النقمة الشعبية العارمة على تراكم النفايات في الشوارع وبين منازل اللبنانيين دفعت بعض «محترفي» المنظمات المدنية إلى إطلاق حركة احتجاج تحت عنوان «طلعت ريحتكم». كما «في الكتب» والدورات الإعدادية الممولة من جهات غربية (خصوصاً أميركية)، التقاط اللحظة والحدث المناسبين جعل الاحتجاجات التي باشرها أفراد، تتدحرج، سريعاً، إلى حركة احتجاج واسعة انخرط في بعض نشاطاتها عشرات آلاف المواطنين.


كان في تصور المبادرين بأن النقمة والتحرك الشعبيين، عندما يجتمعان، لا بد أن يؤديا إلى فرض تحقيق مطلب يتصل بموضوع هذين النقمة والتحرك، ما يعطي شرعية عامة للجهة المبادرة، ويؤسس لتشكيل كتلة ضغط (لوبي) دائمة تنتقل، تباعاً، إلى موضوع جديد وانتصار جديد، وتأثير ومردود أكبر. هذا يفسر أن مجموعة «طلعت ريحتكن» أصرت على أن يكون موضوع التحرك هو، حصرياً، موضوع النفايات، وأن تجري إقالة وزير البيئة السيد محمد المشنوق.
لم يكن خطأً الإصرار على أولوية أو محورية مسألة النفايات. الخطأ كان في استسهال التعامل معها وكأنها مسألة معزولة عن الملفات الأخرى التي تخضع جميعاً لمنظومة المحاصصة، وبالتالي للفساد الذي بلغ أقصى وقاحته في ملف النفايات، مكرساً استهتاراً لا مثيل له بحقوق وكرامة المواطنين، واطمئناناً كاملاً لعدم حصول أي احتجاج أو محاسبة على هذا الارتكاب الفظ الجديد! ما شجع أطراف السلطة أكثر هو أن قوى التغيير التقليدية غائبة وضعيفة ومفككة وعاجزة. وحين التحق بعض هذه القوى أو أفراد منها بالتحرك فإنما فعلوا دون خطة خاصة، وبشكل عفوي غالباً وتنافسي دائماً، وغير قادر، في كل الأحوال، على التأثير الحاسم في مجريات الأحداث.
أُطلقت في سياق التحرك شعارات صحيحة لجهة المسؤولية العامة لقوى السلطة عن التدهور الشامل الذي تعاني منه البلاد (المسؤولية متفاوتة بالتأكيد). أُطلقت أيضاً شعارات لقيت صدى شعبياً واسعاً ضد الاستقطاب الطائفي الذي تتوسله القوى الحاكمة في تحالفي الثامن والرابع عشر من آذار لتنظيم وإدارة العلااقات والتباينات بين اللبنانيين بعيداً عن مصالحهم ومطالبهم. لكن هذين الأمرين (الموقف السلبي من أطراف السلطة وتأكيد الطابع اللاطائفي للتحرك) لم يستطيعا تعويض خطأ جوهري من نوع أن التحرك كان ينبغي أن يتجذَّر تباعاً لجهة إدراك أن مسألة النفايات ليست سوى رأس جبل الجليد في منظومة محاصصة لم تعد تستثني أي حقل من الحقول وصولاً إلى استسهال تكديس النفايات في البيوت والشوارع بانتظار التفاهم على صيغة جديدة لتوزيع أرباح جَمْعِها، وهي أرباح خيالية وفق أي مقارنة مع التكلفة الحقيقية في الداخل، أو مع مثيلتها في الخارج.
