ليس من الصحيح القول إن لعاشوراء وثورة الحسين خطاباً واحداً، بل يوجد أكثر من خطاب، لكل منها منطلقاته وسماته ونتائجه بل وأهدافه. وعندما يجري التعبير بالخطاب العاشورائي يقصد به القاسم المشترك بين أكثر من خطاب يتمحور موضوعه حول عاشوراء وثورة الحسين (ع)، ومجمل ما يتصل بمعارف أهل البيت (ع) ومدرستهم والتي يستفاد من المنبر العاشورائي لبيانها وتبليغها لعامة الناس، وخصوصاً شيعة أهل البيت (ع).


لكن ما نجده هو أن العديد من خطباء المنبر الحسيني يركّزون إلى حد بعيد على الخطاب المناقبي، والذي يقصد به التركيز على مناقب أهل البيت (ع) وفضائلهم وصفاتهم، وخصوصاً الإمام علي بن أبي طالب (ع) وغيره من أئمة أهل البيت (ع)، وقبلهم جدهم المصطفى محمد (ص).
لا شك أن لهذا الخطاب دوراً أساسياً في تعريف المسلمين بل وكافة الناس بمناقب أهل البيت (ع) وأخلاقهم وسيرتهم، لما يترتب على ذلك من بيان فضلهم وسمو مكانتهم وعظيم منزلتهم عند الله تعالى، وانهم المقدّمون على غيرهم، وانهم يختصون بصفات وفضائل لا يصل إليها من سواهم.
ولقد كان لهذا الخطاب مبرّراته التي تستدعي التركيز عليه في التاريخ، حيث كانت الحاجة إلى الدفاع عن مكانة أهل البيت (ع) وفضائلهم، في مقابل ما كانوا يتعرضون له من هجوم يستهدف انزالهم عن مراتبهم التي رتبهم الله فيها، والانتقاص من مقامهم، بغرض إبعاد الناس عنهم، وهو ما كان يستدعي إعطاء الأولوية لذلك الخطاب، الذي يركز على تلك الفضائل والمناقب وبيانها بجميع ما فيها وما احتوت عليه.
ولا يعني ذلك ان تلك المبرّرات التي تعنى بالدفاع عنهم قد انتفت اليوم، أو أنه لا توجد حاجة دائمة إلى بيان تلك الفضائل، للتدليل على من يجب التمسّك به واتباع نهجه والاعتصام بحبله، بل ينبغي القول ان الخطاب الإسلامي الذي ينتمي إلى مدرسة اهل البيت (ع) يجب أن يحتوي دائماً على ذلك الجانب المناقبي، لما له من دلالات ترتبط بأسس مدرسة أهل البيت (ع) ومعارفهم، وبيان تلك المنازل التي أنزلهم الله تعالى فيها. إنما يقع النقاش في مكان آخر، وهو هل من الصحيح الاقتصار على ذلك الخطاب المناقبي، أو الاستغراق فيه بمعزل عن طبيعة الظروف والأولويات والحاجات التي قد تتطلب تناول موضوعات مستقاة من معارف أهل البيت (ع)، ترتبط - على سبيل المثال- بالبعد الأخلاقي والتربوي والروحي، وتعنى بأخلاق المعاملة لدى مختلف الفئات الاجتماعية، وتنظر إلى ما هو قائم من مشكلات اجتماعية، فيعمد ذلك الخطاب إلى توعية الناس لكيفية التعامل معها، وإلى تنمية ثقافة العلاقات الاخوية، والتواصل البنّاء والأخلاقي لدى جميع أفراد المجتمع وفئاته؟


حقيقة الارتباط بأهل البيت
هي فقط الارتباط العصبوي مع ان واقع الأمر مختلف


هل من الصحيح أن يعاني المجتمع وأفراده من مشكلات أخلاقية، او اجتماعية، أو سلوكية أو... وهو أحوج ما يكون إلى كلمة طيبة، تساعده في إيجاد الحلول لمشاكله، وتطوير وعيه، وتنمية ثقافته بشكل أصيل وهادف؛ في حين أن جملة من خطباء المنبر الحسيني يقتصرون في كلامهم على بيان الفضائل والمناقب، ويديرون ظهرهم لمشاكل المجتمع، ويعرضون عن كل ما جاء في معارف أهل البيت (ع) من مفاهيم، وقيم أخلاقية وروحية وسلوكية، وآداب... يمكن أن تساعد إلى حد بعيد ذلك المجتمع في حل مشاكله، ومعالجة قضاياه، وتكريس مفاهيم تسهم إلى حد بعيد في تعزيز تنمية شاملة أخلاقية واجتماعية وتربوية وغير ذلك؟ يمكن القول وللأسف إن هذا الوضع قائم، حيث أن بعضاً من خطباء المنبر الحسيني لا يستثمر بشكل مدروس تلك الفرصة التي يوفّرها الموسم العاشورائي، في تعليم الناس تلك المعارف التي تتصل بشؤون حياتهم، واهتماماتهم، وبيان تلك المفاهيم الدينية والأخلاقية التي تعالج أكثر من خلل موجود في سلوكياتهم ومعاملاتهم، وخصوصاً ما يتصل بالبعد الأخلاقي والقيمي في المعاملة، والذي يسهم في بناء الفرد الصالح، وصولاً إلى بناء المجتمع الصالح. فكيف يستقيم ان نهمل مجمل تلك المضامين والمفاهيم المبثوثة في تراث أهل البيت (ع)، في حين ان الناس هي أحوج ما تكون إلى من ينبهها -مثلاً- إلى صدق الحديث، وأداء الأمانة، يعلمها الكلمة الطيبة، وحسن الخلق، ويذكرها بالورع والتقوى، ويحذرها من حب الدنيا والاستغراق فيها، ويبين لها من وجهة نظر دينية مجمل الحلول لمشاكلها الأخلاقية والاجتماعية والسلوكية، التي تفسد عليها حياتها بل ودينها!
