في الوقت الذي تستعر فيه الحرب السورية من دون أفق واضح للحل، ومن دون كثير مراهنة على التهدئة المعلنة التي تستبعد داعش والنصرة، بدأ الكلام من الشرق والغرب عن الفيدرالية مستقبَلاً لسوريا، في وقت تستمر فيه أطراف عدة، سورية وإقليمية بالسعي إلى الحسم العسكري لإسقاط هذا الخيار.
اللافت أن ثمة تلاقياً أميركياً روسياً على حصر الصراع السوري وضبطه على إيقاع المصالح الخاصة لكل منهم، والمصالح المشتركة لهما. فما الذي يمكن أن يجمع طرفي الحرب الباردة؟ وعلام يلتقيان بالضبط؟ ولماذا سوريا؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة تستدعي عودة سريعة إلى التاريخ الحديث للمنطقة، وتحديد موقع سوريا فيه من الناحية الجيوسياسية.
ففي الذكرى المئوية الأولى لاتفاقية «سايكس بيكو» (1916-2016) يشهد الشرق الأوسط عملية إعادة تفكيك وتركيب «Remodelage» للمنطقة العربية. هذه الاتفاقية شكلت الإطار التاريخي الجيوسياسي للنظام العالمي منذ مئة عام، وصولاً إلى وقتنا الحالي، وانعكس على الشرق الأوسط وتحديداً سوريا، مرتكزاً مرجعياً تحليلياً.
انقسم قرن سايكس بيكو إلى حقبات تميّز كل واحد منها بتغير موازين القوى، وبالتالي في العلاقات الدولية والنظام العالمي.
الحقبة الأولى: في بداية القرن العشرين، وتحديداً في عام 1916 مع توقيع الاتفاقية بين القوتين الاستعماريتين بريطانيا وفرنسا. تلا هذه الاتفاقية وعد «بلفور» عام 1917 الذي أعطى الحق للكيان الإسرائيلي الغاصب بإقامة دولته في أرض فلسطين. ومع انهيار الإمبراطورية العثمانية في الشرق، وتقاسم إرثها في المنطقة من قبل القوى الاستعمارية المنتصرة، حيث أعطت عصبة الأمم الحق لفرنسا بالانتداب على لبنان وسوريا، ولبريطانيا على العراق وفلسطين وفي ما بعد على الأردن.
الحقبة الثانية: تمثلت في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية مع انعقاد مؤتمر يالطا عام 1945، بين الدول المنتصرة آنذاك، أي الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي وبريطانيا، وقد شاركت فرنسا التي لم تنتصر طبعاً، بقوة الدفع البريطاني، بهدف الوقوف بوجه الروس والأميركيين.
وبالرغم من أن القوتين، الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، كانتا حليفتين ضد قوات المحور في الحرب العالمية الثانية، إلا أنهما اختلفتا في كيفية إدارة ما بعد الحرب وإعادة بناء العالم. فتشكلت موازين قوى جديدة مع الحرب الباردة، وأصبح النظام العالمي ثنائي الأقطاب ما بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة، حيث جرى تقاسم مناطق النفوذ بينهما. استمرت هذه الحقبة منذ سنة 1945 إلى سنة 1990.
الحقبة الثالثة: بدأت منذ سنة 1991 مع انهيار الاتحاد السوفياتي وسقوط جدار برلين، وانتصار الولايات المتحدة، وهي تعتبر بداية في العلاقات الدولية لحقبة جديدة في تاريخ موازين القوى الدولية، جعلت من الولايات المتحدة اللاعب الأوحد. وقد امتدت هذه المرحلة ما بين عامي 1990 و2003. وتمثلت بدخول المنتصر في الحرب الباردة إلى الكويت، برئاسة جورج بوش الأب لإخراج الجيش العراقي.
جرت تهيئة احتلال العراق الأول من خلال تحالف دولي تحت شعار «القضاء على أسلحة الدمار الشامل» حيث لعب الإعلام دوراً مهماً في تهيئة الرأي العام. كذلك وضعت الولايات المتحدة الأمم المتحدة وحلف شمال الأطلسي تحت جناحها، حتى جرى الوصول الى ما يسمى «العولمة» و«الإقليمية» من خلال أول مشروع اقتصادي للشرق الأوسط الكبير في مؤتمر عمان 1993، ما جعل الولايات المتحدة المايسترو الوحيد الذي ينظم العلاقات الدولية، وينظم أيضاً موازين القوى. فقامت بسلسلة من الإجراءات شكلت مؤشرات على قوتها من جهة، وترتيباً للإرث من جهة أخرى حيث:
أتت بحلف شمال الأطلسي لضرب الاتحاد اليوغوسلافي المركب من إتنيات ودول، والذي صار نتيجة لذلك مجموعات تتقاتل. وكان ذلك «مقدمة» لضرب وتفتيت الاتحاد الروسي لاحقاً.
