أحمد بهاء الدين شعبان *

الصورة الشخصية اليتيمة التي تزيّن حوائط منزلي، تعود إلى عام 2003، حينما بدأت نذر حرب العدوان الأميركي على شعب العراق تلوح في الأفق. ساعتها تنادت القوى والشخصيات الوطنية والقومية في مصر والوطن العربي، وأحرار العالم من المعارضين للحرب، وأتمّوا فى القاهرة عقد تظاهرة سياسية كبيرة داعمة للشعوب العربية ونضالها ضد القهر والعدوان الإمبريالي والصهيوني، تحت مسمّى «الحملة الشعبية الدولية...»، واختار المحتشدون بالإجماع الرئيس الجزائري الأسبق أحمد بن بللا رئيساً لسكرتاريا الحملة، التي استمرت تعقد اجتماعاتها لعدة سنوات تالية. وفى هذا اليوم التقطت لنا الصور التذكارية، التي كانت منها صورته وأنا أجلس بجانبه، وهو يمسك يدي بحنوّ الأب، وثقة الزعيم، وقوة المناضل، ونحن نتحدث عن شؤون أمة العرب وشجونها، المبتلاة بالاستبداد والاستهداف من الداخل والخارج!

أطياف بائدة ؟!

استعدت ملامح هذه الصورة الدالّة، وأطياف من ذكريات مصر والمنطقة تمر بخاطري: وأنا طفل صغير أدرج إلى مراحل الصبا، تلميذاً ثم طالب الجامعة: تظاهرات التأييد لكفاح شعب الجزائر، صورة البطلة «جميلة بوحيرد» في كتب المدرسة وعلى طوابع البريد، الثورة الجزائرية ورموزها من القادة المختطفين، وعلى رأسهم بن بللا، الذين أصبحوا أمثولة لنا وقدوة، أرتال الشهداء الذين تغنّينا بدمائهم الذكية وهي تروي أرض الجزائر الطاهرة، النشيد الوطني الجزائري الذي لحّنه الموسيقار المصري الراحل محمد فوزي، يدق أسماعنا بقوة: «قد عقدنا العزم أن تحيا الجزائر»، جموع المصريين من خبراء وعلماء وأساتذة وأطباء، الذين أسهموا في بناء صرح الجزائر الحرة، المساندة العسكرية الجزائرية الأخوية لمصر بعد حرب 1967.

يوم الغضب !

في مصر، كما في الجزائر، يحكم نظامان بوليسيان فاشلان، عاجزان عن حل معضلات الحياة في المجتمعين
تذكرت كل ما تقدّم بأسى، وأنا أستمع إلى طبول «الحرب الكروية» تدقّ بقوة في وهران كما في القاهرة، وماريشالات القتال يحرض بعضهم بعضاً ملايين من المحبطين والفقراء والجوعى، في البلدين، الباحثين عبثاً عن لحظة انتصار مستعصٍ، أو كبرياء مفقودة، أو وطنية مهدورة، أملاً في صرفهم عن التفكير الخطر في الواقع المتردي، والمستقبل البائس! تذكرت ذلك وأمامي مانشيت صحفي لجريدة غير حكومية، اسمها «الجيل»، صدرت قبل ثلاثة أيام فقط من «موقعة السودان»، وكلماته تقول: «تسقط الحكومة التي فشلت حتى في تنظيف شوارع القاهرة»، ومانشيت آخر لجريدة «المصري اليوم» المستقلة، بعد الموقعة بأسبوع واحد، يقول: «يوم الغضب: تظاهرات قاهرية حاشدة تطالب بـ«رد الاعتبار» وطرد السفير الجزائري (من مصر!)، اشتباكات مع الأمن وحرق العلم الجزائري، ومقتل 14 جزائرياً، وإصابة 400 آخرين في احتفالات» دموية «في الجزائر!»، وتحته مباشرةً خبر طويل عن موظف في الإسكندرية يحاول الانتحار لعجزه عن شراء كيلو غرام من اللحم لأسرته قبل العيد!! وفى نص الخبر أن أحمد محمد رشاد، الموظف بشركة أوتوبيس غرب الدلتا، بعدما وقف عاجزاً أمام الملحمة (محل الجزارة)، لإدراكه أن راتبه الشهري (الذي يبلغ 168 جنيهاً، أي نحو ثلاثين دولاراً لا غير، بواقع دولار واحد يومياً)، يعتاش منه هو وأسرته الكبيرة العدد دون مصدر آخر للدخل، صعد إلى أعلى نقطة في محطة تقوية شبكات الجوال، في منطقة سيدي جابر، محاولاً الانتحار لأن راتبه الشهري لا يكفى إلا لشراء ثلاثة كيلو غرامات من اللحوم.

