كريستوفر م. دايفيدسون *

على الرغم من بعض ومضات الأمل، يسود جوّ من التكتم في ما وُصف بالنظام الاقتصادي الأكثر ليبرالية وعولمة في العالم العربي. ولا تزال المحاولات التي تدفع نحو الشفافية في الإمارات العربية المتحدة تواجه عقبات يضعها أمامها عدد من الأجهزة المحافظة البالية التي تسعى إلى إحكام سيطرتها على تدفق المعلومات. وقد رتبت هذه الأجهزة كلفة باهظة على الإمارات دفعتها الأخيرة من سمعتها العالمية في خلال أزمة الائتمان. وكان أخبث الأجهزة المعنية، على امتداد سنين من الزمن، وزارة الإعلام والثقافة التي تحكمت بكل إنتاجات الصحف ومحطات التلفزة المحلية وبتوزيع جميع الكتب والأفلام عبر الإمارات العربية المتحدة. وعلى الرغم من أن الوزارة حُلَّت أخيراً سنة 2006، إلاّ أن عدداً من موظفيها عُيِّنوا في المجلس الوطني للإعلام، علماً بأن مسؤوليات هذا الأخير تشمل تعميم البيانات الصحافية الرسمية من خلال وكالة أنباء الإمارات التابعة له، وحجب صور التعري في الإصدارات الصحافية (باستخدام الأقلام السود على الصحف والمجلات حتى الآن)، وتأمين التمويل لمخرجي أفلام محليين يتعاونون معها تعاوناً ملائماً.
أما المهمات الأخرى المنوطة بالمجلس الوطني للإعلام، فتشمل إدارة دائرة للمعلومات الخارجية يعمل فيها، وللمفارقة التاريخية، بيروقراطيون بريطانيون وفلسطينيون يخدمون منذ أمد بعيد، مع الإشارة إلى أن الأخيرين كوفئوا بمنحهم المواطنية الإماراتية. فعندما تظهر دعاية مسيئة للإمارات في الصحف الأجنبية، تتولى الدائرة الاتصال بالمنشورة المعنية وتسعى إلى تقليص الأضرار. كما تحاول أيضاً وضع حد لكتابات أكاديميين معينين: إنها سياسة تنسف أي التزام للإمارات العربية المتحدة بحرية التعبير وتُنفّر بشدة أكاديميين قد يرغبون في تركيز اهتمامهم على المنطقة في المستقبل. بالإضافة إلى ما سبق، لا يُشكّ كثيراً في أن المجلس الوطني للإعلام لا يزال ينشط في حظر مجموعة واسعة من الكتب، أو ربما بكلام أدق، يتخلف ببساطة عن منح الإذن الضروري للموزعين الذين يبدون استعداداً لتوزيعها، على الرغم من الادعاءات التي تزعم أن المجلس أصبح أكثر تسامحاً ويحظر أساساً الكتب التي تسيء إلى الإسلام أو الكتب الإباحية في مضمونها. والتقارير السنوية عن الإمارات العربية المتحدة التي يصدرها المكتب الأميركي للديموقراطية وحقوق الإنسان والعمل تؤكد وجهةَ النظر هذه، فهي تفند بانتظام المنشورات المحظورة في الإمارات. والمثير للسخرية أن أبو ظبي تقيم الآن معرضاً سنوياً للكتاب يهدف إلى «إحياء صناعة النشر العربية التي تخنقها الرقابة»؛ وقد أدلى مدير المعرض المذكور بكلام مفاده أنهم إذا شجعوا حرية التعبير وحموا الكتّاب والناشرين، فستحذو دول أخرى حذوهم.

تُجمَّد بانتظام المواقع التي تحوي معلومات عن سجناء سياسيين أو عن الاتجار بالبشر
المجلس الوطني للإعلام مسؤول أيضاً عن تنفيذ قانون المطبوعات والنشر. ومع أن هذا القانون يُعدَّل حالياً، ولم يعد المجلس قادراً على فرض الحكم بالسجن بسهولة على الصحافيين المذنبين، إلاّ أن فرض غرامات أكبر من أي وقت مضى أصبح خياراً متاحاً، ولا يزال سوء تصرف الصحافيين يُعتبر جريمة جنائية لا قضية مدنية. وإذا كانت نسخة القانون الجديدة تتصف بأي صفات، فهي أنها مقيِّدة أكثر من الأولى بأشواط، وتتضمن فرض غرامات على الصحافيين الذين يُعتبر أنهم يشهّرون بسمعة الإمارات العربية المتحدة أو يلحقون ضرراً بالاقتصاد. والأهم من هذا أن المجلس يستطيع أن يعتمد بفعالية على مجموعة محلية من الصحافيين الذين فُطموا على عقود من الرقابة الذاتية: فمعظم المراسلين أجانب، وقلة بينهم مستعدون لتعريض أجورهم المعفية من الضرائب وأسباب أرزاقهم في الإمارات للخطر. ويفاقم هذا الوضعَ جوٌّ من الغموض، إذ إن الصحافيين والمحررين القادرين على تحديد ما المسموح تماماً قليلو العدد. وعلى الرغم من ارتفاع بعض الأصوات معلنة عن انفتاح أكبر، أقرّ المدير العام للمجلس الوطني للإعلام في مقابلة إذاعية تعود إلى عام 2008، أي ليس منذ زمن بعيد، بأن توجيه الصحافيين انتقاداً مباشراً لأفراد الأسر الحاكمة السبع في الإمارات العربية المتحدة لا يزال جريمة يُعاقب عليها القانون. ويُعتبر هذا الموقف بمثابة كابح لحرية التعبير، لا سيما أن عدداً كبيراً من المراكز الحكومية على مستوى الإمارات أو المستوى الفدرالي يشغلها أفراد من هذه الأسر، وهم بالتالي حتماً شخصيات عامة.
