«أن يكون الخبراء على علمٍ بأن روسيا تملك، افتراضاً، هذه الأسلحة شيء؛ ولكن أن يشاهدوا، للمرة الأولى، انها موجودة بالفعل… وأن روسيا مستعدة لاستخدامها... هو شيءٌ آخر». بهذه العبارات تكلّم فلاديمير بوتين، في مقابلة للتلفزيون الرسمي، عن الصواريخ الجوالة التي أطلقتها سفنٌ روسية من بحر قزوين، لتجتاز أجواء ايران والعراق وتضرب أهدافاً على بعد 1500 كيلومتر، في سوريا.


في رسالة الى الجمهور المحلي والخبراء الغربيين، تحدّث الرئيس الروسي بشغفٍ عن الصواريخ ومزاياها: «هي صواريخ «كاليبر»، لقد بدأنا بادخالها في الخدمة منذ وقت قريب، عام 2012 … لقد اجتازت بلدين، وانعطفت 147 مرة خلال مسارها، وطارت على علوّ يتراوح بين 80 و1300 متر».
كتب الكثيرون عن ضربة الصواريخ الروسية في السابع من الشهر الجاري باعتبارها «رسالةً» أكثر منها عملاً عسكرياً. الأسباب بديهية، فروسيا، في سوريا، تمتلك وسائط أسهل بكثير من الـ «كاليبر»، وأقل تعقيداً وكلفةً، من أجل وضع 450 كيلوغراماً من المتفجرات فوق هدفٍ ما (كانت هناك نظرية أن الأجواء فوق وسط سوريا كانت متلبدة بالغيوم يوم الضربة، ما حدّ من الغارات الجوية واستلزم الصواريخ، غير أن الذخائر الجوية الروسية يمكن توجيهها بالأقمار الاصطناعية ايضاً، كما أن الحملة «الدعائية» التي أحاطت بالضربة، وتصوير طواقم السفن وهي تطلق الصواريخ، هي دلائل تشير الى تحضير مسبق).
الصاروخ الجوال الروسي «كاليبر»، بنسخته البعيدة المدى، يشبه الى حدّ بعيد الـ «توماهوك» الأميركي في الأداء والتقنية، أي انّه يحمل محرّكاً نفاثاً كمحرّك الطائرة، «يتنشّق» الهواء في الجوّ من حوله ويستخدمه في عملية الاحتراق، بدلاً من الاضطرار الى حمل الأوكسيجين والوقود معاً كما في المحركات الصاروخية. هذا يعطي الصاروخ الجوال مدىً أكبر مع حمولة معتبرة مقارنة بالصاروخ التقليدي، ولكن على حساب السرعة التي لا تفوق سرعة طائرة مدنية. لهذا السبب، كانت هذه التقنية تستخدم بشكلٍ أساسي في الصواريخ المضادة للسفن، حتى ظهرت وسائط التوجيه الحديثة (سواء عبر الأقمار الاصطناعية أو رادارات تمسح التضاريس وتحدد موقع الصاروخ) لتصبح صواريخ «كروز» سلاحاً مثالياً لضربات في عمق أراضي العدو، خفيّة ولا يرصدها الرادار، وتأخذ مسارات متعرجة لا يمكن توقعها ــــ كأنك تتحكم عن بعد بطائرة مدنية.
