عصام العريان *

هناك أكثر من 15 دولة في حلف الناتو سترسل قوات إلى أفغانستان، إضافة للقوات الأميركية التي قررها الرئيس أوباما، رغم أن سالفاتها لم تنجح في تحقيق إنجاز حتى الآن، في القضاء على طالبان ومنعها من الاستيلاء على الحكم، وقد أقر وزير الدفاع الأميركي بأنها تسيطر على أكثر من ثلث البلاد. كما لم تنجح تلك القوات في القضاء على تنظيم القاعدة أو القبض على زعيمه أو نائبه اللذين يمثل وجودهما حيّين تحدياً كبيراً للغرب، رغم انتشار العنف بعيداً عن سيطرتهما المباشرة، أو توجيههما، بعدما أصبحت القاعدة أشبه بمدرسة فكرية.
ولم تنجح القوات الغربية في بناء دولة حديثة في أفغانستان، وفق استراتيجية بوش الابن وفريقه من المحافظين الجدد لبناء الأمم، التي ظهر فشلها الذريع في الانتخابات الرئاسية الأفغانية منذ شهور، حيث أعلن القادة الغربيون جميعاً عدم رضاهم عنها، وعبر أحدهم عن نتيجتها بقوله عن الرئيس الفائز قرضاي «إنه فاسد وفاشل... لكنه رجلنا».
من العجيب أن يستمر أوباما في الحرب على أفغانستان مستخدماً استراتيجيا بوش نفسها للخروج من المستنقع في العراق، التي انتهت إلى فشل. ثم هل يمكن توقع أن تنجح القوات الإضافية فى إنجاز ما لم تتمكن قوات أكثر منها بأضعاف في تحقيقه خلال السنوات الماضية؟ وهل يتطلب تدريب القوات الأفغانية لتتولى السلطات الأمنية في البلاد إرسال المزيد من الجنود؟
يظهر أن الهدف الحقيقي لاستراتيجيا أوباما الجديدة هو الخروج من المستنقع الأفغاني، بعدما تزايدت الخسائر البشرية خلال السنوات القليلة الأخيرة. وما يؤكد ذلك هو التوقيت الذي أعلن للانسحاب في تموز/ يوليو 2011، أي بعد سنة ونصف من الآن، رغم محاولات بعض الجنرالات الادعاء بأن التوقيت غير ملزم. وأما التكتيكات التي يُحاوَل تطبيقها، فهي تلك التي استخدمت في العراق، والساعية إلى جذب من يسمون بالمعتدلين فى طالبان أو حتى الإقرار بسلطتهم على المناطق التي يديرونها، والسعي إلى شراء ذمم زعماء القبائل المنحازين إلى طالبان تماماً كما حدث مع قبائل العراق التى جُنّدت أعداد غفيرة منها فى المناطق السنية، في ما يعرف بـ«الصحوات»، فأدت دورها ثم بات استيعابها داخل القوات العراقية مشكلة كبيرة.
وهذه الاستراتيجيا تعني «الهروب من مستنقع الحروب الاستباقية» والتخلي عن سياسة «بناء الأمم» والإقرار بفشل أميركا قائداً وحيداً منفرداً يحكم سيطرته على العالم وموارده وثرواته النفطية ويتحكم في ممراته الاستراتيجية. ولكنه من الصعب على الدولة الكبرى في العالم تغيير سياستها واستراتيجيتها بصورة حادة. لذلك، فإنها أمام مرحلة انتقالية تشبه التقاط الأنفاس.

لعبت المقاومة في كل من أفغانستان والعراق، إضافة إلى فلسطين ولبنان، دوراً رئيسياً في إعادة الاتزان إلى العقل الأميركي
لقد لعبت المقاومة في كل من أفغانستان والعراق، إضافة إلى صمود المقاومة في فلسطين ولبنان، دوراً رئيسياً في هز مصداقية الاستراتيجيا الأميركية العدوانية وإعادة الاتزان إلى العقل الأميركي. ولعبت الدول الإسلامية المعارضة للسياسة الأميركية دوراً كذلك، مثل إيران ثم تركيا، وهي بلاد محورية، لها مصالحها وتريد استقرار المنطقة. وكان لأوروبا القديمة المعارضة دور أيضاً في لجم الاندفاع الأميركي نحو الهاوية، وها نحن نرى تحقيقاً يجرى في لندن عن التورط في حرب العراق، وقد فشل بلير في النجاح كرئيس للاتحاد الأوروبي بينما فاز رئيس وزراء بلجيكا السابق، وهي رسالة من القيادة الأوروبية لهذا المغامر السابق.
