«تخيّل أن تندلع الحرب العالمية الثالثة، ولا تسمع بها»، بهذه الكلمات استهل الكاتب الألماني اليساري الإيراني الأصل بهمان نيروماند كتابه «الحرب العالمية غير المعلنة – اللاعبون والمصالح في الشرقين الأوسط والأدنى»، الذي صدر عام 2007. يخلص الكتاب وبعد جولة على بؤر الصراع في المنطقة من أفغانستان وباكستان إلى فلسطين مع التعريج على «استخدام الإسلام السياسي» وعلى «تشابكات مصالح الغاز» إلى أنّ المنطقة تشهد حرباً عالمية حقيقية لكن لم يتفضّل أحدٌ بإعلانها على خلاف مثيلتيها في القرن الماضي.


وبالاعتماد على هذا الطرح الاستراتيجي يمكن شرح نقاط عديدة في أزمات وقعت (وستقع) بعدها بسنوات، دون نفي التناقضات الداخلية والمحلية التي ساهمت وتساهم في اندلاع الصراعات. وتأتي الأزمة السورية على رأس هذه الصراعات، حيث غاب بُعدها كحرب عالمية - في أحد أوجهها – لسنوات بسبب الضخ الإعلامي المنظم من جهة وتشابك عوامل موضوعية محلية وإقليمية في ثناياها من جهة أخرى. يقول تعبيرٌ ألماني متداول: «من كثرة الأشجار لم نرَ الغابة»، وترجمته في الواقع السوري هي: «من كثرة المعارك لم نرَ الحرب». لم يُطرح البعد الاستراتيجي الدولي للأزمة السورية بشكل جدّي وخارج إطار التعابير الإنشائية كحرب عالمية إلا مع دخول الروس بقوة على الخط مؤخراً، رغم أن محطات لحرب كانت قد تجلّت سورياً منذ وقت طويل.

أجواء الروس صافية... وملبّدة

ولعلّ ما ساهم في سوء الفهم هذا هو الطريقة الروسية الطويلة النفس والخفيضة الصوت في التعامل مع الأزمة السورية، باستثناء لحظات دبلوماسية رفع فيها الروس (والصينيون) أيديهم في مجلس الأمن فأحبطوا ما يعتبرون أنه كان سيمثّل «اختراقاً» لجبهتهم. كما ساهمت أدبيات المعارضة السورية الخارجية في «تغييم» الصورة أكثر، وخاصة عند تناولها للدعم الروسي لدمشق على أنه دعم لشخص أو عائلة أو طائفة أو حزب أو نظام حكم. بينما كانت المؤشرات العسكرية على الأرض لا تبخل بالأدلة على الحرب الساخنة الأشمل. ولعلّ أولى المؤشرات هي ضربات المسلحين في سوريا (من دون أي توصيف آخر لهم لأسباب ستتوضح لاحقاً) لنوعين من الأهداف: المطارات وقواعد الدفاع الجوي. فالمطارات هوجمت في وقتٍ لم تنطلق فيه أي طائرة سورية للمشاركة في مجريات الميدان (2012) الذي لم يكن ليحتاج إلى نشاط عسكري جوّي أو ليسمح به، إلا إذا أخذنا بروايات «شهود عيان» بعض الفضائيات الخليجية عن تظاهرات في اللاذقية تُهاجم «من الجو والبحر». أما قواعد الدفاع الجوي فلم يكن وليس لها إلى اليوم أي دور في الأحداث على الأرض باعتبار أن «الخصم» لا يمتلك الطائرات مبدئياً. لا طائل عسكرياً من مهاجمة المطارات في تلك المرحلة إلا للتمهيد لحرب شاملة واستراتيجية يديرها «طرف خارجي»، ولا يمكن عسكرياً وضع معارك المطارات بهذا المعنى إلا في إطار الحاجة إليها لـ»هبوط» طائرات في - لا إقلاعها من - هذه المطارات، أي استقدام «قوات تدخل سريع دولية» في مراحل لاحقة من صراعٍ دولي – عالمي. كما لا يمكن وضع الهجمات على قواعد الدفاع الجوّي إلا في إطار السعي إلى «منطقة حظر جوّي» مذّاك، تُفرض من قوى خارجية. يُضاف إلى ذلك أن المطارات وقواعد الدفاع الجوّي هي أهداف غالباً ما تكون خارج حدود المدن والمناطق المأهولة بكثافة، ما ينفي نظرية «المتظاهر الذي تسلّح بعد تعرضه لإطلاق النار وقرّر مهاجمة الأهداف العسكرية التي وجدها أمامه». فالمطارات وقواعد الدفاع الجوّي تحتاج إلى قوات مدربة وتحضيرات لوجستية على مستوى شديد التعقيد. أما ثاني المؤشرات على «عالمية» الحرب فكانت قضية نصب صواريخ باتريوت في تركيا في عام 2012.