وجدت صحافة أبو ظبي الناطقة بالإنكليزية الحديثة النشأة نفسها في موقف حرج للغاية. فقد اعتُبرت صحيفة جديدة تمتلكها شركة تابعة لشركة مبادلة للتنمية، التي يرأسها ولي العهد، وسيلة لتحسين الشفافية وتعزيز مصداقية الإمارات العربية المتحدة حيال الجمهورَين المحلي والعالمي، وكانت موضع ثناء على هذا الأساس، إلاّ أن فريق التحرير فيها يواجه مهمة صعبة منذ إطلاقها في أواسط عام 2008، علماً بأن السواد الأعظم من أفراده تدرّب في الغرب. لقد تمكنت الصحيفة من التقدم خطوة واحدة على الصحف الإماراتية الناطقة بالإنكليزية الأخرى لأنها أضافت تحاليل من داخل البلاد إلى البيانات الصحافية الطنانة الصادرة عن المجلس الوطني للإعلام، وأطلقت العنان لمقالات عبّرت عن تشفٍّ صحي في معرض كلامها على تطورات في دبي وإمارات أخرى، لكن على الرغم من ذلك، انحسر جوّ الحرية الذي أحاط بها في بداية عملها مع تجذّر الرقابة الذاتية المألوفة واتضاح واقع العمل تحت مظلة المجلس الوطني للإعلام. فقد تعرّضت لمقص الرقابة مقالاتٌ رفيعة المستوى نالت الإذن بالنشر وتطرقت إلى مواضيع مهمة في مجال المصلحة الوطنية، كما استخدم مسؤولون حكوميون أعمدة الصحيفة لكي يشوّهوا سمعة أكاديميين وناشطين في المجتمع المدني من دون طلب التعليقات من الأطراف المتضررة؛ ونقلت صحف أميركية كبيرة ادعاءات فريق التحرير فيها أن مناصرة حرية التعبير ليست من مسؤولياتهم. والأسوأ من كل هذا أن هذه الصحيفة وغيرها من الصحف الإماراتية تقاعست عن تناول موضوع شرائط صورت عمليات تعذيب رهيبة أمر بها شيخ سادي من شيوخ أبو ظبي لم يخضع للمحاكمة بعد، فيما شغلت بها وسائل الإعلام في سائر أنحاء العالم في أوائل عام 2009.
هذا ويتناقض استمرارُ الرقابة على الاتصالات الإلكترونية واللاسلكية مع النظام الاقتصادي التحرري في الإمارات العربية المتحدة ومع الجهود التي يبذلها ولي العهد في أبو ظبي لتحقيق الشفافية. وتعتقد شريحة واسعة من الناس أن استخدام المواقع على شبكة الإنترنت والرسائل الإلكترونية والمخابرات الهاتفية كلها تخضع للمراقبة. وفي صيف عام 2009، اكتُشف أن أكبر شركات الاتصالات اللاسلكية في الإمارات العربية المتحدة كانت تنقل برامج تنصت إلى هواتف المستهلكين المحمولة بهدف قراءة الرسائل الإلكترونية. أضف إلى ذلك أن مجموعات المباني السكنية والتجارية لا تزال تلج شبكة الإنترنت من خلال وحدة خدمة بروكسي، وتتحكم بهذه الأخيرة إمّا شركة الإمارات للإنترنت Emirates Internet and Multimedia ، وهي فرع من شركة اتصالات، أو شركة الإمارات للاتصالات المتكاملة «دو» du، وهي الأحدث وتمثّل النصف الثاني للثنائي الذي يحتكر قطاع الاتصالات في الإمارات. وتخضع هاتان بدرويهما لإشراف هيئة تنظيم الاتصالات في الإمارات. ويُفترض بهيئة تنظيم الاتصالات هذه، وفقاً لمذكرات رسمية، أن تجمد فقط مواقع تُصنَّف ضمن خانة فئات ذات محتويات محظورة. وتشمل هذه الفئات مواقع تسمح للمستخدمين بالالتفاف على وحدة خدمة البروكسي، ومواقع تروج للنشاطات الإجرامية أو الإرهابية، ومواقع الشبكات الاجتماعية التي قد تسهّل العلاقات قبل الزواج أو العلاقات المثلية، والمواقع المتعلقة بالمخدرات، والمواقع الإباحية، وخدمات القمار على الإنترنت؛ ومواقع برامج القرصنة والتنصت، والمواقع ذات المحتويات المسيئة إلى الدين؛ وخدمات الإنترنيت التي تسمح للأشخاص بإجراء اتصال مباشر في ما بينهم مثل «سكايب» (وبالتالي تتيح لهم تجنّب التعريفات الهاتفية الباهظة التي يفرضها الثنائي المحتكر).