كيف لي ان اقتصر على مدح أهل البيت (ع)، دون أن أبيّن ماذا يريدون مني، في سلوكي وأخلاقي ومعاملتي! وكيف يمكن ان اقتصر على بيان مناقبهم، دون أن أبين بماذا وكيف اقتدي بهم! وهل يصح الاستغراق في بيان مقاماتهم، دون أن أوضح كيفية التأسي بهم!
ان الذي لا يلتفت إليه البعض هو النظر بشمولية وبشكل هادف إلى مدرسة أهل البيت (ع)، ما يجعله يقتصر على بيان جوانب من تلك المدرسة والاستغراق فيها في حين ان جوانب أخرى مكملة، وغاية في الأهمية، ومحل حاجة وابتلاء من قبل عموم الناس، بل ومن الواجب بيانها لما يترتب من مفاسد على إهمالها؛ ومع ذلك نلحظ عدم الاهتمام الكافي بها!
ان ما نقصد بالنظر بشمولية إلى مدرسة أهل البيت (ع) في هذا الموضوع هو التالي:
لا شك ان هدف الإسلام هو بناء الفرد الصالح، مقدمة لبناء المجتمع الصالح. وهذا يعني ضرورة التركيز على تزكية النفس وتربيتها بشكل صحيح، وتحليتها بالأخلاق الطيبة، وتطهيرها من الأخلاق الفاسدة، وتعليم الكتاب والحكمة... وهذا يتطلّب أمرين، وبيان مقدمتين:
الأولى: تحديد من هو المرجع الصالح لأخذ كل تلك المعارف منه، أي معرفة من هو الأسوة والقدوة، والمنبع الصحيح للاستمداد منه والنهل من معينه.
الثانية: بيان كل تلك المعارف والمفاهيم الموجودة لدى تلك المدرسة الأسوة والقدوة، من أجل العمل بها، والاهتداء بهديها، والاستنان بسنّتها... فإذا تمّ بيان هاتين المقدمتين، يمكن الوصول إلى النتيجة الصحيحة وهي أنه يجب العمل بهذه الأحكام، والالتزام بهذه المفاهيم، وتطبيق هذه الرؤى في مختلف مجالات الحياة الاجتماعية، لأنها تصدر عن المرجع الصالح، والقدوة الصالحة، أي من أمرنا الله تعالى بالرجوع إليهم، والأخذ منهم، والاستنان بسنتهم، والسير على نهجهم.
أما إذا حصل خلل في المقدمة الأولى، أي لم تحدّد بشكل صحيح بمن يجب الاعتصام، وإلى من يجب الرجوع، وبعروة من يجب التمسك؛ فهذا يؤدي إلى نتائج سلبية كثيرة، عندما نعتصم بمن لا يكون أهلاً للاعتصام به، ونهتدي بمن ليس أهلاً للاهتداء به، ونرجع إلى من نهانا الله تعالى عن الرجوع إليه، والأخذ منه.
أيضاً إذا حصل خلل في المقدمة الثانية، بمعنى علمنا من هم الأسوة والقدوة لنا، ولكن لم نعلم كيف نقتدي بهم، وبماذا نتأسى بهم، وكيف نستفيد من قدوتهم وأسوتهم؛ فهذا أيضاً يؤدي إلى تعطيل الاستفادة منهم، ويقود إلى حرماننا من بركات معارفهم، ومنافع هديهم، وكثير الخير الكامن في الاستنان بسنتهم.
