بعد مرور خمس سنوات تقريباً من القتال الشرس على مختلف المحاور، لا يزال الجيش السوري يقدّم النموذج الفريد عن صلابة موقف، وقدرة على الصمود، والمواجهة قلما توافرت لدى جيش آخر في العصر الحديث. وهو يخوض المعارك والمواجهات على جبهات قتال متعددة، قدره أن بلاده محاطة بخمس دول ليس من السهل ضبط حدودها، فكانت مهماته شاقة في التصدي لآلاف المقاتلين المرتزقة الذين زجت بهم دول التحالف الغربي لتدمير سوريا بحجة تغيير نظامها.


في العام الحالي، شهدت بعض مواقع الصراع تراجعات ميدانية للجيش السوري تحت الضغوط المتزايدة التي يشنها التحالف الغربي في موجات متسلسلة، كل موجة منها أكبر وأقسى من الثانية، بينما ظل الدعم الصديق لسوريا في إطار خجول حتى الأمس القريب، نظراً لانشغال الحلفاء بأزمات ضاغطة، منها الملف النووي الإيراني وحصار إيران، ومنها الوضع الأوكراني لروسيا، ومحاربتها بتخفيض أسعار النفط.
ضغوط كبيرة تعرض لها الجيش، ويعتقد مراقبون أن هذه التراجعات حتّمت التدخل الروسي نتيجة فقدان الجيش المبادرة العسكرية والذي أدى إلى سقوط العديد من المناطق والبلدات، فاعتماد الجيش على الدفاع السلبي سبّب مزيداً من الانتكاسات والانسحابات، بعدما كان بصدد تطوير الهجمات، واستعادة المناطق.


عملت الدول المستهدفة لسوريا بغية تدميرها على غرار تدمير العراق

ففي مطلع شباط 2015 شنّت القوات المسلحة السورية هجوماً واسعاً انطلاقاً من مثلث دمشق – درعا – القنيطرة، وبالتزامن مع هجوم كبير من محاور عدة، سيفات – حندرات باتجاه رتيان لفك الحصار عن بلدتي نبل والزهراء من جهة ولقطع طريق إمداد المجموعات المسلحة عن طريق الكاستيلو من جهة أخرى.
على الجبهة الأولى (الجنوب السوري) وصلت القوات إلى دير العدس والتلال المحيطة، وتوقف الهجوم، وعلى الجبهة الثانية وصلت طلائع القوات السورية إلى بلدات باشكوي – رتيان – حردتنين، ونجحت بعض المجموعات بدخول بلدة نبل وتوقف الهجوم، ومن ثم اضطرت وحدات الجيش إلى التراجع إلى باشكوي.
من الواضح أن الجيش تعرض إلى انتكاسة عسكرية غير متوقعة، ومني بخسائر على الجبهات الجنوبية والشمالية، بينما نجحت المجموعات المسلحة بالتصدي للهجوم، ومن ثم بادرت إلى هجوم مضاد، وتقدمت على كل الجبهات، وأسقطت مناطق جديدة، ليتبين أن المجموعات المسلحة لم تكن تقاتل بمفردها، إنما بالتنسيق مع دول عدة، وبإشراف مباشر من غرفة عمليات مشتركة كانت قد أعدت خططاً، خاصة في جبهة الشمال حيث لعب الأتراك دوراً رئيسياً.
وفي الجنوب ساهمت غرفة عمليات «موك» (في الأردن) بمنع تقدم الجيش، والمبادرة إلى الهجوم المضاد حيث نجحت بالسيطرة على معبر نصيب – بصرى الشام – اللواء 52 والتقدم باتجاه بلدة حضر في ريف القنيطرة.
لم تتوقف المعارضة، بل طورت الهجوم وسيطرت على كامل مدينة محافظة إدلب (ما عدا كفريا والفوعة)، وأسقطت أيضاً التلال المحيطة بسهل الغاب وبعض قراه.