لكن عدداً كبيراً من المواقع الأخرى مجمد تجميداً مؤقتاً أو دائماً. فتُجمَّد بانتظام خصوصاً المواقع التي تحوي معلومات عن سجناء سياسيين أو عن الاتجار بالبشر أو انتهاكات أخرى لحقوق الإنسان ويرد فيها ذكر الإمارات العربية المتحدة مباشرة أو غير مباشر. ويبقى الموقعان المعنيان بالسجون والتعذيب في الإمارات، وهما Uaeprison.com وuaetorture.com مجمدان دوماً من دون أي تبرير. فالأول يورد تفاصيل عن انتهاكات يمارسها النظام العدلي في الإمارات العربية المتحدة، بحق أجانب من جنوب آسيا في غالب الأحيان، فيما يحوي الأخير نسخاً عن شرائط عمليات التعذيب التي قام بها الشيخ السيّئ الذكر. وغالباً ما تُجمَّد أيضاً مواقع غير مسيئة تحوي معلومات عن الدينَين البهائي واليهودي وشهادات من مسلمين سابقين اعتنقوا المسيحية. كما تخضع للرقابة أحياناً مواقع الأخبار العالمية التي تنقل أنباءً لا تصب في مصلحة أفراد من الأسر الحاكمة، بما فيها، بين الحين والآخر، حتى مواقع صحف بريطانية معنية بسباق الخيل تتطرق إلى نقاط ضعف يشكو منها شيوخ من أصحاب الخيول. بيد أن ما لا يُغتفر أكثر من كل ما سبق هو تجميد مدوّنات شخصية لم يُعَد فتحها إلاّ بعد تقديم عرائض عالمية من مجتمع المدوّنات. ففي صيف عام 2005، جُمدت مدوّنة على أساس أنها تحوي صور عراة: لكن المدوّنة لم تحوِ أي صور في الواقع بل كانت توجه انتقادات علنية للفدرالية. وفي صيف سنة 2008، أعلنت هيئة تنظيم الاتصالات أن الثنائي المحتكر سيلغي تجميد آلاف المواقع التي أوقفتها الرقابة. ثم تبيّن لسوء الحظ أن هذه المواقع، وقد صار يمكن ولوجها من جديد، كانت بكل بساطة تلك التي تضم محتويات أدخل عليها أصحابها تعديلات لكي تتوافق بالتحديد مع متطلبات الهيئة، وبالتالي أُجريت رقابة ذاتية عليها.
كما بالنسبة إلى حظر الكتب (التي يمكن أن تُطلَب دوماً عبر الإنترنت)، صارت الرقابة على الإنترنت أشبه بممارسة من خارج هذا العصر، إذ إن العديد من المناطق الحرة والجامعات الجديدة، وخصوصاً تلك التي في دبي، أضحى يملك خطوط اتصال «مباشر» بالإنترنت، وبالتالي يتجاوز وحدات خدمة البروكسي. وغالباً ما يمتلك قسم كبير من مشاريع التنمية العقارية الجديدة في الإمارات العربية المتحدة خطوط اتصال خاصة به على شبكة الإنترنت، ويتيح العديد منها للمستخدم ولوج الشبكة بما لا يمكن اعتراضه. سينسف جيل جديد من تقنيات الإنترنت إجراءات الرقابة تلك، تماماً كما تسمح خدمات برنامج مشاركة الملفات الآن بتنزيل المحتويات مباشرة من أجهزة كومبيوتر أخرى، بما فيها مواقع على الإنترنت ربما جمدتها وحدة خدمة البروكسي. هذا وقد تطورت مواقع الشبكات الاجتماعية أيضاً، وأضحت وجهاً من وجوه حياة الناس اليومية: فلن تتمكن وحدة خدمة البروكسي في الإمارات أبداً من فرض الرقابة على موقعَي فايس بوك أو ماي سبايس بحجة أنهما يسهلان العلاقات قبل الزواج، وهو أمر يستطيعان القيام به، لأن حالة الهيجان الذي سيسببها ذلك بين ملايين المقيمين ستكون لامتناهية. بدهاء، انضمت السلطات ذاتها إلى فايسبوك الآن، إذ رغب آلاف من شبان الإمارات في إضافة حاكم دبي كـ«صديق» لهم إلى موقعهم، وبذلك سلّموا بملء إرادتهم مكتب حاكم غامضاً كمّاً من المعلومات الشخصية، بما فيها كل شبكات صداقاتهم وصور شخصية.
* أستاذ محاضر في العلوم السياسية، جامعة درهام، المملكة المتحدة، ومؤلّف كتابَي «دبي: هشاشة النجاح»، و«دبي: النفط وما وراءه»
(ترجمة جورجيت فرشخ فرنجية)