خمس سنوات بالتمام والكمال مضت على انطلاقة عملية الاحتجاج في العالم العربي (17 كانون الثاني 2010 في تونس). اتسمت تلك العملية الهائلة التي اجتذبت، في بلدان عدة، ملايين المواطنين إلى الشوارع، لأسابيع أو لأشهر، بتدني مستوى التبلور السياسي والتنظيمي للجهات صاحبة المبادرة في إطلاق وإدارة الاحتجاجات. ضاعف من سلبية هذا الأمر أن قوى التغيير التقليدية كانت غائبة عن تلك المبادرة وعن الانخراط القوي والفعّال فيها، ما جعلها، بالنتيجة، عاجزة عن التأثير والتوجيه والتثمير. أفسح كل ذلك المجال واسعاً أمام قوى خارجية وداخلية، أكثر قدرة وتنظيماً، للإمساك بزمام المبادرة وحصر الأضرار، والالتفاف على فرص التغيير، وبالتالي احتواء نتائج الاحتجاج في حدود بسيطة ومتواضعة (مصر المثال الأبرز). ليس هذا فقط، بل أن قوى إقليمية ودولية تمكنت لاحقاً، من خلال تدخّل مباشر وسافر، من تشويه مسار الاحتجاجات وفرض أجندات سياسية عليها هي أقرب لعملية تصفية حسابات في نطاق الصراع الإقليمي الذي تشكل فيه الولايات المتحدة وحلفاؤها المحليون، بمن فيهم الصهاينة، فريق عمل يعمل بدأب من أجل تعزيز هيمنته على المنطقة وثرواتها ومصائرها بما يتعارض مع مصالح شعوبها في الاستقلال والتنمية والتقدم والحرية.

أدى كل ذلك إلى إحداث فوضى مخيفة وخسائر هائلة، وتحديات سياسية وجغرافية وديموغرافية مفتوحة. أدّى، خصوصاً، إلى توسّع وتفاقم ظاهرة الإرهاب، كما لم يحدث من قبل، وإلى تمكن هذه الظاهرة، في شروط مشبوهة وبواسطة ممارسات بالغة الهمجية، من أن تقيم لها دويلات ومواقع واسعة في سوريا والعراق واليمن وليبيا، يتجاوز خطرها وإرهابها النطاق المحلي إلى المدى العالمي الشامل. ولعل أخطر ما في الأمر أن دولاً عديدة، كبرى ومحلية، قد لعبت دوراً خطيراً في إنشاء المنظمات الإرهابية وفي رعايتها ومحاولة استخدامها، من دون أن تقيم وزناً لمقدار ما ينطوي عليه هذا الأمر من أخطاء مبدئية، سياسية وأخلاقية، ومن مخاطر وتهديدات لم ينجُ منها هذه الدول نفسها، عنينا، بشكل خاص، الولايات المتحدة وبعض حلفائها الغربيين والعرب.
في السنوات الأربع اللاحقة على اندلاع الاحتجاجات غابت أهدافها البريئة الأولى، بل غابت قواها الدافعة الأساسية (لولا الاستثناء النسبي التونسي وملابسات الوضع المصري) لمصلحة أهداف وأطماع ما زالت توجه الصراعات وتضفي عليها أبعاداً شاملة، بما حوّل بعض الأزمات، وأبرزها الأزمة السورية، إلى نزاع دولي وإقليمي شامل مفتوح على المزيد من المخاطر بما فيها خطر الصدام العسكري المباشر بمختلف أنواع الأسلحة التقليدية وربما غير التقليدية أيضاً! كل ذلك من دون أن ننسى أن القوى الإرهابية قد باتت تملك قدرات غير عادية على الوصول إلى كل أنواع الموارد والإمكانيات، بما فيها أسلحة الدمار الشامل. وهي لن تتورع عن استخدام هذه الأسلحة، كما أثبتت كل ممارساتها الإجرامية البربرية، ضد الأفراد والجماعات، وآخرها إسقاط الطائرة المدنية الروسية وقتل كل ركابها المدنيين الـ 224، وإعلان ذلك في بيانات متفاخرة ومهددة (ماذا يحول دون أن يقدم هؤلاء على قتل آلاف أو عشرات الآلاف البشر؟ المانع فقط هو العجز عن ذلك حتى الآن!).
