في إصلاح الدولة والنظام السياسي، ويقول قائلهم في خطاب السلطة: لاتظننَّ الليث يبتسم.
* كاتب لبناني