بين حين وآخر، تثور ثائرة محبي فلسطين، وباغضيها، من العرب، على حد سواء، حينما يسمعون عن مقتل فلسطيني مع تنظيم «داعش» أو «جبهة النصرة» في العراق أو سوريا، أو أي ساحة للمواجهة بين المحورين القائمين في المنطقة الآن.

وسرعان ما تنهال الشتائم من المتابعين، كما تبدأ لغة التخوين الجماعية باسترجاع وصف قديم للشعب الفلسطيني بأنه «باع أرضه لليهود» منذ زمن، كأنها الكذبة الإسرائيلية التي صُممت من أجل هذه اللحظات. حتى إنه ليس غريباً أن تجد على «فايسبوك» أحداً يتحدث عن هذه الكذبة كأنها حقيقة تاريخية ثابتة.

الأخطر من ذلك، أنه حتى في قائمة المحبين ثمة من صار يرى أن الشعب الفلسطيني لم يستحق عناء المقاومين من أجل إيصال السلاح إليه، أو حتى الدعم المعنوي والتعاطف معه ضد العدوان الإسرائيلي، إلى درجة القول إن الفلسطينيين يستحقون ما يجري لهم. لكن كثيرين من هؤلاء يغيب عنهم، أو يتناسون، أن هذا الفلسطيني الذي قتل مع «داعش»، قُتل مع تنظيم ليس عمادُه الأساسي أو عدد «جهادييه» الأكبر من الفلسطينيين، بل على العكس، هم من جنسيات المتحدثين أنفسهم؛ من سوريا ولبنان والعراق والسعودية وتونس وليبيا... والقائمة تطول.
وإذا ثبت أن للقتيل مع صفوف «داعش» علاقة بأحد التنظيمات، فإن الهجوم تلقائياً يوجه إلى الفصيل الذي ينتمي إليه المقتول، حتى لو كان قد خرج بلا إذن، أو صدر بحقه قرار فصل سابق، مع أن هذا لا يبرر في الوقت نفسه عملية التحريض المذهبية الجارية في عدد من التنظيمات الفلسطينية.
وفي هذه الحالة، يُصار إلى ترقب صدور نعي من جهة ما، كحركة «حماس» التي كانت غالبية المقتولين من «داعش» على ارتباط سابق بها أو بذراعها العسكرية، ويرتقب أيضاً فحوى البيان أو التصريح من تلك الجهة عن علاقتها بالمقتول. كما لا يغيب البحث في طريقة خروجه من فلسطين، والمدة التي قضاها مع «داعش» قبل مقتله.
ويزيد حجم «الاستنكار» بناء على المكان الذي يخرج منه هذا الشخص، فإذا كان من غزة، فإن هذا يثير حتى الفلسطينيين أنفسهم، على اعتبار أن القطاع الذي يقدم دائماً كحالة محاصرة من الإسرائيليين ومصر يضره كثيراً مثل هذه النماذج الفردية (لا يلغي ذلك حقيقة انتشار المد السلفي في القطاع والتأييد المتزايد للحركات الجهادية)، خاصة في حال كان خروج بعض الأشخاص جرى منذ ما بعد عام 2013، مثلما حدث مؤخراً مع أربعة على الأقل.


لو أن لـ«داعش» مشروعاً لقتال
إسرائيل، انطلاقاً من غزة، ما «هرب» أحد من غزة ليلتحق بهذا التنظيم