ماذا بعد الآن؟ أعلنت طالبان أن المزيد من القوات يعني المزيد من المقاومة، وهذه هي المعضلة التي لم يدركها الغرب حتى الآن في تعامله مع العالم الإسلامي سياسياً وثقافياً وعسكرياً. فهو تصور أنه أجهز على روح المقاومة في العالم الإسلامي، وأنه بتسليم الدول الوطنية بعد حقبة الاستعمار إلى نخب متغربة وعلمانية، سياسية وعسكرية، يمكنه أن يحتوي العالم الإسلامي ويخضعه لسلطانه، ففشل على كل الأصعدة. وجاءت المواجهات العسكرية الأخيرة في فلسطين ولبنان والعراق وأفغانستان، وجاء صعود الحركات الإسلامية في الساحات السياسية في كل المنطقة العربية وصولاً إلى تركيا وإندونيسيا وماليزيا، واستمرار النظام الإيراني ومحافظته على الجمهورية الإسلامية، ليدلل على أن الإسلام باق لم تتغيّر ثوابته، ولم يجرِ تدجينه أو احتواؤه.
حتى باكستان، الحليف الأقوى في الحرب الأفغانية، طلبت توضيحات من أميركا، بما يعني عدم موافقتها على تلك الخطة الجديدة. فالضغط على طالبان سيدفع رجالها إلى الخروج إلى الجوار الباكستاني، مما يزيد مشاكل باكستان ويفاقمها في منطقة القبائل. وتسليم البلاد إلى قرضاي ورجاله يعني فقدان باكستان التأثير في بلد حيوي جداً لها، لأن خلافات هذا الأخير مع كل الحكومات الباكستانية والجيش الباكستاني لا تخفى على أحد، وعلاقته مع الهند، العدو اللدود لباكستان واضحة. وتتردد اتهامات أميركية لباكستان ومخابراتها بأنها تحمي طالبان وتمدها بالعتاد والسلاح والرجال، أو على الأقل تصمت عن الإمداد الشعبي لها. بل وصل اتهام وزيرة الخارجية الأميركية لقادة باكستان إلى حد اعتبارها أنهم لا يعملون بجدية لاعتقال أسامة بن لادن. ويرد الباكستانيون أنه إذا كانت أميركا وحلفاؤها قد فشلوا في القبض عليه، فكيف تستطيع باكستان ذلك؟
تركيا أيضاً تحفظت، وأعلنت أنها لن ترسل أي قوات إلى أفغانستان، لأن ذلك يعني المزيد من إراقة الدماء وعدم الاستقرار، وهو ما يهدد خطتها الرامية إلى الإمساك بملفات عديدة في الشرق الأوسط، ولعب دور لحلحلة بعض تلك المشاكل والخروج الآمن سلمياً من الحروب المشتعلة بحلول سياسية لا عسكرية.
إيران اعترضت على الخطة وأعلنت أن على أميركا أن تدع البلاد الأفغانية لأهلها ليقرروا مصيرها، وعلى الجيوش المحتلة لأفغانستان أن تنسحب منها. ولعل إيران فى قرارة نفسها تريد لأميركا المزيد من التورط والغرق في المستنقع الأفغاني، فهي تستفيد تماماً من استراتيجيا بوش في العراق وأفغانستان وفلسطين.
الدول العربية صامتة حتى الآن، ولم يصدر من أي عاصمة عربية تعليق أو تصريح، وهو ما يعكس الغياب العربي المذهل، وهم الذين موّلوا حرب الجهاد الأفغاني بالمال والرجال والعتاد طوال عشر سنوات، واستثمروا فيها كل تلك الجهود والإمكانيات، ها هم يخرجون منها صفر اليدين وكأنهم كانوا يعملون لمصلحة أميركا والغرب، لا لتحقيق مصالحهم هم. لقد اكتووا بنار «العائدين من أفغانستان» في مصر والسعودية والجزائر واليمن، وكأن العرب قنعوا من الغنيمة بالإياب والخسران.
غالباً ما ستنتهي خطة أوباما الجديدة بخروج آخر من أفغانستان يماثل الخروج من العراق لتنتهي بذلك حقبة مظلمة سوداء في تاريخ أميركا والعالم. أما شروط نجاح تلك الاستراتيجيا، فهي:
1ــــ الاعتراف بالتعدد الثقافي والحضاري والديني في العالم كله، والإقرار بحق الشعوب الإسلامية والعربية في الاختيار الحر النزيه لحكامها ونظم حياتها وقوانينها، ورفع الغطاء عن النخب الحاكمة من المستبدين والفاسدين والفاشلين والدكتاتوريين.
2ــــ الحوار الجاد المتكافئ مع الحركات الإسلامية السلمية، وتلك المقاومة من أجل الحرية والاستقلال، والمعارضة للسياسات الغربية.
3ــــ التوقف عن الدعم الأعمى للعدو الصهيوني والاعتراف بحقوق الفلسطينيين، والحوار مع المقاومة الفلسطينية للوصول إلى حل ومخرج في الشأن الفلسطيني ولو على مراحل.
هذا إذا أراد أوباما أن يحدث تغييراً حقيقياً، وإلا فإن هذه الاستراتيجيا ستفشل، ونبقى في الدائرة المفرغة ذاتها.
* قيادي في جماعة الإخوان المسلمين بمصر