مشكلة السلطة في لبنان أنها تتعامل مع حراك لم تعتده من قبل، وعدم الاعتياد هذا يجعلها تعتقد بأنها قادرة على خنقه بالأساليب التقليدية التي اعتادت استعمالها مع أي رّد فعل على ممارساتها. بهذا المعنى فهمت بعد مرور شهرين ونيّف على بدء الحراك الشعبي أنه لم يعد بالقوّة ذاتها، وهذا يعبر في رأيها عن حالة ضعف يجب عدم تفويتها.


على هذا الأساس أوعزت لقواها الأمنية بتجاوز سياسة الاحتواء التي اتبعتها طيلة شهرين مع الحراك، وعدم انتظار ردود فعل القاعدة الاجتماعية المساندة له، حيث بدا لها أنّ "تراجعه" سينعكس بالضرورة على احتضان الناس له وسيوفّر لها احتمالات أكبر لإنهائه من دون تبعات تُذكَر على استقرارها وهيمنتها. في الشهرين الماضيين كان هذا الاحتمال مستحيلاً بسبب الزخم الذي توافر للحراك في الشارع، وهو "مستحيل أيضاً الآن" ولكن السلطة تفهم هذه الاستحالة بطريقة مختلفة. في اعتقادها أنّ ما كان مرفوضاً قبل شهرين سيصبح مقبولاً الآن، وهو تقدير يعتمد على انحسار تأييد الحراك ضمن شرائح الطبقة الوسطى التي لا تحبّذ التغيير العنيف وتريد إبقاءه ضمن إطار التفاهم والتسوية مع السلطة. هذا واضح من طريقة تعامل السلطة مع المحتجّين يوم الخميس الماضي، فلو كانت التظاهرة أكبر من ذلك بقليل ولو لم تقتصر على ناشطي المجموعات المتعدّدة وجمهورهم المباشر لما استطاعت السلطة الإقدام على هذا القدر من الاعتقالات في خلال أقلّ من ساعة. هي كانت تعرف أنّ الحشد لم يكن كبيراً هذه المرّة وبناء على هذا التقدير استطاعت عند احتدام المواجهة واقتراب المتظاهرين من لحظة الإنهاك الانقضاض عليهم بأعداد كبيرة تفوق عددهم الذي كان قد تقلّص أصلاً بسبب كثرة استخدام القنابل المسيلة للدموع وخراطيم المياه ضدّهم. لا يعني ذلك أن استراتيجيتها كانت أفضل من استراتيجية المتظاهرين ولكنها تملك بحكم موقعها واحتكارها للعنف وممارسته وسائل أفضل منهم "للدفاع عن نفسها". في المقابل حاول المتظاهرون الدفاع عن أنفسهم ضدّ بطشها ونجحوا في الصمود أمامها لساعاتٍ ثلاث أو أربع ولكنهم لم يقدروا على الاستمرار حتى النهاية، فهم يفتقرون فضلاً عن الوسائل اللازمة لحماية أنفسهم من بطش الدولة إلى العدد والاحتضان الجماهيري المناسب في حالات كهذه.
وهنا يأتي دور الفئات الاجتماعية التي "انفضّت عن الحراك" بسبب عدم اعتيادها على هذا النمط المتواصل من الاحتجاج، حيث لا تزال هنالك إمكانية لمعاودة ضمّها إليه بعد أن اتضح للجميع وليس لها فقط أن الدولة التي تعوّل على استقرارها وعدم جرّها إلى الفوضى ليست بالضبط دولة. هي دولة من حيث الهيكل فقط ولكنها في الحقيقة سلطة لاقتسام الغنائم، وحين لا يعود هذا التقاسم ممكناً لسبب أو لآخر تظهر على حقيقتها وتبدأ في محاولة إلغاء أيّ طرف يحاول تعطيل هذه العملية. الخاسر الأكبر من كلّ ذلك هي الطبقة الوسطى التي "خاصمت الحراك باكراً" أو على الأقلّ لم تدعمه كما يجب، وحين جرّبت الاعتماد على السلطة الحالية بعد فشل تعويلها على "إصلاحية الحراك" تفاجأت بقدرة السلطة على التعطيل، وبعدم اكتراثها بحال الفوضى التي وصل إليها البلد. هذه الطبقة تتحمّل الآن مسؤولية ترك الحراك لمصيره، ومع أنّ فشله في استقطابها يُحسَب عليه كحراك "عابر للطبقات" والمناطق إلا أنّ مسؤوليتها تبقى أكبر، فهي التي توفّر للسلطة مواردها عبر دفعها للضرائب وهي التي تُكسبها "الشرعية" عبر الاستمرار في دعم مسرحية الحوار خارج المؤسّسات الدستورية للدولة، وهي التي تستفيد من الزبائنية السياسية التي يتمّ بموجبها تأمين الخدمات لها لقاء دعمها هذا الزعيم أو ذاك.


