أخطأ ياسر عرفات عندما أطلق لقب حميد قرضاي على محمود عبّاس. لم يستحق عبّاس هذا اللقب. قرضاي - على سوئه - أنهى خدماته الرئاسيّة نحو الحكومة الأميركيّة مرذولاً ومنبوذاً منها لأنه بات يرفع الصوت (في سنواته الأخيرة) ضد قتل المدنيّين الأفغان من قبل القوّات الأميركيّة التي تغير على المنازل في الليل وتطلق الرصاص كما تشاء.


قرضاي كان يُراد له ان يكون النموذج المثالي لما يكون عليه نمط الحاكم المُطيع، لكن المثال بات اليوم في شخص خلفه، أشرف غاني. نوّهت الصحافة الأميركيّة بـ«اعتدال» و«توازن» غاني لأنه تمنّع عن نقد الحكومة الأميركية عندما قتلت قوّاتها المُحتلّة مدنيّين ومدنيّات. هذا وحده يجعل منه رجل دولة، كما جعل أداء السنيورة منه رجل دولة في عدوان تمّوز لانحيازه ضد الشجعان الذين ردّوا عدوان إسرائيل على لبنان.
محمود عبّاس من القلّة القليلة في قيادة «فتح» التاريخيّة التي لم تغتلها إسرائيل: قافلة كبيرة من القيادات العليا والوسطى اغتالهم العدوّ على مرّ السنوات منذ السبعينيات حتى موعد تخلّي الحركة عن النضال المُسلّح في مرحلة «أوسلو». أبو أياد وأبو الهول وكمال عدوان وماجد أبو شرار وأبو الوليد وأبو حسن سلامة وخالد اليشرطي ومئات غيرهم من القادة والكادرات من «فتح» ومن منظمّات المقاومة الفلسطينيّة تم اغتيالهم على يد العدوّ الإسرائيلي. وحده محمود عبّاس (مع قلّة قليلة جدّاً من القادة الأوائل) بقي على قيد الحياة. نظريّة المؤامرة الصائبة تقول إن العدوّ أبقاه على قيد الحياة لأنه كان مفيداً لهم في المستقبل، وأن دوراً ما كان يُعدّ له. كما ان الترتيب «الدستوري» الذي استحدثته الحكومة الإسرائيليّة في اختراع منصب رئيس الوزراء، في نظام حكم لم يكن يلحظ وجود رئيس وزراء، كان مُعدّاً ومفصّلاً له كي يستحوذ على المال الفلسطيني الذي كان عنصراً مؤثّراً في الصعود المُبكّر لقيادة ياسر عرفات. (وقد اعترف رئيس «الموساد» السابق، إفرايم هاليفي، في كتابه «رجل في الظل» أنه هو الذي اخترع منصب رئاسة الوزراء الفلسطينيّة لإضعاف سلطة عرفات). والحكومة الإسرائيليّة التي تتصنّع الحساسيّة نحو المحرقة غفرت لمحمود عبّاس نكرانه للمحرقة وخطابه المعادي لليهود، كما هي غفرت من قبل نازيّة أنور السادات.
وها قد أطلّ عام جديد في عمر السلطة الفلسطينيّة التي هندسها اتفاق «أوسلو» والذي يجعل من القيادة الفلسطينيّة حرس حدود لدولة العدوّ الإسرائيلي وهيكل فساد يحافظ على استكانة الشعب الفلسطيني، ويزيد من قهره بالنيابة عن المُحتلّ. ومرّة كل سنة، أو اكثر قليلاً، يهدّد عبّاس بوقف التنسيق الأمني مع العدوّ الإسرائيلي. القيادة التي كانت تطالب بتحرير فلسطين وإزالة الصهيونيّة من أرض فلسطين، حسب ميثاق منظمّة التحرير الصادر في عام ١٩٦٨ - والذي تمّ تعديله من قبل بيل كلينتون بتهليل من ياسر عرفات يومها - باتت تعتبر ان ذروة الذود عن القضيّة الفلسطينيّة يتمثّل في التهديد بوقف التعاون الأمني مع العدوّ.