المطارات هوجمت قبل أن تنطلق أيّ طائرة للمشاركة في مجريات الميدان


ابتلع الرأي العام العربي والغربي بمعيّة «الإعلام الحرّ» روايةَ خطرِ إطلاق سوريا لصواريخ بالستية على المدن التركية وضرورةِ قيام حلف الأطلسي بحماية تركيا من خلال صواريخ وطواقم من الولايات المتحدة الأميركية وهولندا وألمانيا (صوّت البرلمان الألماني بكامل قواه العقلية على نصب الصواريخ التي يحتاج إرسالها وفق الدستور إلى موافقة البرلمان، بينما هاجم متظاهرون أتراك يساريون حينها جنود برلين وسخروا منهم). أيضاً صواريخ الباتريوت لا ينفكّ لُغزها إلا بربطها بحربٍ شاملة – سواء ارتبطت احتمالات هذه الحرب بإيران الغارقة آنذاك في أزمتها النووية، أو بروسيا المحتجة دائماً على نصب دروع صاروخية في أوروبا الشرقية أو تركيا -، أي بحربٍ شاملةٍ لا تتناسب بأي حال من الأحوال مع الأوضاع الميدانية القائمة في سوريا بعد أقل من عام على اندلاع أزمتها. وبهذا المعنى لا يكون «الدخول» الروسي المرئي بقوة مؤخراً إلا استمراراً عادياً للمعارك والمتعاركين، مع جرعة روسية مرتفعة من السخرية والانتقام في مواجهة «الرواية» الغربية، تمثّلت في الاستهزاء بالطرف الآخر من خلال الحديث عن «جوّ صحوّ في سماء سوريا مناسبٌ للطلعات الجوية» في نشرة الطقس في التلفزيون الروسي الرسمي، مع حديث «دبلوماسي» في الوقت نفسه عن «سوء الأحوال الجوية» التي تطيح أحياناً بطائرات السوخوي إلى داخل الحدود التركية - الأطلسية.