بالتزامن مع هجوم «جيش الفتح»، شن «داعش» هجوماً واسعاً على مدينة تدمر بعد السيطرة على السخنة، وبعدها القريتين في ريف حمص الشرقي.
هذا التطور اللافت والهجوم الشامل كان يهدف إلى إسقاط سوريا عبر اختراق كلتي الجبهتين الجنوبية، ومن الشمال سهل الغاب – اللاذقية، حيث جرى الإعداد والتحضير والدعم، وحيث وفرت دول عدة كل مستلزمات المسلحين من أجل تنفيذ المهمة من مال وسلاح وحشد مقاتلين، وتدريب الآلاف منهم في الأردن بإشراف الأميركيين. لقد تفاجأ الجيش بحجم التحضيرات، والدعم ونوعية الأسلحة خاصة المضادة للدروع (تاو)، إضافة إلى المساهمة الفعالة والمباشرة من تركيا والأردن، والمؤازرة الإسرائيلية عبر طائراتها التي شنّت سلسلة غارات جوية، بينما توّلت السعودية وقطر تأمين المال والسلاح. وهذا أدى إلى تقدم المعارضة على كل الجبهة، ولكن من دون تحقيق انتصارات حاسمة واستراتيجية.
لقد بذل الجيش جهداً كبيراً لاحتواء الهجمات، ونجح بلجم اندفاعة المهاجمين، ولكن قوة الهجوم كانت تفوق قدرته العسكرية، وإمكاناته البشرية في مواجهة شاملة، وعلى كل الجبهات في آونة واحدة، وبالرغم من ذلك حال دون تحقيق أهداف الهجوم.
ذلك الهجوم تزامن مع شن الهجوم العدواني على اليمن بهدف كسر محور المقاومة، وقبل توقيع إيران الاتفاق النووي، ومع تصعيد خطير في أوكرانيا.
وفي لحظة انشغال الروسي والإيراني في ملفاتهما، كان الجيش السوري يقاتل وحيداً وسط تساؤلات كثيرة، ولكن تمسّك بسهل الغاب، وواجه آلاف المقاتلين في معسكر جورين لمنع تمدد المهاجمين إلى وسط سوريا، ومنها إلى اللاذقية، وبالرغم من ظروفه القاسية، شن هجمات عدة على جب الأحمر، كما صد عشرات الهجمات على بلدة حضر ومطار الثعلة، وكذلك على جبهة تدمر، وأعاد سيطرته على منطقة البيارات، وأبعد «داعش» عن مدينة صدد، واستعاض عن ذلك بتوسيع دائرة الأمان للحدود السورية – اللبنانية، وسيطر على بقية السلسلة الشرقية.
لقد خاص الجيش مواجهات دامية طيلة السنوات الخمس، وعلى امتداد الجغرافيا السورية الممتدة على 185 ألف كم مربع، وفي مواجهة دول قوية عدة داعمة وممولة وفرت كل ما تحتاجه المجموعات لحربها ضد سوريا من مال وسلاح، وتدريب، بالإضافة إلى تزويد المجموعات بالمعلومات المطلوبة كالرصد والتشويش، مع توظيف الأقمار الصناعية، كما وفرت إسرائيل غطاء جوياً عبر سلسلة عمليات على جبهة الجنوب، ابتداء من جمرايا حيث استهدفت مراكز وحدات النخبة في الجيش السوري، ومراكز القيادة والسيطرة (30 كانون الثاني 2013)، ومنصات صواريخ «حزب الله» في القلمون (22 آب 2014)، وشنت غارتين على مراكز «حزب الله» في السلسلة الشرقية (25 شباط 2015)، واستهدفت مواقع الجيش في الجولان (19 و23 – حزيران و15 تموز 2015)، واللواء 30 في قرية الكوم في القنيطرة (28 أيلول 2015)، ناهيك عن التشويش، وتعطيل شبكات الاتصالات للجيش السوري مرات عدة عبر تدخل غرفة عمليات «موك» في الأردن.