في امتداد ما تقدم تشهد المنطقة حالة غير مسبوقة من الصراعات والحروب والتدخلات الخارجية وعدم الاستقرار والكوارث الاجتماعية والتفتت والتفكك والفتن والخسائر... القوى الكبرى، الولايات المتحدة خصوصاً، حاضرة للدفاع عن حضورها ودورها ولكن بوسائل إذكاء النزاعات وحروب الاستنزاف من دون تورط مباشر وشديد التكلفة. استخدام الدين في خدمة السياسة تجاوز كل الحدود السابقة وبات الطابع المذهبي هو الغالب. روسيا اقتحمت الميدان بقوة ومبادرة لوقف الهجوم الشامل على قيادتها وسياستها وحضورها الدولي. تركيا تخوض بقيادة رئيسها، ذي النزعة السلطانية العثمانية، مغامرة تتوكأ فيها أيضاً على تنظيم "الإخوان المسلمين" ذي التاريخ الحافل بمحاولات الاستيلاء على السلطة (بالتعصب والعنف والتعاون مع الغرب) وذي الحضور الواسع والمؤثر في أكثر من ساحة إقليمية وعربية. قيادة المملكة السعودية تنبريّ، منذ مدة، وخصوصاً في ظل حكامها الجدد، لممارسة دور نشيط، لم تعتده من قبل، عبر الانخراط المباشر والعسكري في الصراع: إرسال قوات إلى البحرين لدعم سلطته في وجه الحركة الشعبية ومطالبها المشروعة ووسائلها السلمية. التدخل العسكري في اليمن وممارسة وصاية عليه بلغت الآن ذروتها. إنشاء أحلاف محلية وإقليمية وتزعم محور ذي طابع مذهبي في مواجهة المحور الإيراني... أما إيران فتشق طريقها بثقة أكبر وسط مخاض داخلي يوجه تناقضاته المرشد السيد خامنئي بطريقة ذكية وعاقلة، ما أدى إلى احتواء الملف النووي الإيراني، في عملية مفتوحة على إحداث تغيّرات ستكرسها، على الأرجح، انتخابات مجلسي "الشورى" و"الخبراء" في شهر شباط المقبل إذا أجريت الانتخابات بشكل طبيعي.
مع اختلاف الشروط المحلية للصراعات المتفجرة في كل من سوريا واليمن وليبيا والعراق... فإن أقلمة وتدويل هذه الصراعات قد جعل الحرب فيها سجالاً بين الأطراف: لم تلحق بأحد هزيمة كاملة، ولم يحقق أحد انتصاراً حاسماً. الخسائر والاستنزاف، وجنوح الإدارة الأميركية إلى تفادي التورط المباشر، والتدخل الروسي الفعَّال والسريع، وخطر الإرهاب الذي لا حدود له... كل ذلك وسواه دفع نحو بدء البحث عن تسويات. ليس صدفة الآن، أن ثمة مؤتمرات تعقد، في وقت واحد تقريباً، للبحث في الأزمات في كل من سوريا واليمين وليبيا... وهي الأزمات الأكثر تفاقماً وتفجراً. وكانت محاولات سبقتها قد نجحت كلياً (في احتواء أزمة النووي الإيراني)، أو جزئياً (في تفاهم على تشكيل حكومة أوسع تمثيلاً في العراق...). الليبيون الذي عانوا من فوضى وعبثية غير مسبوقة استفاقوا مؤخراً على ضخامة ما لحق ببلدهم من الخسائر وما ينتظرهم ودول الجوار من عظيم المخاطر على يد الإرهاب الذي يتمدد يوماً بعد يوم، ووقعوا اتفاق مصالحة وطنية بدعم دولي وإقليمي...
لن تؤدي كل تلك المؤتمرات إلى تسويات سريعة وناجزة وسهلة. حتى التسوية الليبية دونها صعوبات قد تصبح قاتلة. لكن تلك المؤتمرات تؤشر إلى بداية مسار نوعي لمنع تدهور الأمور بما يجعل السيطرة عليها متعذرة والأضرار غير محتملة. ثمة خسائر وتهديدات سياسية (دور وسمعة الولايات المتحدة على المحك). وثمة تحديات وخسائر مادية وبشرية تلحق بالجميع تقريباً وإن بنسب متفاونة...
يتبلور الآن خطاب أعلى وأوضح ضد الإرهاب وخطره. الإجراءات والأحلاف يشوبها استمرار المزج بين الأهداف العامة والمكاسب الفئوية. لن يستقيم الوضع ما لم يتحول التصدي للإرهاب إلى هدف يتوحد تحت رايته الجميع. لن يحصل ذلك بدون تفاهمات على الأولويات من ضمن تفاهم أشمل على المسارات اللاحقة. تبدو روسيا الدولة الأكثر انسجاماً مع نفسها من حيث هي تدمج، على نحوٍ مقنع، ما بين أهدافها الخاصة والأهداف العامة. موسكو هي الأقرب إلى احترام ما يسمى بالشرعية الدولية وبالشرعية المحلية. لا ينطبق ذلك، خصوصاً، على القيادة التركية والسعودية، وبدرجة أقل على القيادة الأميركية بسببب نهج الرئيس أوباما.
الإرهاب يستفيد، حتماً، من كل تأخير في تصحيح العلاقات والأولويات. الصهاينة يواصلون إرهابهم ضد الشعب الفلسطيني الذي يواصل، بدوره، تمسكه المدهش بحقوقه مبتكراً ومضحياً.
لم يكن في هذه الأعوام الماضية خير حتى نتمنى استمراره! الأمل في أن تثمر التضحيات وتتوسع المقاومة ويجري تجاوز الصعوبات وتصحيح الأخطاء.

* كاتب وسياسي لبناني