حاول المتظاهرون الدفاع
عن أنفسهم ونجحوا في
الصمود لساعات

هذا النمط من التبادل النفعي مع السلطة لم يعد يعمل كما يجب، فبعد تراكم النفايات في الشوارع نتيجة لعجز السلطة عن إيجاد حلّ بيئي لها ستتزايد مشاكل الكهرباء والمياه (رمزية استخدام هذا الكمّ من المياه ضدّ المتظاهرين يوم الخميس الماضي كانت لافتة جداً)، وستصبح الدولة عاجزة حتى عن إيصال أبسط الخدمات إلى الناس. في هذه الحالة لن يتحقّق الاستقرار الذي ترمي إليه الطبقة الوسطى في لبنان، وسيغدو جهاز الدولة الحالي عاجزاً عن القيام بعملية التوزيع التي كانت السلطة تحافظ بموجبها على العلاقة الوظيفية مع الطبقات الاجتماعية اللبنانية، إذ يتلازم "الاستقرار" هنا مع قيام الدولة بواجباتها تجاه المجتمع، وحين لا تعود قادرة على فعل ذلك يصبح الناس في حلّ من هذه العلاقة ويبدؤون بالبحث عن بديل للوضع القائم. في السابق لم يكن هذا البديل موجوداً، ولذلك كان مفهوماً أن يتمسّك الناس بالوضع القائم إلى حين إيجاده، أما الآن فليس منطقياً أنّ تستمرّ هذه الحالة في ظلّ توافر طروحات قد لا تكون بديلة بالكامل ولكنها على الأقلّ تطرح تصوّراً مختلفاً لوظيفة الدولة في السياق اللبناني. مفهوم مكافحة الفساد الذي يتعمّد الحراك طرحه بهذه الصيغة لعدم إخافة الطبقات الثرية والوسطى العليا من فكرة إعادة توزيع الثروة (التي تنتمي إلى معجم الثورة) هو المدخل الممكن إلى هذه الدولة المنشودة، وان لم تتبناه الطبقة الوسطى بسرعة وتعمد إلى احتضانه بوصفها حامله الاجتماعي الممكن فسيبقى في إطاره النظري، وسيتحوّل مع الوقت إلى حالة نوستالجية شبيهة بحالة البرنامج المرحلي للحركة الوطنية. حينها كانت الحالة الثورية أكبر وأكثر زخماً بكثير وكانت صورة التحالفات الاجتماعية التي تقود عملية التغيير أوضح من الآن ولكنها لم تستمرّ بفعل قيام الحرب وإصرار السلطة على إغراق البلد بالفوضى، فبقيت تعبّر - أي الحالة الثورية - عن توق اللبنانيين أو على الأقلّ شريحة كبيرة منهم إلى الخلاص من حكم الطغم المالية والإقطاعية، وتحوّلت مع مرور الزمن إلى صيغة مشتهاة أكثر منها واقعية. وهذا في حدّ ذاته تعبير عن الانسداد الذي تشعر به شرائح اجتماعية واسعة في لبنان تجاه صيغة الحكم التي كانت قائمة قبل الحرب واستمرّت بعدها مع بعض التعديل في التوازنات الاجتماعية. أما الآن "فالحراك لا يَعِد بالكثير" في ظلّ عدم وجود حاضن اجتماعي كبير له، ولكنه على الأقلّ يحاول، ومحاولته تصطدم حتى اليوم بامتناع الكتلة الاجتماعية التي يمثّل مصالحها نظرياً عن دعمه، وهذه هي المعضلة الكبرى التي تعيق تقدّمه وتبقيه في حالة مراوحة واشتباك جزئي مع النظام. حتّى معركة الخميس الكبرى بقيت عند هذه الحدود ولم تتعدّاها رغم الشجاعة الفائقة التي أبداها المتظاهرون والمتظاهرات في مقارعة السلطة ومنعها من سحق النواة التي يمثّلونها. والحال أن تجاوز هذه المحدودية مشروط بتوسّع الحراك وضمّه لفئات اجتماعية أوسع من تلك التي يتوجّه إليها بخطابه، وهنا يواجه هذا الأخير مشكلة حقيقية. فهذه الفئات لديها كما قلنا مراراً وعي سياسي محافظ يمنعها من الربط بين أسباب الأزمات ونتائجها، وهذا الوعي يتم التعبير عنه بمصطلح رائج اسمه الخوف من الفوضى، وهو يستحقّ وقفة بالفعل، حتى لا يتحوّل إلى أداة دائمة بيد السلطة. لا شكّ إذاً أنّ هذا التعبير عن الخوف هو الذي يسمح للنظام بتعميم خطاب ايديولوجي يميني يربط بين الحراك والفوضى، ويضمن باستمرار إبقاء الوضع في حالة مراوحة، بحيث لا يتوسّع الحراك أكثر ولا تضعف السلطة إلى الحدّ الذي تصبح فيه مُجبَرة على تقديم تنازلات.