أما الجيش فقاتل على كل الجبهات بقواه الذاتية، مدعوماً بحوالى ثلاثة آلاف مقاتل من «حزب الله»، وعشرة آلاف متطوع من بلدان عدة، وبعض الخبراء العسكريين من روسيا وإيران.
إن كل ما قيل سابقاً عن تزويد سوريا بأسلحة حديثة لم يكن صحيحاً، إنما جرى تزويد الجيش بالذخائر وقطع الغيار للدبابات، والطائرات القديمة. فالجيش لا يمتلك أسلحة حديثة، فطائراته قديمة، وغير صالحة للاستعمال، وهي من جيل السبعينات، وهي أصلاً طائرات مطاردة، وليست قاذفة للأهداف البرية منها مثلاً «الميغ 21 – 23 – 25»، وهي غير قادرة على القتال الليلي، وكذلك الدبابات T55 وT62 وT72 أيضاً قديمة، ولا تمتلك منظومات الكترونية لتفادي الصواريخ الموجهة أو غيرها. ولا يمتلك الجيش طائرات عمودية للقتال الليلي أو لقنص الدبابات، أو للإنزالات، أو ضرب التجمعات، أو الزوارق الحربية القادرة على المساهمة، والمشاركة بالقصف من بعيد لمؤازرة المدافعين عن المواقع الحساسة كما في ريف اللاذقية على سبيل المثال...
لقد عانى الجيش في مواجهة مجموعات تمتلك كل أنواع الأسلحة، والمعدات والتقنيات الحديثة، ولكنه قاتل بصلابة وعناد وصبر، معتمداً على بأس رجاله. ولم تكن لديه قوة نارية كافية لتعويض النقص البشري، فمن الطبيعي أن يكون قد تعرض إلى نقص ملحوظ في صفوفه، نظراً للمواجهات الطويلة التي يخوضها على امتداد خمس سنوات، وجرت في ثلاث مراحل، المرحلة الأولى، حيث واجه الجيش الحر، والتنسيقيات الميدانية، وفصائل عديدة محلية، ما أدى إلى تشتت الجيش، وانتشاره في كل المدن. والمرحلة الثانية، قاتل «الإخوان المسلمين» تحت مسمّيات «لواء التوحيد»، و»لواء اليرموك»، و»الجبهة الاسلامية»... وشكل ذلك استنزافاً له. المرحلة الثالثة، واجه فيها مجموعات القاعدة المتدرّبة، والمجربة في حروب عدة، وهي تنظيمات «النصرة» و»داعش» و»جيش الفتح»... ما سبّب له الكثير من التعب والانهاك.
لقد عملت الدول المستهدفة لسوريا بغية تدميرها، على غرار تدمير العراق تحت الشعار المزيف «تغيير النظام»، على الزج بتلك المجموعات في مراحل عدة بغية استنزاف الجيش، وإنهاكه ضمن خطة كاملة ومعدة جيداً، فكانت مواجهات معقدة ومركبة وشاملة من قتال الشوارع، والأرياف، والجبال، والصحراء. وواجه الجيش كل ذلك بإمكاناته المتواضعة، ولكنه بوطنيته والتزامه القومي، لم يفقد القيادة والسيطرة، واستمر بمبادلة المهاجمين الهجمات، وتبادل السيطرة، واستعادة المناطق، وأفشل كل المحاولات الرامية لإسقاط دمشق، وأجبر خصومه على التراجع في مختلف المواقع، واستطاع قلب موازين القوى.
في مسار المواجهة السورية مع تحالف الدول الغربية، يمكن القول إنّ الجيش غيّر قواعد الاشتباك، وهيأ ظروفاً ومناخات تفاوضية أفضل، ويمكن القول إن ما حققه شكّل أرضية لحلفائه للتدخل، ومنها روسيا التي فرضت في لعبتها إلى جانب الجيش علانية أخيراً، وقبول الدور الروسي على الصعيد العالمي.
* كاتب لبناني