أما إذا كان خروجه من القدس والضفة المحتلتين أو من الأراضي المحتلة عام 1948، ولكل من هذه المناطق خصوصياتها النفسية والسيكيولوجية، فإن لرمزية المكان هنا تأثيراً كبيراً في طريقة التعاطي مع الخبر.
وبما أن هناك وجود حالة مسلحة في غزة تفسر فكرة خروج أحد منها للقتال مع «داعش»، باعتبار أن قناعات هؤلاء أوصلتهم إلى أن قتال «الروافض» أولى من قتال اليهود، فإن هذا الأمر لا ينسحب على المناطق الثلاثة الأخرى، التي تفتقد إلى عنصر القتال المسلح ضد إسرائيل.
في الجهة المقابلة، ثمة من الفلسطينيين وغيرهم، من ينعى المقتول على أنه «شهيد» ترك «أرض الرباط» ليجاهد «الجهاد الأكبر» ضد «أنظمة طاغية ومستبدة»، متناسين أن «داعش» ومشروع «خلافته»، لا علاقة له، أو في أحسن الأحوال ليس من أولوياته حالياً، قضية اسمها فلسطين.
وجولاتٌ متفرقة على صفحات هؤلاء المقتولين توضح أنهم ينطلقون من خلفيات دينية ــ سلفية واضحة، مع أن جزءاً محدوداً منهم لا تظهر عليه سمات التشدد المعروفة، كإطلاق اللحى وكثرة الصور ذات المحتوى الديني، ولكن قادتهم حظوظ سيئة ورفاق أسوأ إلى تركيا، ومن هناك يدخلون إلى سوريا ولا يعودون، ثم تصدم عائلاتهم بنبأ مقتلهم.
على وجه العموم، فإن بعض الفلسطينيين نمت فيهم رغبة في الانضمام إلى «داعش» والقتال معها بسبب اختراق التوجهات السلفية لمجتمعهم، وهو داء أصاب المجتمعات العربية بلا استثناء، وتحديداً منذ أحداث 11 أيلول التي لم يمر على ذكراها الرابعة العشرة الكثير.
وترافقت آنذاك مع تعاطف شرائح كثيرة، مع فكر تنظيم «القاعدة» في الأساس، ثم نما هذا «التعاطف» خلال الاحتلال الأميركي للعراق (كانت الإصدارات المرئية لعمليات القاعدة ضد الأميركيين تملأ الأسواق)، وصولاً إلى خراب «الربيع العربي» (خطاب إسقاط الطواغيت).
الشعب الفلسطيني، بطبيعة الحال، لا يمكن أن يعيش مصيراً معزولاً عن هذه المؤثرات ما دام جزءاً من المنطقة، بل هو دائماً كان مع فكرة كسر حدود (سايكس ــ بيكو) والتقدم نحو فلسطين لتحريرها، لذا من الطبيعي أن ينطبق عليه ما ينطبق على شعوب المنطقة، حتى في حال كان يعيش احتلالاً منذ أكثر من 67 عاماً، بل إن غياب الأفق لحل قضيته والضياع السياسي الذي تفتعله الفصائل الفلسطينية، من الأسباب التي تدفع الشباب إلى هدر طاقاتهم وأرواحهم في غير محلها، تحت عنوان أن فلسطين لن تحرر إلا إذا سقط «الطواغيت» وقامت
«الخلافة».
أما ما يجب التنبيه إليه، وخاصة بين الفلسطينيين، فإنهم عملياً لا يلقون من «داعش» وتأييدها إلا كل سيئ؛ ففضلاً على التعامل الدموي في التجربة الكبيرة بين اللاجئين في مخيم اليرموك (سوريا) وعناصر التنظيم الذين استباحوا دماءهم بعد تكفيرهم، يخرج بعض الغزيين ممن التحقوا بـ«داعش» ليسجلوا تهديداً مصوراً لشعبهم في غزة، يتوعدونه فيه بـ«بحور من الدم».
ولو أن حقاً لـ«داعش» مشروعاً لقتال إسرائيل، انطلاقاً من غزة باعتبارها أرضية للمقاومة المسلحة، ما «هرب» أحد من غزة ليلتحق بهذا التنظيم ويعبر الحدود ويخاطر بنفسه، للقتال في أرض ليست أرضه، ومن أجل مشروع يحقّر قيمة المسجد الأقصى في مبدئه «العقائدي» (تكفي مراجعة كتاب «اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم» لابن تيمية لمعرفة ذلك).
من يفعل ذلك، يحمل قضيته الوطنية إلى موضع أصبح فيه الفلسطيني غير مرغوب فيه بين العواصم العربية، بل مضطراً إلى شرح ماذا تعني فلسطين في وجدان الأمة مرة أخرى، وكم أخطأ العرب بحقها... قبل أن يحاسبها العرب على بعض أخطاء أبنائها.
أخيراً، فإن فكرة الموقف المحايد، التي تتشدق بها الجهات المحتكرة لتمثيل الشعب الفلسطيني ولا تمارسها فعلاً، كانت تشكل غطاء على حالة الاصطفاف المذهبي التي بدأتها «حماس» أولاً، وشاركت فيها «فتح» نكاية بغريمتها (إلى جانب «حزب التحرير» و«الحركة الإسلامية» ــ رائد صلاح، والجمعيات السلفية).
وإن كان فعلاً لا يمكننا تحييد أنفسنا عن هذه المعركة، القائمة أصلاً بين أطراف كانت تدافع وتدعم من أجل فلسطين وأطراف أخرى تحمل «كلمة حق يراد بها باطل»، فإن علينا أولاً أن نكف عن هذه الكذبة، ثم نصارح أنفسنا وشعبنا إلى ما لا نهاية: هل نحن فلسطينيون أوفياء لمن وقف معنا ويعلن ليل نهار أنه يريد المواصلة معنا إلى النهاية؟ أم إننا مستعدون لنزج أنفسنا في هذه المعركة التي طاولتنا كما غيرنا بما أن الحرب دقت طبولها، ومن دون أن نتشدق بمقولة أن «من وقف معنا بالحق لن نقف معه بالباطل»، بدلاً من أن نترك شبابنا يحصدون ما زرعناه في السنوات الأخيرة ثم نبرئ أنفسنا في الإعلام ببيان نفي يتبعه
آخر.
في كل الأحوال، علينا أن نتحمل شتائم الصديق والعدو، ما دمنا بداية لم نكن أوفياء مع الصديق.
* من أسرة «الأخبار»