كان من شأن الربط الواضح والحاسم ما بين أزمة النفايات ومنظومة المحاصصة العمل على تطوير التحرك من داخله لجهة بلورة قيادة له تتبلور وتتكرس بشكل متواصل وتقوم على مبدأي المشاركة والمساواة. والمشاركة والمساواة لا يستقيمان مع احتكار القيادة والتفرد بالتحركات (وسرية بعضها) خصوصا إذا كانت خاطئة ومضرة كما حصل في «إحتلال» مقر وزارة البيئة لفرض الاستقالة على وزيرها. إن التفرد قد عزَّز من عدم الثقة، وكرس تعدد النشاطات والتنافس والانقسام. كان من الممكن أن تسير الأمور في اتجاه مختلف لو أن المجموعة المبادرة لجأت إلى المشاركة بحيث تستفيد من دور شخصيات وجمعيات وقوى مجربَّة ونزيهة ومعروفة (ولو فاتتها المبادرة في اللحظات الأولى). وقد انعكس ضرر التفرد ونقص التجربة والخبرة، في التعامل مع هلع السلطة وارتباكها واستعدادها للتنازل في المرحلة الأولى. فقد أُرغمت الحكومة على رفض المناقصة التي كانت قد أُعلنت نتائجُها. كذلك جرى إقصاء الوزير محمد المشنوق عن مهمته، ما شكل اعترافاً واضحاً بفشله ومحاسبته ولو جزئياً. كذلك الأمر بالنسبة لتوزيع مستحقات البلديات وصولاً إلى إقرار مبدأ إناطة مسألة النفايات بها: طمراً وفرزاً واحتراماً للشروط البيئية. لكن هنا، وفي هذه المحطة أيضاً، دفعت قوى التغيير ثمن عدم مبادرتها، وضعفها، وانقسام صفوفها بين طرف ملتحق، وآخر يحاول تدارك ذلك بمجموعة من النشاطات التي وإن أشارت إلى حقول فساد كبير، إلا أنها ظلت محكومة بالحذر حيال جماهيرية تحركاتها وقدرتها على العمل بمعزل عن الجهة المبادرة التي تصرفت على أساس أنها وحدها التي تستطيع أن تجذب أوساطاً واسعة من المواطنين إلى التحركات والنشاطات العامة (في المرحلة الأُولى كان ذلك صحيحاً). كان من شأن تسجيل هذه النجاحات والبناء عليها، إعطاء ثقة أكبر للتحرك وبه، ومن ثم تطوير خطة أكثر جدية وجذرية لتأمين وحدته وبلورة قيادته... وبالتالي تطوير برنامجه بالكيفية التي تنسجم مع حقائق الصراع، ومع المسؤوليات عن الأزمة اللبنانية، ومع سبل معالجتها.
في سياق التحرك ارتكبت أخطاء في التعامل مع القوى الأمنية. وهذه ذات موقع حساس في المسؤولية عن الحد الأدنى من الاستقرار الراهن بفضل مشاركتها في التصدي للتنظيمات والإرهابية والعمل على تفكيك خلاياها وتعطيل محاولاتها التخريبية. ثم ان القوى الأمنية هي الوحيدة التي ما زالت فاعلة، وعليها فقط ينعقد الحد الأدنى من التوافق اللبناني والإقليمي، فيما تعطلت كل مؤسسات الدولة الأخرى. كان من الطبيعي أن يتعاطف المواطنون مع هذه القوى إذا لم تكن هي المبادرة إلى المنع والقمع. في التجمع الأخير العام أمام مبنى «النهار» بدأ وكأن الصدام مع القوى الأمنية هو هدف الاعتصام. قلة هي التي قررت توجيه مجريات الأمور على النحو الذي شهده اللبنانيون طيلة ساعات وبشكل مزعج وغير منطقي. أثار ذلك حملة على التحرك كانت الأوسع والأجرأ وشاركت فيها اتجاهات عديدة. أثار ذلك، مجدداً، تساؤلات حول مسألة ما إذا كان البعض يرمي من وراء التحرك إلى خلق فوضى في البلاد خدمة لأهداف إقليمية. والفوضى تعم بمقدار ما يجري تعطيل دور القوى الأمنية. التعطيل هو الممر الإجباري للأمن الذاتي، ولاحقاً... للحرب الأهلية! ثم أن التحرك تكشَّف، مرة جديدة، أنه بلا قيادة موحدة، واضحة وفعالة! ما أثار الشكوك أيضاً، اجتهاد بعض الإعلام على الترويج لـ «الثورة» على غير عادة وسابق تجربة! مبكراً جرى الحديث عن تمويل سخي لبعض وسائل الإعلام. وزير الداخلية نفسه وجّه اتهامات إلى دولة «صغيرة» هي، ضمناً، دولة قطر!
الحذر من قبل بعض القوى حيال التحرك، مبدئياً، كان موقفاً خاطئاً (خصوصاً عندما يصب في مصلحة الوضع القائم). تبسيط أسبابه بالمجيء بأحد مرشحي الرئاسة لم يكن صحيحاً (الهدف أكبر وأخطر). التحريض على أن التحرك يستهدف «السُنَّة» و»بيروت رفيق الحريري» أمر لا يمكن الموافقة عليه (لا ينبغي تجاهله أيضاً)... استمرار التحرك، بالكيفية التي سار عليها حتى الآن، سيؤدي إلى المزيد من تراجعه.
لا بد من وقفة مسؤولة من قبل أطراف التحرك نفسه لمراجعة التجربة والتخلص من الفئوية والأخطاء والأخطار: الملفات مجزّأة لكن الأزمة واحدة. مدخل التعامل معها لا بد من أن يؤدي إلى البحث في إعادة تكوين السلطة بدءاً بفرض قانون انتخاب نسبي، ومواجهة الخرق المتمادي للدستور والقانون... في أثناء ذلك لا بد من معالجة الخلل القائم في واقع قوى التغيير التي يولد عجزها وغيابها عن دورها الوطني فراغاً قاتلاً يشجع جهات قد تكون غير مؤهلة أو غير وموثوقة على ملئه.
* كاتب وسياسي لبناني