أربع سنوات على الأزمة، وتطور مجرياتها وتراكم نتائجها بين محوري النزاع، باتت كفيلة بتقويم المشهد ورسم مساره. إنّها لحظة "المبادرة الشاملة" و"الفرصة المشروطة". هذا ما يمكن استخلاصه من مجمل التطورات الأخيرة والديناميات العسكرية- السياسية التي ترافقها، فالأسباب اكتملت والمعطيات والمبرّرات نضجت ما فيه الكفاية لبدء فعل تدريجي متوازٍ ومتقابل للرّد السياسي المتوقّع من محور موسكو ـ طهران وحلفائه:

1. أخيراً، اعترف العالم بأسره بشعوبه وأنظمته بعد طول عناء، بوجود إرهابٍ حقيقي، غير متخيّل، كما حاول بعض الأنظمة الإيحاء لمدة طويلة.

إرهاب خطير يتجاوز تهديده سوريا والعراق إلى العالم بأسره. صدرت بحقه حتّى اليوم عشرات القرارات الدولية والبيانات الرئاسية، ما يكفي قانونياً وأخلاقياً لتغطية أي تدخّل لمواجهته بحسب معطيات ومبادئ القانون الدولي (طلب رسمي من الدولة السورية).
2. أميركا اعترفت بتمدّد الإرهاب وتوسّع نفوذه وفشل مقاربة التحالف المريب الذي أقصت عنه روسيا وإيران، وأنّه لا تُمكن مواجهته فعلياً إلاّ على الأرض وبأجندات واضحة وشفّافة لا أجندات مخفية كما يحصل اليوم. واعترفت أميركا أيضاً بفشل إيجاد بديل لمعارضة معتدلة قادرة للنهوض بالمهمّة. ومن نافل القول إنّها (أي أميركا) تبغي الحرب العسكرية المباشرة أو قادرة ومهيّأة لذلك، فاليوم النظرية الأوبامية لإنقاذ أميركا وتثبيت سيطرتها الكونية على المحّك، وغني عن القول إنّ اللحظة في أميركا، للتحضير للانتخابات وتسييل الرؤى الجديدة أصواتاً وسمعة لأصحاب هذه المدرسة من الديمقراطيين.
3. روسيا، بلُغة الأمن وحتّى المصالح تمتلك كل المبرّرات للحفاظ على أمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية، فأمنها يبدأ من سوريا كما أمن أميركا يبدأ من إسرائيل. والخشية تزداد عندها مع تقدّم الإرهاب وتراجع الحكم في سوريا والعراق دون بديل واضح متفّق عليه. والقلق يزداد مع التحالف الفاقد للرؤية الذي أقامته واشنطن بعيداً منها، وعن الاتفاقات المبهمة التي أجرتها الأخيرة مع تركيا، و"خديعة ليبيا" التاريخية لروسيا ليست بالأمر الهيّن.


لا يزال الحكم في سوريا
يمتلك نقاط قوة رئيسة بالإمكان البناء عليها


4. تركيا أردوغان محاصرة اليوم بتعثّرات العدالة والتنمية وإخفاقاته المتتالية، وتتّجه للانتخابات المبكرة كخطوة هروب لن تحقق بحسب كل المراقبين أكثر من ما حققّه العدالة والتنمية، وتدور في حلقة سياسية مفرغة قد تضطر أردوغان – دواوود أوغلو إلى تهوّر سياسي في خطوة خارجية تخلط الأوراق، ناهيك عن التهديد الأمني الداخلي والمضطرب الذي أوجده العدالة والتنمية في أدائه الخطير والكارثي.