ــ إرسال طائرة من ساراييفو إلى باريس، وفي ذلك إشارة إلى أن الولايات المتحدة قادرة على ضرب أوروبا في كل مكان، التي دفعت الاتحاد الأوروبي في مؤتمر رامبوييه إلى إنشاء قوة تدخل سريع قوامها 63 ألف جندي.
ــ سحب قواتها العسكرية إلى الخليج العربي (إلى قطر والبحرين...) وإنشاء قواعد عسكرية فيها، ما أزال الحماية النوعية عن أوروبا.
ــ تنظيم العلاقات الدولية في عالم متجدد.
في الحرب الأميركية الثانية على العراق بعد هجمات 11 أيلول 2001، هيأت الولايات المتحدة دخولها العسكري من خلال تحالف دولي كبير، ونالت العطف العالمي حتى من الصين وروسيا، ما سمح لها باحتلال أفغانستان واقتلاع حركة طالبان تحت شعار «استئصال الحركات الإسلامية المتطرفة». أما في العراق والحرب عليه عام 2003 فجاء بعدما اتخذ مجلس الأمن القرار 1441 الذي فسّرته الدوائر الأميركية بأنه يحق للقوات المسلحة الولية بشنّ حرب على نظام صدام حسين الذي يخفي أسلحة دمار شامل!
تاريخياً امتلكت أميركا نظرة استراتيجية معينة حول كيفية إمرار أنابيب النفط والغاز من جمهوريات آسيا الوسطى الإسلامية السابقة في الاتحاد السوفياتي، إلى المحيط الهندي. وظهر ذلك من خلال دلالات ومؤشرات جيوسياسية، منها وضع حلف الناتو (واسمه الرسمي معاهدة الصداقة والتعاون والمساعدة المشتركة، وهي منظمة عسكرية سابقة) على حدود الصين، وإعطاء «القاعدة» أسلحة من أجل إفشال تدخل الاتحاد السوفياتي ودفعه إلى الخروج منهكاً من أفغانستان التي تُعَدّ الدولة عبر التاريخ دولة تومبون tompon، أي دولة عازلة بين منطقتين، وممر ما يسمى تاريخياً استراتيجية ماركو بولو سابقاً، أي طريق الحرير التي تبدأ من شواطئ البحر الأبيض المتوسط، أي فلسطين ولبنان، وصولاً إلى الصين، مروراً بجمهوريات آسيا الوسطى. والجدير بالذكر أنه تاريخياً لم تستطع الإمبراطورية البريطانية احتلال أفغانستان. وأميركا هي الوحيدة التي لم تكن ضمن هذه الاستراتيجية، لذا فقد سعت إلى ذلك.
ثمة علاقة واضحة بين تلك الحقبة وما يحصل في العالم حالياً وتحديداً في الأزمة السورية، إذ في 2003 وبعد الحرب على العراق حيث انتصرت الآلة العسكرية الأميركية على صدام حسين، بدأت المقاومة ضدها وبدأت القوى الدولية تبحث عن مصالحها. لذا نستشعر أن كلمة القيم في بداية القرن العشرين (الديموقراطية والإنسانية) استُبدل بها مصطلح جديد، هو المصالح في لعبة الأمم في بداية القرن الواحد والعشرين.
اندلعت الأزمة السورية من ضمن ما يسمى إعادة التفكيك والتركيب، أي الـ remodelage للفضاء الإسلامي الذي يتكون منه العالم العربي، والفضاء هو مصطلح سياسي جديد أيضاً في العلاقات الدولية حل مكان مصطلح «المدى الاستراتيجي»، والأزمة السورية هي إحدى الأزمات الرئيسية، بالإضافة إلى أزمات أخرى في هذا العالم العربي ضمن الفضاء الإسلامي الكبير.