وقد صعّد عبّاس في تهديداته هذه السنة أكثر من العادة، وذكّر بالتهديدات التي كان يطلقها الملك حسين الأردني عندما كان يهدّد قبل زيارته للموسميّة للحج في واشنطن بأنه قد يتحالف مع موسكو في حال لم يلبِّ الكونغرس الأميركي طلباته للتسلّح، أو في حال لم تقدّم له الحكومة الأميركيّة الضفة الغربيّة على طبق من دم فلسطيني. لكن الإعلام الأميركي كان يسخر من التهديدات تلك كما سخر هذه السنة من تهديد عبّاس بتفجير قنبلة في خطابه السنوي امام الجمعية العامة للأمم المتحدة. والطريف ان عبّاس هذا هدّد بخطاب. وكيف يمكن ان يكون التهديد بخطاب؟ ألم يُظلم أحمد الشقيري لأنه كان يعوّل على فعاليّته الخطابيّة وهو الذي كان يتفوّق على عبّاس بأشواط في الفصاحة والبلاغة والإلقاء والخطابة؟ عبّاس هدّد بقنبلة تسعد شعبه ولم يلقَ إلّا السخرية. لم يحتوِ الخطاب إلا تكرار الكلام عن انه يمكن له ان يوقف الالتزام بأوسلو في حال أخلّ العدو باتفاقاته، وكأن العدو يلتزم يوماً بما يوقّع عليه مع العرب. هذه كانت قنبلة محمود عبّاس.
لكن عبّاس في قفص: مثله مثل باقي شلّة الفساد والاحتلال في رام الله. لم يكن عرفات متأكدّاً من أفق وأهداف «أوسلو» لكنه قرّر المضي فيها لأنه مثل السادات الذي كان يؤمن ان «٩٩٪ من أوراق الحل» هي في اليد الأميركيّة. كانت خطة أوسلو بداية تقتصر على غزة وأريحا (تحت الاحتلال غير المباشر) لكن عرفات زها بإنجاز توسيع حدود أريحا. والتمييز بين المناطق الثلاث في الضفة الغربيّة لم يعنِ شيئاً للعدوّ الذي مضى في مضاعفة الاستطيان منذ أوسلو والذي اعتبر ان مهمّة سلطة رام الله كانت مثل «روابط القرى» أو مثل جيش لبنان الجنوبي: أي حراسة الاحتلال بأيدٍ محليّة وبدماء عربيّة. الفائدة التي جناها عبّاس وفريقه ان ملايين الدولارات هطلت على السلطة من أجل إقامة سلطة انتفاع تحافظ على الرهان على التحالف مع العدوّ، بالإضافة إلى اقتصاد يعتمد على اللاإنتاجيّة: تنفق الحكومات الغربيّة نحو ٨٠٠٠ مليون دولار سنويّاً على ٢٨٨٢ منظمّة غير حكوميّة في الضفة الغربيّة - بحسب أرقام رئيس حكومة سلطة أوسلو نفسه. أي ان الحكومة الأميركيّة والاتحاد الأوروبي مصّممان على إبعاد الشباب المتعلّم عن النضال التقليدي للشعب الفلسطيني وإلهائه بالعمل في «المجتمع المدني» بالإضافة إلى ضخّ شعارات وإيديولوجيا السلميّة والمدنيّة (على طريقة الإخوان) وقرع الطناجر النحاسيّة متى يحين الوقت للاحتجاج النادر.