روسيا لم تثبت فقط أنها صارت تمتلك هذه الصواريخ، وتقدر على استعمالها بأعدادٍ وبفعالية، فهي ليست، في حدّ ذاتها فتحاً تقنياً. ولكن روسيا أظهرت أنّ نظام «غلوناس» لتحديد المواقع، الذي تأخر تجهيز أقماره الاصطناعية لسنوات طويلة، قد صار جاهزاً للإستعمالات العسكرية الدقيقة (وهذا ركنٌ أساسي لأي دولة تبغي بناء قوة عسكرية مستقلة)؛ وأنها قادرة على ضرب أي مكان في اوروبا بسهولة. وقد جاءت هذه القوة النارية كلّها (26 صاروخاً) من سفن «كورفيت» صغيرة في الحجم في بحر قزوين، فماذا عن عشرات الغواصات التي تحمل هذه الصواريخ، والقطع البحرية الكبيرة التي ستدخل الخدمة مستقبلاً؟
هناك ايضاً رسالة «تجارية». فالسفن التي استخدمت في الهجمات، وتمّ ابرازها في تسجيلات احترافية، معروضة للبيع في سوق التصدير، وتقوم روسيا بتسويقها بحماسة؛ اضافة الى صواريخ «كاليبر» نفسها، ولكن ليس بالنسخة الجوالة البعيدة المدى التي استخدمت في سوريا. بسبب المعاهدات الدولية، تنتج روسيا نسخة تصديرية من الـ «كاليبر»، اسمها «كلوب»، يقتصر مداها على 300 كيلومتر، اضافة الى صاروخ من العائلة نفسها مصمّم لاستهداف السفن الحربية ميزته انه يتسارع، حين يقترب من هدفه، الى أضعاف سرعة الصوت ويناور لتضليل أنظمة الدفاع، ويسوّقه الروس على انه «مثالي» لإغراق حاملة طائرات. هذا من بين الأسباب التي دفعت الأميركيين الى ترويج رواية عن سقوط عددٍ من الصواريخ الروسية في ايران، وتركيز التغطية الإعلامية على هذه الزاوية من الحدث. الخبر قد يكون صحيحاً وقد لا يكون، ولكنه غير مستغرب: حين أعلن الأميركيون، في حرب يوغوسلافيا مثلاً، أن 90% من صواريخ «توماهوك» قد ضربت أهدافها، فهذا يعني أن صاروخاً من كلّ عشرةٍ قد ضلّ طريقه، وأغلبها سقط في البحار ولم يخرج الى الإعلام (الا حين كاد أحدها أن يتسبب بمجزرة في العاصمة البلغارية، بعيداً مئات الكيلومترات عن هدفه).
يبقى أن هذا «العرض» (على عكس ما يفترضه المحرّضون على روسيا في الغرب والمفتونون بها في بلادنا) لا يسعى الى مناطحة اميركا على حكم العالم أو ادعاء نديّة عسكرية معها. كما لفت تقريرٌ غربي، لو اننا قارننا الـ «كاليبر» الروسي بنظيره الـ «توماهوك» (وهو موجود في ترسانة اميركا منذ الثمانينيات) فإن اميركا تحمل، على متن مدمراتها الضخمة والكثيرة، ستين ضعف القوة النارية التي يؤمنها «كاليبر» لروسيا. هذه «الرسائل» هي، في جانبٍ أساسي منها، «دفاعية» بحتة، في وجه قوة اميركية تحاصر وتفرض حروباً اقتصادية، وتخطط علناً لعزل الخصوم واضعافهم. الجمهور الروسي لا يؤيد بوتين، كما يدعي الاعلام الغربي، لأنه «مضلل» ومخدوع بشعارات السلطة وصحافتها (وهو شعبٌ متعلّم بغالبيته وأكثر نقدية، عموماً، من الجمهور الغربي). ولا تثير الصواريخ المجنحة اعجابه لأنه يتوهّم مجداً امبراطورياً وهيمنة على شعوب أخرى. بل لأنه يرى أن بوتين، ببساطة، قد انتشله من الهوة التي سقطت فيها روسيا في التسعينيات، وهو لا يريد لتلك الأيام أن تعود، ويعرف أن كلفة نجاح الاستراتيجية الغربية ضد روسيا وبوتين لن تقل عن كلفة «نجاحها» ضد الاتحاد السوفياتي.
(على الهامش: منذ يومين، حشدت منظمات روسية لمظاهرة ضد بوتين في موسكو، تحتج على التدخل العسكري في سوريا، فحضرها ــــ وفق «الجزيرة» ــــ 150 روسياً بالتمام والكمال).