5. لا يزال الحكم في سوريا يمتلك نقاط قوة رئيسة بالإمكان البناء عليها، أبرزها سيطرته على سوريا "المفيدة" واحتضانه لتنوع طوائفي كبير في كنف الدولة، وحدّ جيّد من التماسك في جيشه وأجهزته، وبكل صراحة وواقعية أدّى الجيش السوري والحكم بصموده وتصدّيه للفتنة والإرهاب دوراً استثنائياً وأكثر ممّا عليه في هذه الحرب الكوني، فاجأ فيها (إيجاباً) حتّى أقرب المقرّبين إليه، والأهّم أنّه أتاح بفعله فرز المعارضات بين ذاك التابع لأميركا أو إسرائيل أو الآخر الإسلامي المتواطئ مع الإرهاب أو الإرهابي بلبوس إسلامي، عن المعارضة الوطنية الساعية لوحدة سورية والحفاظ على مكوّناتها وتنوّعها وموقعها العربي السياسي والحضاري عبر إصلاحات جوهرية تنقل سوريا إلى الموقع الذي تستحقه. وأيضاً شقّ الطريق لـ "مصر" الدولة والدور المنتظر لها في الفضاء العربي لإعادة التوازن للعقل والفعل العربي، وعلّها تستطيع إحداث ولو تصويب في رؤيتهم لأمنهم ومصالحهم البعيدة.
أمّا دولياً، فقد نجح في إطلاق بل وتثبيت استقطاب عالمي جديد تعزّز وتبلور منذ الفيتو الروسي الصيني، وتوسّع مع دول البريكس ومنظمة شانغهاي التي تبنّت رؤاه وتفسيره للأحداث بوجه الرؤية الأميركية الغربية وحلفائها.
6. غرقت السعودية في نزف حرب اليمن الطويلة التي لن تخرج منها ولا تملك استراتيجية خروج تحقق أهدافها. تحارب بالطريقة البدوية التي تربح غزوة وتخلّف بعدها أحقاداً ودفائن وفوضى لا قِبَل لأحد بها، كما حال المنطقة التي "حررّتها" من الحوثيين والجيش اليمني وتركتها للفوضى والدمار والإرهاب وللتنظيم المدعوم قطرياً أي الإخوان المسلمين. وبحسب كل المعطيات والمعلومات، فإن اليمنيين من حوثيين وجيش نظمّوا أوضاعهم لحرب استنزاف سترهق السعودية واقتصادها وبنيتها، وستؤسس تباعاً لتباين بدأت إرهاصاته من الآن بين أطراف التحالف، كل ذلك يوصل إلى أن السعودية لن تقوى تباعاً على معاكسة الحل السياسي في سوريا إذا ما خالف شروطها.
7. نجح الرئيس السيسي إلى حد معقول إزاء التحدّي الاقتصادي الاجتماعي، عبر إمارات إعادة الثقة للمواطن المصري بدولته نوعاً ما، وينبري أمامه اليوم تحدّي الإرهاب كتحدٍ لم يعد يُحتمل تسويف القوى الدولية والغرب وتجزئة الإقتراب إليه، بل حتى مراعاة السعودية نفسها. لسان حال مصر اليوم أنّ كلا الطرفين بحاجة لبعضهما، والاعتماد متبادل اقتصادياً واستراتيجياً وسياسياً والمصلحة مشتركة للطرفين المصري والسعودي، خصوصاً بعدما غدت مصر السيسي في قلب الخطر مع تخلّي الغرب عن دعمها بل وابتزازها، والتمنّع عن مدّ السلطة الليبية بالسلاح، وما يعنيه ذلك من إبقاء أمن مصر القومي تحت التهديد الاستراتيجي. فمصر تسير بقوة لدعم هذا المنحى، ما يعني تأمين المظّلة العربية، وخطوة مصر لرفع التمثيل الدبلوماسي رسالة بهذا الاتجاه، والاتصالات الأخيرة بين اللواء علي مملوك والرئيس السيسي تشي بالتوافق على ذلك (سوريا جزء من أمن مصر القومي وخط الدفاع الأوّل عنها) وليست الامارات العربية وتونس والجزائر بعيدين عن ذلك، ولبنان سيقف في أحد خطوطها الأمامية.
8. الأردن بات مطوّقاً من كل جهة، ونذر الإرهاب الداخلي المتفشي تُلاحقه كما مسألة توطين الفلسطيني القسري، إذا ما حصل وسقط النظام السوري خلال 6 أشهر كما يُعلن الأميركيون علناً وسّراً (ذكر كيري في لقائه الأخير ذلك للافروف والجبير) يعني نهايته المحتّمة، ولعّل بيان إيقاف غرفة موك تأتي كرسالة لهذا المرمى.