استمرار هذه الوضعية يحدّ من وصول الحراك إلى نواة النظام، ويبقيه عند الهوامش، وهو بالضبط ما عبرت عنه (على الأقلّ رمزياً) انتفاضة الخميس التي حاولت الوصول إلى قلب ساحة النجمة ولم تستطع رغم كلّ ما قدمته من تضحيات. حالياً الوصول إلى هناك - بالمعنى الرمزي- أضحى مستحيلاً إلا في حالة خروج الحراك من "استنقاعه" ودخول فئات اجتماعية جديدة إليه. هذه الفئات يجب أن تكون من ضمن القاعدة الاجتماعية للنظام، فبقاؤها إلى جانبه سيصعّب مهمّة الحراك ولن يترك له حتى الهوامش.
يوم الخميس الماضي قامت السلطة بأوّل محاولة جدية لإزالة الهامش الذي يعمل من خلاله الحراك، وعليه أصبحت المهمّة الآن أصعب، فبدون هامش سيغدو إيصال الخطاب إلى الناس مستحيلاً، وعندها لن تنتهي الحركة فحسب بل الخطاب المطلبي الذي يعبّر عن مصالح الطبقة الوسطى والفئات المهمّشة في لبنان. في كلّ المحطات السابقة كان الحراك هو المسؤول عن حال المراوحة التي وصل إليها، أما الآن وفي ظلّ تصميم السلطة على انهائه وحرمانه حتى من الهامش فسيبدو تحميله المسؤولية مجدّداً ضرباً من العبث. من يتحمّل المسؤولية هذه المرّة هي الطبقة التي يدافع الحراك عن مصالحها ولا يلقى في مقابل هذا الدفاع أيّ دعم منها، لا بل تصل الوقاحة عند بعض أطرافها (وخصوصاً العليا منها) حدّ مطالبة السلطة بإنهائه وتشريع كلّ ما يسمح بقمعه ضمن "الإطار القانوني". هذا السلوك ليس تعبيراً عن الخوف من الفوضى بقدر ما هو استمرار لزواج المصلحة مع النظام وشبكاته الزبائنية، وهو ما يضع الطبقة الوسطى في لبنان أمام تحدٍّ حقيقي: فإما أن تبقى مع النظام كما هو وبذلك تضع مكتسباتها الكثيرة في يد سلطة تتآكل يومياً ولا تقدر حتى على حماية نفسها، أو أن تنضمّ إلى الحراك على علّاته الكثيرة، وبذلك تكون قد وضعت رجلاً في المستقبل على الرغم من عدم وضوحه واعتماده حتى الآن على خيارات الحراك وتكتيكاته. في الحالة الثانية لن يعود النظام كما هو، ولكنه سيضمن لهذه الفئة ولغيرها القدرة على المساءلة والمحاسبة وسيسمح لها بسحب الشرعية المعطاة إليه في حال أخلّ بواجباته تجاهها، وهذا كاف بحدّ ذاته للقول بأنّ "النظام قد تغيّر" وأصبح ممثلاّ فعلياً لمصالح الطبقات الاجتماعية التي يدّعي تمثيلها.
* كاتب سوري