كان ولا يزال يُقال، دون وجه حق، ولغرض أو مرض أو وهم، أنّ اللبناني كائن طائفي حتى العظم. كان هذا التصنيف جزءاً من «عدة شغل» العاملين، القدماء والجدد، على تأبيد النظام الطائفي وعلى تأبيد، بالمقابل، إمساكهم بخناق البلاد والعباد: باسم الدين والطائفية والمذهبية والعائلية... يمكن الآن، بالقياس على هذا «المبدأ»، وصف اللبناني بأنه تاجر وسمسار، يبذل في سبيل الربح غير الحلال، ماء وجهه وكرامته، منتهكاً، لهذا الغرض، القانون والدستور والأخلاق ومصالح ناسه وسيادة وطنه... وهو، في هذا السياق، «يتفهم» ما يُقدم عليه أبناء جلدته، وخصوصاً كبار القوم منهم، من «رزالة» وصفقات وانتهاكات ونهب وفساد...

فلكل مقامٍ مقال، والكبار هم أهل «الكبائر» بالضرورة: فهل يستوي القوي والضعيف والفقير والغني والعبد والسيد والحاكم والمحكوم، في حجم الارتكاب والسرقة وفي القدرة على حصد المغانم ومراكمة الأرباح والثروات (حاشى وكلا!)؟
على هذا القياس أيضاً، يمكن أن يقال بأن اللبناني يجد في مد اليد إلى المال العام أو الخاص شطارة لا يجوز أن لا يمارسها لكي لا يوصف بأن «حمار» ومضيِّع فرص، خصوصاً إذا كانت تتكرر في العمر مرة واحدة، فالعمر، بدوره، في هذه البسيطة، لا يتكرر إلا مرة واحدة (يا هو يا ناس!).
لا مبرر لأن نسأل بعد ذلك عن سر صبر اللبناني (وهو الذي تدرّب طويلاً على الإعجاب دائماً بكبار الحرامية والنهابين والذين عرفوا من أين تؤكل الكتف ولو كان ذلك بأقذر الوسائل)، على النفايات وعلى روائحها وعلى قصتها الفاضحة، منذ البداية الأولى عام 1992 حتى «فصولها» الأخيرة المتواصلة في أنوفنا وشوارعنا وصحة أطفالنا حتى يومنا هذا.
نعم «يتفهم» اللبناني كل ذلك. هو ينزعج ولا شك، وقد يثور ويفور دمه أحياناً. لكنه يهدأ «ويتفهم» بعد ذلك. إنه يراجع كل الحسابات الخاصة حين ُيلفت نظره إلى أن المسألة «فيها إنَّ»، وأن حق الطائفة أو المذهب مهدد إذا لم نشمِّر عن سواعدنا وندعم «جماعتنا» التي إن لم تأكل الآخرين أكلها الآخرون بلا رحمة ولا حساب. وتُعقد لهذه الغاية اجتماعات وتُنظَّم زيارات. يتحرك «المفاتيح» في كل الأماكن والجهات: يوضحون بصراحة أكبر ما هي المخاطر والتهديدات، وكلها من النوع المصيري ما ينذر بشرٍّ عظيم وأذى جسيم إذا لم ندافع عن «حقوقنا» وعن «كرامة» أصحابنا (يا غيرة الدين!).
لا يلتفت أحد، في مجرى ذلك، إلى حقوق الآخرين، وإلى مصالح الوطن، وإلى النتائج التي قد ترتّب على الإمعان في الفئوية والأنانية وتقديم الخاص على العام: من أصغر الأمور حتى أكبرها وأخطرها. هذا ما يحصل الآن وكأننا نعيش ذروة هذا المسار الأعوج والمدمِّر. وهو مسار ملازم، طبعاً، لنظام المحاصصة ومنبثق عنه: دون انقطاع ودون محاسبة ودون نهاية! يمكن القول، اعتراضاً، إننا لم نبلغ الذروة بعد. هذا الكلام صحيح. لقد تعطلت المؤسسات واستشرى الفساد (على عينك يا تاجر) وأُغرق البلد بالنفايات بكل ما رافقها وما سينجم عنها من أضرار معنوية وأخلاقية وحضارية وصحية... وتتلاحق وتتناسل الفضائح يوماً بعد يوم («إنت كبير وبتبقى كبير!»)، وتتمزق الدولة وتتحول أشلاءً لكائن فاشل ومترنح ومتهالك... ورغم كل ذلك وسواه يواصل المسؤولون دفاعهم عن «حقوقنا»: حقوق الطائفة والمذهب. وهم ينجحون، بسبب تمرسهم بالخداع وامتلاكهم لأدواته، في السياسة والإدارة والإعلام والمؤسسات والإشاعات، في تقليص الاعتراض وفي تيئيس العدد الأكبر من دعاته وفي محاصرة الناشطين من المعترضين في أضيق زاوية وأقل تأثير.