9. إيران دخلت مرحلة الاعتراف بدورها الاستراتيجي مع التوقيع على الاتفاق النووي، وبالتالي أصبحت قدرتها وديناميتها على المبادرة والمشاركة الرسمية سياسياً واقتصادياً وحتى عسكرياً تحت مظّلة القانون الدولي وقراراته أكثر مرونة وفاعلية.
10.يتوافر لأي خطوة، غطاء دول البريكس وربما منظمة شنغهاي الصاعدة في أوّل تعاون محتمل بالانسجام مع القانون الدولي.
كل هذه المعطيات تفيد الآتي:
1. المعطى القانوني بات مؤمنّاً من أعلى سلطة أممية، وفي الجعبة عشرات القرارات.
2. الرأي العام الدولي وحتى الرسمي بات متقبلاً لابتداع ما وتجديد ينزع حالة الفوضى والتهديد المقلقين خصوصاً أوروبياً.
3. النظام السوري حاضر لطلب العون مجارياً القانون الدولي (أليس هذا مبرّر السعودية للتدخّل في اليمن) ويمتلك نقاط قوة ضروري الإفادة منها.
4. البيئة الإقليمية تبدّلت، والتغيّرات التي طرأت عليها حتى اليوم فتحت لإمكانيات وفرص عمل جديدة لم تكن متوافرة.
إذا تبدو الفرصة مؤاتية لـ "المبادرة" وكسر "الحلقة المفرغة من النزف المجتمعي"... على شرط أن تأتي هذا الفعل - الخطوات الميدانية التي أبرز تجلياتها وأعلى مراحلها سيكون تشكيل حلف إذا اقتضى الأمر - متساوقة برؤية متّفق عليها للمرحلة الانتقالية وما بعدها، تحظى بأكبر تأييد ومظّلة ممكنة من المعارضة السورية، وتراعى فيها خصوصية الأقليات ومطالبهم المشروعة والمتوازنة. من أبرز هذه الخطوات العملية:
-التأكيد على الحّل السياسي كحّل لازم ونهائي وفق صيغة الحفاظ على وحدة سوريا، ومرجعية الشعب السوري إزاء أي استحقاق.
-السير بمسار تدخّلي تدريجي تصاعدي ومتقابل _ أي تطوير التصعيد يرتبط برّد فعل الطرف الآخر _ أقصد أميركا وحلفاءها.
-أن يشمل الفعل الميداني العراق وسوريا.
-أن لا يُبادر الإعلان عن الحلف عند مباشرة العمل، بل في لحظة من لحظاته تُدرس بعناية بما يخدم المواجهة الدولية القائمة مع الهيمنة الأميركية.
- أن لا تأتي الخطوة بعيداً عن أحزاب المعارضة التركية، للمساهمة بإنجاحها بما يُنقذ تركيا أولاً في مواجهة تهوّر وعصبية العدالة والتنمية، وبما يلحظ هواجس هذه القوى ورؤاها العادلة والمتوازنة. وربّما بعض القوى في المملكة السعودية من الراغبين بالحّل السياسي في سوريا.
فلا يكون تدخلاً على شاكلة ما رأيناه من الاميركيين في العراق وافغانستان، او ما رأيناه لنظام آل سعود في اليمن، بل نموذجاً يمتلك رؤية سياسية للبناء، واعتقد أنّ النجاح فيها ليس صعباً والتهويل بالفشل من البعض ليس مبرراً لأسباب كثيرة ليس أقّلها التمايز والفرق الجوهري بين كل من روسيا وايران من جهة، وأميركا من جهة أخرى إن لتجربتهما وعمقهما الحضاري الذي يعطيهما الأرجحية على الولايات المتحدة في ذلك، أو لقربهما ومعايشتهما المنطقة، أو لعدم وجود مشروع استعماري أو احتلالي عند أي منهما، بل أقصى ما يُريدانه ومن خلفهم دول البريكس أو منظمة شنغهاي هو وقف الإستفراد والتسلّط الأميركي وإعادة التوازن العالمي، ولأنّه ليس في عقل ايران إلّا العداء لاسرائيل وسياسات اميركا التسلطية، ففرص هذا الحلف ومصداقيته أكبر.