لكن رئيس السلطة (الفاقد للشرعيّة الانتخابيّة منذ نحو عقد من الزمن) يجول العواصم الغربيّة ويُحتفى به على أنه رمز الاعتدال والشرعيّة الفلسطينيّة مع أنه يعاند ضد إجراء أي انتخابات فلسطينيّة: أي هو مثل عقيدة بوش وأوباما التي تحثّ على الانتخابات فوراً إذا كانت في صالح أدوات الإمبرياليّة وهي تحثّ على منع الانتخابات إذا كانت ستؤدّي إلى فوز أعداء أميركا. ورئيس السلطة يعاني من مأزق حاد: الإعلام الغربي ومركز الاستطلاع الموالي له يعترف ان نحو٢٠٪ فقط يؤيّدونه، وأن غالبيّة الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال تؤيّد اندلاع انتفاضة جديدة لكنه لا يستطيع ان يغادر أو يأخذ موقفاً معارضاً للاحتلال قبل وفاته: هناك نظام من الفساد العائلي والفتحاوي الذي يحتاج إلى بقائه وإلا فلتت الأمور وثار الشعب ضد الاحتلال وضد أدواته وضد شرطة العدوّ من الفلسطينيّين المرتزقة.


أوسلو فقد مبرّر وجوده
حتى بالنسبة الى سلطة التعاون مع الاحتلال

تمرّ القضيّة الفلسطينيّة ونضال شعبها في أطوار ومراحل مختلفة، وتصعد قيادات جديدة وتندثر قيادات عتيقة. وستمرّ بعد سنتيْن فقط من الآن (في ٢ نوفمبر ٢٠١٧) ذكرى مرور قرن من الزمن على وعد بلفور المشؤوم. وستحمل الذكرى غصّة وعبرة في آن: لم يكن العدوّ يعترف في كتاباته الأولى (مثل كتابيْ ثيودور هرتزل «دولة لليهود» وكتاب «الأرض القديمة-الجديدة») بأي إمكانيّة لبروز مقاومة أو حتى معارضة عربيّة ضد الاحتلال الصهويني فلسطيني. العنصريّة الصهيونيّة الدفينة لم يكن يمكن لها ان تعترف ان الشعب الفلاّحي «المتخلّف» يمكن له اجتراح حركة قوميّة وطنيّة مقاوِمَة. لكن العناد الفلسطيني على رفض الصهيونيّة لم يتغيّر بعد قرن من «بلفور». أي ان التسليم باحتلال فلسطين لم يحدث بالرغم من مساومة القيادة الفتحاويّة وتنازلاتها الهائلة والتاريخيّة.
لم تكن الهبّة الفلسطينيّة الشبابيّة الأخيرة في الحسبان. هي تزامنت مع محاولات سعوديّة مستمرّة لفرض سلام عربي شامل مع دولة العدوّ الإسرائيلي. لم يعد الحديث عن التحالف بين العدوّ وبين آل سعود من مزاعم إعلام الممانعة بل أصبح من فرضيّات التحليلات الغربيّة عن السياسة في العالم العربي. ونتنياهو في خطابه الأخير امام الكنسيت كان صريحاً في الحديث عن تحالفه مع النظام المصري والأردني و«دول عربيّة كثيرة في المنطقة» لم يسمّها. والإعلام السعودي سعى جاهداً في أيّام هبّة الطعن الفلسطيني كي يخفّف من وطأة الحدث. محطة «العربيّة» لم تكن تذكر الحدث على موقعها وكان سعوديّون يستنكرون على مواقع التواصل الاجتماعي لغة المحطة في الحديث عن «اعتداءات» فلسطينيّة. وجريدة خالد بن سلطان، «الحياة»، نشرت في اليوم الأوّل بشرى خبر لم يرد في أي من وسائل الإعلام الغربيّة عن قرار نتنياهو بتجميد الاستيطان، وفي اليوم التالي طالعتنا بكلام عن دور «التهدئة» للحكومة الإسرائيليّة. كما ان إعلام أمراء آل سعود اعتنق رسميّاً خطاب الإعلام الصهيوني الغربي في الحديث عن «مقتل» فلسطينيّين في «اشتباكات»: أي أن ميزان القوى بين الأعزل وبين المُدجّج بالسلاح الأميركي هو متعادل.