هل الغفلة والادعاء وبذل ماء الوجه والاستهانة بالكرامة... تسري في دم «الشعب العنيد» أيضاً؟ يخلص البعض إلى أن اللبناني يستحق ما يتعرض له من استخفاف و«بهدلة» على يد حكامه وزعمائه. كيف لا، وكأن المتنبي عناه تحديداً حين قال: «ما لجرحٍ بميت إيلامُ».
طبعاً هذه «فشة خلق». هي ليست من التفسير العلمي الصحيح في شيء. إن سنوات وعقوداً من الضخ الطائفي المشوِّه للوعي والمزوِّر للحقائق والمخادع في إلباس المصالح الفردية رداءَ المصالح العامة، هو المسؤول عن الخلل المجتمعي الذي نعانيه. كان المستعمرون سباقين في العمل على شرذمتنا شيعاً ومذاهب لنتقاتل لا لنتعاون. «فرق تسد» مبدأ سنَّه المستعمرون البريطانيون ونسج على منوالهم من أتى، على شاكلتهم، من بعدهم. هذا المبدأ هو كل ما أحسنه أيضاً حكامنا ممن استفادوا ورفعوا الانقسام إلى درجة الرسالة المقدسة: دينياً واجتماعياً وسياسياً. في امتداد الانقسام الطائفي (والمذهبي المستشري الآن) جرى ويجري الترويج لقيم زائفة من نوع «الشاطر بشطارته» واقتناص الفرصة والغاية تبرر الوسيلة. لا يهم من أين تأتي بأموالك المهم أن تأتي بها. ولذلك يصبح استخدام وتسخير الموقع العام في خدمة المصلحة الشخصية، مسألة «طبيعية»، ويصبح التذلل والتزلف والاستزلام أدوات عادية من أجل تحقيق المصالح والأهداف الخاصة، وتصبح الناس على دين ملوكها...
طبعاً، لا النظام القائم، ولا السلوكيات التي يجري تغذيتها وتكريسها، يسمحان بحيز مقبول من الرقابة العامة والذاتية، وبالتالي من المساءلة والمحاسبة والعقاب. وعليه يتدهور الوضع باستمرار: من سيئ إلى أسوأ، ويدفع المجتمع ككل الثمن على غرار ما يحصل حالياً، ولمصلحة حفنة من المستفيدين الحاكمين ومن أتباعهم المقتاتين على موائد عبثهم بمصير البلاد ونهبهم لخيراتها وتهديدهم لمصالحها واستقرارها وسيادتها وفرص تقدمها.
إلقاء المسؤولية على اللبناني هي سلعة رائجة خصوصاً هذه الأيام: لتبرير الفوضى والفلتان واستباحة البلد من قبل حكامه الذين أزكمت روائح فسادهم الأنوف وملأت الساحات زبالة وأمراضاً وأوبئة والآتي أعظم.
إن هذه الذهنية التي يُراد تعميمها وتكريسها بشأن التهاون، من قبل المتحاصصين، في الحرص على البلد وأرضه وسيادته ومصالحه، ونسبة هذه الذهنية إلى الجينات اللبنانية أيضاً كما تنسب إليها الطائفية والمذهبية، هي إحدى أسلحة المرتكبين القدماء والجدد الذين لا يتورعون عن شيء تأميناً لمصالحهم المتناقضة مع مصالح لبنان وشعبه.
لا يمكن الخروج من هذه الحلقة المفرغة القاتلة دون مقاومة أساليب أطراف السلطة المستغرقين في الفساد والإفساد، إلا بتنمية ثقافة النقد والتساؤل والبحث عن الحقائق، وبتعزيز ثقافة المحاسبة والعقاب عندما يصبح الارتكاب اعتداء على المصالح الحيوية للوطن والمواطن.
يجب، إذاً، ودون هوادة، فضح أهداف زارعي الشك في سلامة تركيب اللبناني (!) وفي صحة طبيعته وطبائعه. إن الذين يدمرون الدولة هم أصحاب الدويلات والذين يستخفون بحق اللبنانيين في أن يكون لهم وطن سيد مستقل ومزدهر. بالنسبة الى هؤلاء: الوطن هو المال والمال لا وطن له! ولذلك فبذهنية الحرامي والمخادع والسمسار يديرون شؤون الوطن ويعبثون بمصيره وبصلحه، وبإنجازاته وأعظمها المقاومة التي كتبت في تاريخ لبنان والعرب صفحات لا تنسى من المجد والانتصار.
* كاتب وسياسي لبناني