مناخات الأطراف الأخرى

بينما كان الجيش السوري يخسرُ مطاراتٍ وقواعدَ دفاع جوّي من جهة وينفّذ على مدى أكثر من أربع سنوات سيناريوهاتِ انتشار تحاول التعامل مع حرب عالمية «ما بعد حداثية» من جهة أخرى، كان «المناخ» العسكري على الجانب الآخر لا يقلّ «عالميةً» وغموضاً. لم تغب المؤشرات هنا أيضاً على تحركاتٍ تتجاوز صراعاً داخلياً أو تنافساً إقليمياً. البداية من «داعش» التي لا يعرف أحدٌ نظرياً - ويشمّ الجميع عملياً - قصةَ نشوئه وتطوره وتسليحه وتمويله وتحركات مقاتليه، في مشهدٍ يوحي بأن وراء «الدولة الإسلامية» ما وراءها. وبعيداً عن الحاجة إلى ثلاثين عاماً لهزيمة «داعش»، كما صرحت مصادر في البنتاغون في وقت سابق، تكفي متابعة التصريحات الأميركية بخصوص تعداد مقاتلي «داعش -الدولة» في الأشهر الماضية للدلالة على «الاستخدام الدولي» لهذا التنظيم. حيث ذكر ريان تراباني، المتحدث باسم «سي آي إي» في سبتمبر/ أيلول 2014 وجودَ عشرين إلى ثلاثين ألف مقاتل في صفوف «داعش». تبعه نائب وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن في يونيو/ حزيران 2015 بتصريح في مؤتمر باريس عن أن غارات التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن قتلت عشرة آلاف على الأقل من مقاتلي «داعش» (غير من قُتلوا في معارك مع أطراف أخرى)، ونسي بلينكن أن إحصائيات العلوم العسكرية تَحسب وسطياً ثلاثة مصابين مقابل كل مقاتل يسقط في المعركة، أي أنه تجب إضافة ثلاثين ألف مصاب إلى القتلى العشرة آلاف. وبهذا يكون تنظيم «داعش» قد انتهى إحصائياً وعسكرياً. لكن واشنطن استدركت الأمر حين نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» في سبتمبر/ أيلول الماضي مستندة إلى مصادر قضائية ومخابراتية أميركية أن عدد المسلحين الأجانب وحدهم داخل التنظيم يبلغ 30000 مقاتل. وإذا ما كانت نسبة هؤلاء 30% فحسب من إجمالي مجموع المقاتلين فإن الحديث هنا يتم عمّا لا يقلّ عن 100000 مقاتل. خلاصة هذه الأرقام أن الأعداد أكثر من المعلن عنه، وتزيد وتنقص وفق احتياجات «الأطراف الدولية»، وأن دخول عشرات الآلاف عبر الحدود التركية - الأطلسية مع سوريا لا يمكن أن يتم إلا بجهد «عالمي - دولي»، عدا عن أن التحريك السريع لهذا «الجيش» العرمرم على الساحتين العراقية والسورية يتطلب إمكانيات لوجستية وتنظيمية ومادية هائلة تثير التساؤلات. ولا يختلف وضع «جبهة النصرة» عن شقيقتها «داعش» غموضاً. وإذا كان المتفق عليه أن دعماً تركياً وقطرياً يظلّل هذا التنظيم بفيئه فإن الأعداد والإمكانيات الحقيقية تبقى مخبّأة خلف تسميات مثل «جيش الفتح» تارة و»المعارضة المسلحة» تارة أخرى، إذا ما تجاوزنا تسميات قديمة استُخدمت في بداية الأزمة وكانت أكثر مواربةً مثل «الجيش الحر» و»كتائب الثوار». علماً أن الجيش الحر اتخّذ تعريفاً آخر مؤخراً غير تعريف «الضابط المنشق الذي يرفض إطلاق النار على الشعب» الذي ساد في بداية الأزمة، وغير تعريف «المتظاهر السلمي الذي طفح به الكيل ورفع السلاح بوجه النظام القاتل» في وسط الأزمة. التعريف الجديد للمعارضة المسلحة المعتدلة ممثلة في الجيش الحر خرج به السيناتور الجمهوري جون ماكين الذي انتقد مؤخراً قصف الطائرات الروسية لقوات «المعارضة السورية المعتدلة التي دربتها السي آي إي في قطر والسعودية». هذا التورّط الدولي الأبعاد بنكهات محلية هو ما دفع وزير الخارجية الروسي إلى المناورة في نيويورك مؤخراً بالحديث عن أن «الجيش الحرّ ليس إرهابياً، ويمكن أن يكون جزءاً من الحل»، لإغراء واشنطن بالتعاون وإدخال «جماعتها» في المعادلات الجديدة. وحين تعقّدت الأمور قال لافروف بعدها بأيام: «تنظيم الجيش الحر بات وهمياً... وعلى الأقل طلبت من وزير الخارجية الأميركي جون كيري تقديم معلومات ما حول مواقع هذا الجيش السوري الحر وقادته».
سيقدم الأميركيون شيئاً ما، وسيقدّم الروس طروحاتهم، لكن ليس الآن، بل في «مؤتمر يالطا» (أو جنيف؟) الجديد، إذا ما وصل (وتوصّل) الطرفان إليه. الأزمة السورية كساحة لحرب عالمية لا تعني - كما أثبتت تجارب القرن الماضي - جمود الجبهات أو أبديةَ العداوات والتحالفات. هي تعني فحسب أن «المنتصرين» المتنافسين، أيّاً كانوا، سيتقاسمون النفوذ على حساب «المنهزمين»، أيّا كانوا. فالتاريخ يقول إن الحروب تنتهي حين تخرج بتعريفٍ متفق عليه للجبهات وللمنتصرين والمنهزمين. وحتى ذلك الحين يبقى الجوّ صحواً مناسباً للتحركات العسكرية، وتبقى الحرب عالمية.
* صحافي سوري ــ برلين