مجتمعات مأزومة وسلطات فاجرة

في مصر كما في الجزائر، يحكم نظامان بوليسيان، فاشلان، عاجزان عن حل معضلات الحياة في المجتمعين، المتراكمة عبر العقود، رغم الفرص والثروات والإمكانات الهائلة، المنهوبة بواسطة حلف البيروقراطية الحكومية الفاسدة مع الطبقة الاحتكارية الجديدة، التي نمت وازدهرت أعمالها في العقدين الأخيرين بفعل تداخل السلطة مع الثروة، والاستنزاف الضخم للثروة العامة، في ظل تطبيق سياسات «الليبرالية الجديدة»، الأمر الذي فاقم من مشكلات الفقر والبطالة (وخاصةً في أوساط الشباب)، وضاعف من وتيرة التدهور العام في الصحة وأنظمة التعليم والخدمات العامة، وبالذات في الأقاليم البعيدة عن العاصمة والأنظار، ما أدى إلى تحويل القاهرة الجميلة، على سبيل المثال، من عاصمة «أم الدنيا» إلى «دولة» عجوز تعدادها يقرب من عشرين مليوناً، تعج بالزحام والضجيج والفقر والتلوث، جنباً إلى جنب مع مظاهر الغنى الفاحش، والثروات الخرافية لنخبة المجتمع المخملي، (التى لا يزيد عددها عن مليون فرد، من إجمالي تعداد المواطنين الذي تجاوز الثمانين مليوناً).
سببت هذه الحالة، التي تزداد سـوءاً مع مضيّ الأيام، اندلاع الآلاف من أعمال العنف الشعبي وأشكال الاحتجاج السياسي والاقتصادي، التي اجتاحت مصر في السنوات الأخيرة، منذ تظاهرات «حركة كفاية» قبل خمس سنوات، التي خرجت في مواجهة السلطة رافعةً شعار «لا للتمديد» لحسني مبارك المنفرد بحكم مصر منذ ما يقرب من ثلاثة عقود، و«لا للتوريث» لجمال، نجله الذي تـُهيَّأ الأوضاع لتوليته رسمياً في المستقبل المنظور. وتهدد هذه الحالة بالتصاعد المؤكد، وخاصةً مع اتضاح العجز التام لجهاز الدولة المترهل الفاسد عن الوفاء بأبسط مهمّاته، كتوزيع مياه الري والشرب (وهي وظيفته الأولى منذ نشأة الدولة المركزية المصرية التليدة)، أو حفظ الأمن العام (بعد اختزاله في أمن الرئيس وأسرته والحاشية)، أو حماية المصالح الوطنية الخارجية، أو حتى على مستوى أضيق، كتنظيف شوارع البلاد من القمامة المتراكمة، أو كفالة انسياب المرور الذي يعاني اختناقاً كبيراً، أو مكافحة التلوث الذي يسجل واحداً من أعلى المعدلات العالمية، إلى غير ذلك من القضايا المعيشية التي تهم القطاعات الأوسع من المجتمع.
وإزاء هذه الوضعية البائسة فى مصر، التي لا تختلف كثيراً عن واقع الجزائر، لم يكن غريباً أن تــُدقّ طبول الحرب، وتـُستعاد في الإذاعة والتلفزيون المارشات العسكرية، بل وأناشيد العبور عام 1973، وأن تنهمر مئات البرامج التلفزيونية والإذاعية، وآلاف الأحاديث والمقالات الصحافية، وعلى شبكة الإنترنت، كلها تصب في تسعير نيران الفتنة الكروية، وتحويلها من مجرد مباراة رياضية، إلى حرب ضروس، تشبه حرب داحس والغبراء المشؤومة، الشهيرة في التاريخ العربي القديم. فحرب «الإخوة الأعداء» مطلوبة بشدة الآن، إنها وسيلة (نموذجية)، لإلهاء الملايين عن المطالبة بالحقوق والثورة على المظالم، ولتبديد مظاهر الاحتقان الشعبي التي تنذر بخطر ماحق. ومع اقتراب «سنوات الجمر» (2010 ـــــ 2011)، التي يجب فيها حسم مستقبل الحكم والنظام السياسي، وإنهاء ملف التوريث، وتأكيد سلطة تحالف الفساد والاستبداد لعقود أخرى قادمة، وجب حرف الأنظار عن الواقع المتردّي، واختراع عدو مناسب توجّه إليه طاقة الغضب والانفعال والثورة والانفجار الذي يهدّد النظام في ركائزه المتداعية، ويشير إلى أن السلطة المباركية تفقد، شيئاً فشيئاً، إن لم يكن السيطرة على الحاضر، فالسطوة على المستقبل. وقد جاءت مباراة الكرة، التي تحولت إلى مباراة في الكراهية، والتي دارت فصولها فوق ملاعب الوطنية الشكلانية، في التوقيت المناسب «تمام».
وبعدها بأيام استقبل حسني مبارك، مجرم الحرب، الرئيس الصهيوني شمعون بيريز!
* أحد مؤسّسي حركة «كفاية» في مصر