تتغيّر المراحل في نضالات شعب فلسطين، ويحاول حلفاء الغرب بين حكّام العرب ان يجهضوا الانتفاضات العربيّة المتوالية. أنظمة مصر والسعودية والأردن أجهضت الثورة الفلسطينيّة في ١٩٣٦، ونجحت بعد هدنة ١٩٣٧ في تحويلها إلى صراع تناحر داخلي، كما أن أنظمة الخليج أجهضت الثورة الفلسطينيّة المسلّحة في الستينيات عبر احتضان قيادتها بالمال الوفير لإفسادها والسيطرة عليها. والانتفاضتان الفلسطينيّتان الأولى والثانيّة خضعتا لعلاقة عرفات مع الأنظمة الرجعيّة. اما اليوم، فإن القيادة الفلسطينيّة في رام الله تفتقر إلى الشرعية الشعبيّة للمرّة الأولى في تاريخ القيادة الفلسطينيّة. كانت الجماهير الفلسطينيّة تفرض تغييراً في القيادة حالما تفقد قيادة ما شرعيّتها (مثل الحاج أمين بعد الخمسينيات وأحمد الشقيري بعد ١٩٦٧). والشعب الفلسطيني يحار في أمره: لو استعمل السلاح، يُدان ويُقال له: إنبذ السلاح. ولو استعمل الحجارة، يُدان ويُقال له: إنبذ الحجارة، هي فتّاكة. ولو استعمل سكّين المطبخ، يُدان ويُقال له: السكّاكين خطيرة ضد عدو سلمي. وحتى الاعتراض السلمي بات ممنوعاً على الشعب الفلسطيني بحكم أوسلو.
لكن الصهيونيّة تعتمد على الأدوات العربيّة للنيل من مشروعيّة النضال الفلسطيني. ها قد ضخّ الغرب ودول النفط والغاز عقيدة النضال «الحضاري» اللاعنفي ضد أعتى دولة احتلال في العالم، كما ان الحجارة باتت هي أيضاً سلاحاً فتّاكاً في عرف دول الغرب والخليج. والسكّاكين خدشت مشاعر السلميّين من جماعة آل سعود في العالم العربي: هؤلاء الذين يهتفون لمدافع جهنّم والقتل على الهويّة والقصف العشوائي وحصار المدنيّين من قبل «ثوّار» دول الخليج في سوريا، وهم يهتفون بحناجرهم يوميّاً للعدوان الخليجي على اليمن. استكثر هؤلاء سكاكين المطبخ على الشعب الفلسطيني للدفاع عن نفسه. وإذا كانت دولة العدوّ وحلفاؤها يعتبرون ان إطلاق الرصاص على حملة السكاكين من الفلسطينيّين هو عمل مشروع فما بالك بحق الشعب الفلسطيني في إطلاق الرصاص على مَن يحمل ضدّه أسلحة فتّاكة؟ لكن المقولة الغربيّة عن أنه «يحقّ للإسرائيليّين ما لا يحقّ لغيرهم» باتت سائدة في الثقافة العربيّة.