ساعتئذ سنكون أمام خيارين:
1. تسريع الخطوات إلى التسوية السياسية عبر مبادرة ابداعية تحسم مسألة جنيف وتأويلاته، مبادرة تحفظ وحدة سوريا أرضاً وشعباً ومؤسسات، تلحظ خصوصيات الطوائف والقوميات وحضورهم وفي مقدّمهم الأكراد، وتهيئ لانتخابات مبكرة يكون للشعب السوري الحق في تقرير مستقبله، وإقرار دستوره الجديد.
2. تستمر المراوغة الأميركية والعناد السعودي والتآمر التركي، ما يستتلي بدء التدخل العسكري التدريجي الزاحف، وصولاً لإعلان حلف رسمي لمواجهة الارهاب في سوريا والعراق موازٍ لحلف أميركا.
كل الظّن أن دعم الجيشين العراقي والسوري في هذه اللحظة من روسيا وايران سيحسم المعادلة ويعيد ترتيب الأوراق، ويقوّم أكذوبة "الصراع السني- الشيعي" التي لبِّست للمعركة منذ 5 سنوات ويُجلّي الكثير من الحقائق.
الرئيس الأميركي يقول إن هذه الخطوة ستزيد الأزمة وتُبعد الحّل، لكن الحقيقة أنّها ستقّرب الحّل. إنّها ابتداءً ستعيد ترتيب البيت السوري، فتعطي لحلفاء روسيا والراغبين بدور فاعل لها من المعارضة فرصة الحضور، وتعطي للشعب السوري الراغب الأول في توطين قضيته مساحة الحركة والهامش نتيجة التوازن الدولي على أرضه وفي سمائه. وتقلّل دون شك من حالة الاحتقان المذهبي، وتنقل الاصطفاف الطائفي إلى اصطفاف سياسي لكسر الآحادية الأميركية وتُخّفف من دون شك نعرات القوميات المفتعلة. وبالتالي تخلق مساحة جديدة وتبتدع فرص إعادة ترتيب الموضوعات السياسية في الداخل والتحالفات، بشكل يقوي الدولة السورية ويبعد عنها شبح التقسيم. هذه الخطوة ستنقذ سوريا والعراق معاً بل وأبعد من ذلك ستعيد التوازن المفقود في هذا العالم من مدخل المنطقة ومواجهة الإرهاب.
لا أفترض أن تتهيّب أي من روسيا وإيران، وهذا ما حصل، لخطوة كهذه، والحديث عن الغرق في الوحول فيه تهويل مفتعل، فسوريا ليست افغانستان وروسيا الاتحادية اليوم ليست الاتحاد السوفياتي والمعركة ليست بين الإسلام والكفر كما قيل آنذاك، والمنطقة ليست كما المرحلة الماضية وكذلك الرأي العام الإسلامي والدولي، والعلاقات الدولية كلّها تمّر في منحنيات جديدة.
في حال اتجهت الأمور لتصعيد اميركي مقابل عبر أداتها إسرائيل، فأظن وبكل عفوية وقصد، أليس هذا ما كان محور المقاومة يتمناه منذ البداية حين انتشرت السفن الأميركية في المتوسط؟ تريد ضرب سوريا وهددّت إسرائيل بالتدّخل، ألم يقل حينها محور المقاومة للرئيس السوري فلتكن الحرب؟ هكذا حرب لن تكون خسارتها إذا ما بدأوها أكثر من حال منطقتنا والنزف فيها اليوم. فلعّلها إن وقعت بتدخّل إسرائيل تعيد خلط الأوراق وإعادة الاصطفافات وتقويم المعوّج منها، وهو ما يتمناه محور المقاومة، أمّا إذا كان جديد أميركا الضغط على الداخل الروسي فنظن أيضاً أنّ مصالحها، ليست بالشيء الذي يمكن تجاوزه في المنطقة وافريقيا على حدّ سواء بل وحتى أبعد من ذلك.
* باحث لبناني