إن من يفتقد إلى المقدمة الأولى، حاله كحال من لم يعرف البئر أو المنبع، الذي يحوي الماء الزلال الصافي من أي كدر أو نتن، فيتيه بين منابع شتى قد تضله عن كثير من الحق. لكن من يفتقد إلى المقدمة الثانية، حاله كحال من عرف البئر أو المنبع الزلال، ولربما اقترب منه، لكنه لم يرتوِ من مائه، ولم يعالج ظمأه من فيض زلاله، ولم يركض برجله إليه ليكون له «اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب». فهل يكفي ان اعرف الماء الزلال ومن اين منبعه، دون ان ارتشف منه، واروي ظمأي به؟ فالكثير يعرف علو منزلة أهل البيت (ع)، وسمو مقامهم، لكنهم لا يستفيدون كما يجب من مقامهم، ولا يأخذون جميع ما ينبغي اخذه من علومهم، ولا يهتدون كما ينبغي بهديهم، أو يستنون بسنتهم، او يعملون بآدابهم وأخلاقهم! إذاً، أين الارتباط بأهل البيت (ع)؟ وأين التمسك بهم؟ وكيف يكون الاعتصام بحبلهم؟
بل ربما تكون المؤاخذة على هؤلاء أكثر بأنه كيف عرفت المنبع الزلال ولم تقدم على الارتواء منه؟ وكيف وصلت إلى الماء الصافي ولم تبادر إلى الامتلاء من معينه؟ كيف تعرف أن لأهل البيت (ع) كل تلك الفضائل والمقامات والمنزلة العظيمة، ولا تقدم على الاهتداء بهم، والعمل بأخلاقهم، والتأدب بآدابهم، والاستنان بسنتهم؟ ألا تكون هنا الحجّة أكبر والمؤاخذة اكد والمسآلة أبلغ؟
ما ينبغي قوله هو ان الخطاب المناقبي يوفي المقدمة الأولى حقها وزيادة، ولكنه يهمل إلى حد بعيد المقدمة الثانية، ويمارس نوعاً من الانفصام بين هاتين المقدمتين، ولا يتعامل بشكل هادف وتكاملي بينهما، ولا ينظر إلى المقدمة الأولى باعتبار كونها مقدمة للمقدمة الثانية، توصلاً إلى النتيجة، وهي العمل بهدي أهل البيت (ع) وعلومهم ومعارفهم. ولذلك، ترى أفراداً يتفاعلون أو ينفعلون إلى أبعد الحدود، عندما يتعلق الأمر بأهل البيت(ع)، ولكنهم في معاملاتهم يجانبون أهل البيت(ع) وآدابهم. وترى أفراداً «بل جماعات ومجتمعات» يمارسون على طريقتهم مراسم عاشوراء، ولكن عندما تأتي إلى سلوكهم وعلاقاتهم، ترى أكثر من انفصام عن مدرسة أهل البيت(ع) وتعاليمها وأحكامها، وخاصة ما يرتبط بأخلاق المعاملة، ومختلف مجالات الأخلاق الاجتماعية. وترى أن جماعات تعنى إلى حد بعين بالمراسم العاشورائية، لكن وعندما تأتي إلى حياتها الاجتماعية، واجتماعها العام، وسلوكياتها المختلفة، وعلاقتها المتنوعة؛ ترى أنها عاجزة عن تقديم النموذج الرائد الذي يرقى إلى مدرسة أهل البيت(ع)، والذي يعبر حقيقة عن سمو مقامهم، وعلو منزلتهم، ورفيع مراتبهم، وعن عظمة تلك المناقب المخزونة في تراثهم. لا أريد القول إن الخطاب المناقبي يتحمل كل تلك المسؤولية عما ذكر، لكنه يتحمل جزءاً منها، تبعاً لتقصيره في بيان ذلك البعد الأخلاقي والتربوي والقيمي والاجتماعي والروحي في مدرسة أهل البيت(ع) وتعاليمها وعلومها.
لا اريد التوسع كثيراً في بيان تلك النتائج، التي يمكن أن تترتب على الاقتصار على الخطاب المناقبي في عاشوراء أو غيرها، وحصر «الخطاب العاشورائي» في بعده المناقبي؛ لكن بالإضافة إلى ما ذكرنا من أنه يؤدي الى الحرمان من معارف اهل البيت المعنوية والأخلاقية والاجتماعية؛ فإنه يؤدي أيضاً إلى فهم مدرسة أهل البيت بشكل مشوّه، لأن المستمع قد يتوهم عندها انها لا تحوي إلى تلك الفضائل والمناقب، وانها تهمل ما يرتبط بتربية الإنسان وأخلاقياته الاجتماعية، وكل ما يرتبط بمشاكل المجتمع وقضاياه، مع أن حقيقة مدرسة اهل البيت خلاف ذلك، فهي تهتم والى حدّ بعيد بتلك الجوانب التربوية والأخلاقية والمعنوية والاجتماعية للمجتمع والإنسان.