يشهد الشرق
الأوسط عملية إعادة تفكيك وتركيب

تلعب سوريا دوراً مهماً في إعادة التركيب والتفكيك هذا نظراً إلى موقعها الجيوسياسي والاستراتيجي، حيث تشكل حجر الزاوية في مرور أنابيب النفط. فخلال مؤتمر دمشق في عام 2010 الذي شارك فيه الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، وأمير دولة قطر حمد بن جاسم آل ثاني، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، حينها طلب من الرئيس السوري بشار الأسد السماح بأن يكون مرناً بمرور أنابيب النفط أو الغاز القطرية إلى تركيا، مقابل جعله أحد اللاعبين الكبار في إعادة تشكيل العالم العربي، إلا أنه رفض ذلك. لأن مرورها في سوريا يتطلب تغييراً في السياسة التي ينتهجها النظام ويشكل إضعافاً للبلد الصديق والحليف، أي روسيا. وقد عرفت موسكو ذلك. لذا لم تتراجع عن دعم سوريا في خلال الأزمة، لأن قوتها تكمن فيها. وطلبهم هذا ينبع من الخوف الأوروبي من سيطرة روسيا على أنابيب الغاز التي تمر عبر روسيا وخطرها على الأمن القومي الأوروبي، فكانوا يفتشون عن مناطق بديلة، ولا سيما أن ما حصل في أزمة جورجيا عزز هذه المخاوف، عندما قدمت طلبها الانضمام إلى حلف الأطلسي، فلم تقف روسيا متفرجة فقامت بالتدخل عسكرياً.
وهناك مؤشرات أخرى مثل الصورة المشتركة بين أردوغان والأسد عام 2008، واستقباله في الإليزيه من قبل ساركوزي حيث بدا وكأنه شهر عسل فرنسي - سوري. وفي الفترة نفسها كان البحث جارٍ عن طاقات بديلة كالطاقة النووية التي تُعَدّ الأكثر إنتاجية، إلا أن خطورتها تكمن في وقوعها في أيدي الإرهابيين، بالإضافة إلى استخدام الطاقة الشمسية والطاقات الطبيعية.
الهلال الشيعي ليس كما يشاع عنه، بل هو محور يبدأ من إيران، العراق، سوريا، لبنان، مقابل المحور السعودي الذي يضم المملكة العربية السعودية ودول الخليج والمملكة المغربية. وتكمن أهمية المحور الأول في أنه يربط بين زاويتين لهما دورهما في إعادة رسم موازين القوى الدولية الجديدة، هما الاتحاد الروسي من جهة، والصين القوة الكبرى الصاعدة من جهة ثانية.
كذلك، تسعى الولايات المتحدة الأميركية، بالمقابل، إلى إفهام حلفائها في اوروبا أن نظاماً جديداً بعد مئة عام على سايكس بيكو قد حان تغييره، ولا سيما أن وزير الدفاع الأميركي الأسبق رامسفيلد وصف أوروبا بالـ «قارة العجوز». هذه القارة من الناحية السياسية الدولية سائرة وراء الولايات المتحدة في العالم المتجدد، وهي تعاني بعض الضعف. ولكن بإمكانها أن تستعيد قوتها إذا ضعف الاتحاد الروسي وجرى ترابط آسيا مع أوروبا عبر الحلقة الروسية، ما يخلق ما يسمى «أوراسيا» من خلال التفاهم الآسيوي، أي الصين والهند من جهة وأوروبا من جهة أخرى. وهو ما لا تريده أميركا، لذا يبدو من البديهي حصول التناغم بين الأميركيين والروس للحؤول دون ذلك. في نهاية السياق، إن العالم يتجه نحو إيجاد حلول لنزاعاته المعاصرة في عالم متجدد وعلاقات دولية جديدة وسوريا بأزمتها أكدت أنه حجر زاوية في العلاقات الدولية بين القوى الكبرى. يبقى التمني أن يكون العالم العربي له موقعه على طاولة المفاوضات حول مستقبل الشرق الأوسط كما فعلت إيران بأنها أصبحت عالماً بحدّ ذاته وتحاول تركيا اللحاق بها. يبقى أن نقول: نحن فعلياً في عالم متعدد الأقطاب، رغم أن موازين القوى قد تتبدل، وإن سياسة القوة لدى الولايات المتحدة ستقابلها يوماً ما منظومة عسكرية جديدة هي دول البركس، ومنظومة اقتصادية هي منظمة شنغهاي، كذلك يمكن إصدار عملة جديدة، وإيجاد منظمات دولية غير الأمم المتحدة. فهل نحن ذاهبون نحو النزاعات أم نحو إدارة جديدة للعالم.
* كاتب وأستاذ جامعي