وائل عبد الفتاح

إنه غرام بالفولاذ. الحكومة المصرية أرسلت ٤ من ماكيناتها العملاقة إلى الحدود. مهمّتها محدّدة: رسم الحدود من جديد. رسم بالفولاذ هذه المرة. ألواح بطول ١٤ متراً تغلق الأنفاق بين مصر وغزة إلى الأبد. فتحات التنفّس بين رفح المصرية والفلسطينية تردم الآن بمهارات البنّائين المصريين المعروفة في بناء الجسور ومدّ الطرق. الشركة نفسها تتخذ خبرتها الأولى في الفولاذ. خبرة تناسب مرحلة سياسية جديدة يقود فيها نظام مبارك العرب إلى عصر «الجدار».
هي السنة نفسها التي احتفل فيها العالم بالذكرى العشرين لتحطيم سور برلين. يبدأ العرب إقامة أسوارهم الفولاذية. تقدّم بوحي من إسرائيل وبترويج من مزاجها كدولة معزولة. الغريب ليس الاتفاقات السرية (يقال إن السور الفولاذي من شروط صفقة شاليط). ولكن التأثر بالمزاج الإسرائيلي. العرب بدلاً من السعي إلى تكسير الحدود بطريقة تناسب الميل في العالم إلى تكوين كيانات كبيرة (الاتحاد الأوروبي المثل الكبير)، وبدلاً من الميل إلى الدخول في العالم. يفضّل العرب تنفيذ أوامر العالم، ولو كانت بأسلوب مستفزّ أو ضد المصالح المباشرة.
تفضيل يصاحبه السماح بالبكاء على العروبة المسلوبة. والغناء للمجد القديم والتعامل بالحنين اللازم لأيام الصفاء القومي. الأسوار العربية موضة جديدة. بدايتها في رفح. الفولاذ بضاعة ستشهد الأيام المقبلة رواجها الفعال. والغريب أن الحكومة المصرية تتصور أن الفولاذ يمكن أن يكون سريّاً.
تحدث أحمد أبو الغيط عن «ضرورة عدم تدخل أي دولةٍ في القرارات التي تتخذها مصر في الحفاظ على أمن وسلامة أراضيها». أبو الغيط دافع بمنطق السيادة، وقال إن من حق مصر إقامة أي إنشاءات داخل أراضيها، أو وضع أي أجهزة للتنصت، وأن ذلك أمر سياديّ لا مندوحة عنه.
كلام وزير الخارجية المصري بلاغة من نوع خاص، لأن السيادة لا تتمثل فقط في إنشاء الأسوار، بل إن الأسوار المتعلقة بالجغرافيا السياسية شيء لا يخصّ فقط الدولة صاحبة القرار، لكنه هوى عالمي قسم ألمانيا قسمين، أحدهما في معسكر سياسي، والآخر في المعسكر النقيض.
تكسّر السور مع نهاية الحرب الباردة. لا نتيجة قرار سيادي من الدولة في ألمانيا. الهوى السياسي في العالم يحرّك القرارات «السيادية» من ناحية. كما أن السيادة عندما تصبح شعاراً مطلقا تتحول إلى قدرة معطّلة أو مبرّر جاهز.
هذه القدرة المعطّلة لا تستوعب الفرق بين معطيات صفقة سياسية والمعنى الذي يتركه فعل مثل إقامة سور الفولاذ. معنى يطلب العزلة من دولة ما زالت تصر على أنها «كبيرة» المنطقة.
يمكن أن تكون النية طيبة. والحكومة المصرية تريد تمرير الصفقة وحماية شعب غزة من الغضب الإسرائيلي وحماية نفسها من تسلّلات «حماس». لكن القصة مختلفة وتعبّر عن شيخوخة مذعورة. لا تتعلق بالنظام وحده بل بالمناخ السياسي الذي يؤدّي فيه النظام المصري دوراً محورياً.
الشيخوخة مذعورة تقيم أسوارها، وفولاذها يعبّر عن الخوف لا الشجاعة. ورغم أن إقامة سور برلين وتحطيمه كانا بقرارات تعبّر عن التوافقات الدولية. فإنّ الهدم كان تعبيراً عن الشجاعة، والفرح حفر خربشاته الملوّنة وإن لم يضع بلسماً سحرياً على المشاكل كلها.
السور بفولاذه مرحلة جديدة تحكم فيها الشيخوخة وتتحكّم، ليس في النظام وحده. السور هو الحل السهل للاختباء والريبة من التعامل مع الجار (الذي تحوّلت أحلامنا المشتركة معه إلى لعنة وميراث غضب).
اختيار الأسوار هو علامة على الانسحاب بمعانيه المتعددة. هكذا مثلاً مُنع الدكتور نصر أبو زيد من دخول الكويت (خوفاً على حياته)، كأنه علّق على سور فولاذي غير مرئي. وعندما أرادت مجموعات من الصحافيين الرد على المنع باستضافته في قلعة تشهد معارك سياسية للسيطرة عليه، مُنع الدكتور أبو زيد من تسلّق فولاذ النقابة الذي لا أحد يعرف من أصدر قراره السيادي بإقامته عالياً.
العرب في عصر الأسوار. شكلهم مضحك ومثير لفكرة عن لعبة إلكترونية جديدة. تتحرّك فيها ماكينات الحفر العملاقة لترسم حدوداً فولاذية على مناطق كلّما ضاقت كان النجاح أكبر وأقرب إلى الهوى العربي في عصر الفولاذ السياسي.
وهو عصر لن يتوقف عند غزة ـــــ فالتسريبات تقول إن خطة القاهرة ٢٠٢٠ تتضمّن خطة إخلاء القاهرة من بعض الأحياء وتحويلها إلى مدينة «جميلة» حولها أسوار من فولاذ (أيضاً غير مرئية) تمنع دخول الفقراء.
هذه الحالات عبثية تشبه روايات كافكا، حيث تتحول الدول إلى متاهات عالية الأسوار. متاهات تفرض سيادتها كاملة.