او لربما يفهم البعض خطأ، ان حقيقة الارتباط بأهل البيت هي فقط الارتباط العصبوي، مع ان واقع الامر خلاف ذلك، فحقيقة الارتباط بأهل البيت هي التمسك بأخلاقهم وادابهم، واتباع نهجهم، والاهتداء بهديهم، وتطبيق تعاليمهم.
او قد يشتبه البعض، فيندفع الى الاغترار بأهل البيت، بمعنى انه ان كان لأهل البيت كل تلك المنزلة الرفيعة، فيتوهم انه يكفي الانتساب اليهم، دون العمل بعلومهم، والسير على نهجهم، حتى يصل الى تلك المنزلة الرفيعة عند الله تعالى، فيتكل على الامل ويهمل العمل، فيعتقد خطأ انه يكفي ان يكون له نوع انتماء الى أهل البيت ولو كان شكلياً او لفظياً، حتى يصل الى تلك الدرجات يوم القيامة، من دون ان يهتم بعمله، وجهاد نفسه، ومن دون ان يعمل لتحقيق الاصلاح والعدل ومواجهة الفساد والظلم. بكل ميادينه لا نريد ان نحمل الخطاب المناقبي وزر كل تلك الامور منفرداً لكن تقديمه بتلك الطريقة المبتورة قد يساهم بشكل او آخر في ان ما تقدم يقود الى اكثر من استنتاج بعمله في ما يلي:
1- ان الخطاب العاشورائي يحتاج الى اعادة دراسة ليكون اكثر انسجاماً مع الاهداف الاساس التي تسعى اليها مدرسة اهل البيت.
2- ان الفرصة التي يوفرها الموسم العاشورائي ينبغي استثمارها بشكل افضل، تبعاً للاولويات التي ترتبط بأولويات النص من جهة، وبحاجات الواقع من جهة ثانية، خصوصا ما يرتبط بالجانب الاجتماعي والعلاقات الاجتماعية ومجمل القضايا ذات الصلة.
3- ان الخطاب المناقبي يجب ان يتكامل مع خطاب آخر ذي بعد تزكوي تربوي اخلاقي اجتماعي، يعنى بمختلف مجالات الحياة الاجتماعية والمدنية للناس، وعلاقاتها وسلوكياتها المختلفة.
4- ان إهمال الخطاب التربوي والاقتصار على المناقبي، ستكون له نتائج سلبية عديدة، لا شك أنها ليست مقصودة من خطباء المناقب والفضائل، ولذا يجب الالفات الى تلك السلبيات التي تترتب على هذا المنحى الاقتصاري، وذلك للمساعدة في تجنبها، وفي تكوين خطاب عاشورائي هادف ومدروس، يكون أكثر انسجاماً مع مدرسة أهل البيت(ع) وأهدافها ومنهجيتها في التبليغ والتربية.
5- عندما نؤكد البعد الهادف والتكاملي في الخطاب العاشورائي، لا نريد على الاطلاق اقصاء الخطاب المناقبي او التقليل من اهميته، لانه فضلاً عما ذكرنا من مبررات للاستمرار في اعتماده بشكل او آخر، ينبغي القول إنه يمكن الاستفادة من جملة من المناقب والفضائل لتحقيق أهداف تربوية واجتماعية وأخلاقية، إذا ما تمّ تقديمها وبيانها ضمن سياق محدّد موصل إلى تلك الأهداف.
6- ان الغنى الموجود في تراث أهل البيت في المعارف الأخلاقية والاجتماعية والاخلاقية. يفرض على جميع خطباء المنبر الحسيني العناية إلى حد بعيد بتلك المعارف، أولاً لحاجة أفراد المجتمع إليها، وثانياً لأنها تؤدي إلى النتيجة التي يريدها الخطاب المناقبي، وهي: إن من يملك هكذا علوم، ومعارف، وأخلاق، وآداب، وبعد معنوي وروحي إلخ... لا يمكن إلا أن يكون هو الوارث لعلم النبيين، والأسوة الصالحة، والقدوة الصادقة، ومن أمرنا الله تعالى بالرجوع اليهم، والاخذ منهم؛ وهم محمد وآل محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
* أستاذ جامعي