كاتب فلسطيني في مؤسّة «بروكنز» (عمر شعبان) يقول ان الحلّ يكمن في تعزيز وتمكين أوسلو، أي ان حل مأساة الشعب الفلسطيني تكون بالمزيد من حماية دولة العدوّ الإسرائيلي. لكن أوسلو أقيم على فرضيّة خاطئة: ان عامل الزمن وحده الكفيل بنسيان الشعب الفلسطيني لقضيّته التاريخيّة. لكن هذه الفرضيّة بلغت أكثر من قرن من الزمن وثبتَ بطلانها. «أوسلو» عوّل على النسيان. لكن ديمومة القضيّة الفلسطينيّة دليل على بطلان فرضيّة نسيان الشعب الفلسطيني لقضيّته. رعاة «أوسلو» لن يتخلّوا عنه لأن لا وَهْم غيره من أجل إطالة أمد الأحتلال ومدّه بالشرعيّة الأوروبيّة والأميركيّة (ما يُسمّى في لبنان بـ«الشرعيّة الدوليّة»). لكن «أوسلو» لم يعد قادراً على الاستمرار بسبب غياب القدرة على زرع إيمان به في أوساط الشعب الفلسطيني. ولم يعد هناك، لحسن الحظّ، زعيم فلسطيني بحجم ياسر عرفات كي يُقنع شعبه بمزيد من التنازلات. لعلّ الخيار المتبقّي امام الاحتلال الإسرائيلي هو واحد من هذه الخيارات:
ــ الخيار القَطَري: أي اتفاق قطري ــ إسرائيلي على دفع حركة «حماس» للعب دور حركة «فتح» في الماضي، اي رعاية «العمليّة السمليّة» وتسلّم الوكالة من العدوّ الإسرائيلي لتلزيم شرطة الاحتلال الداخليّة. وخالد مشعل يصلح لهذا الدور خصوصاً أنه أصبح خبيراً - مثل عرفات - في اللعب على الكلام وفي قول الشيء وضدّه في المقابلة الواحدة وفي الخداع من تحت الطاولة وفي المفاوضة السريّة مع العدوّ مع رفع شعار المقاومة في بعض الخطب. كما ان مشعل يجد نفسه اليوم في الموقع نفسه الذي وجد فيه عرفات نفسه فيه بعد حرب الخليج الأولى عندما خسر كل رهاناته النظاميّة. ووفاة محمود عبّاس قد تعجّل في تمرير هذا الخيار القطري خصوصاً وان المنافسة الدبلوماسيّة القطريّة والسعوديّة عادت إلى الساحة بعد غياب بضع سنوات. وهذا الحلّ كي يؤدّي إلى تسليم «حماس» (بعد إجراء انتخابات نيابيّة ملائمة تسمح بها قوّات الاحتلال) الضفّة الغربيّة وغزة، خصوصاً ان إدارة «حماس» لغزة لم تكن مزعجة كثيراً للعدوّ الإسرائيلي.
ــ خيار محمد دحلان: تعمل حكومة الإمارات العربيّة على دفع محمد دحلان، شريك «البزنس» والفساد والمخابرات القذرة. ودحلان يعمل هذه الأيّام في المخيّمات الفلسطينيّة في لبنان وفي غيرها بدعم مالي إماراتي. والعداء الإماراتي لحركة الإخوان المسلمين، او الحرب الإماراتيّة على الإخوان، قاربت بين دحلان وبين نظام الطاغية السيسي الذي يريد بديلاً من حركة «حماس» في غزة. وقدرات دحلان في الزئبقيّة والانتهازيّة والتلوّن لا تقلّ عن مواهب وليد جنبلاط. والفريق التفاوضي الإسرائيلي خبر دحلان وقد يفضّله على مسرحيّات صائب عرقات والفريق الأبو مازني.
ــ خيار آل سعود: لم يفقد آل سعود الأمل في إحياء مبادرة توماس فريدمان للاستسلام العربي أمام إسرائيل. لا ينفكّ الحكم السعودي على تسويق مبادرته في عواصم الغرب وذلك لإثبات حسن السلوك نحو الدولة اليهوديّة. لكن الأخيرة مصرّة على رفض تلك المبادرة بالرغم من كثرة المحاولات السعوديّة. من المُرجّح ان الطرفيْن يتحدّثان عن المبادرة فقط من أجل تعويمها بوجه الحلول الجذريّة للقضيّة والكلام عن رفض أوسلو.
ــ الخيار الفرنسي: الترويج لمشروع فرنسي لحلّ الصراع هو أيضاً مرتبط بالخيار الثاني ويعكس حميميّة العلاقة بين الحكم الاشتراكي في باريس وبين آل سعود، إذ أن الخطة الفرنسيّة تتضمّن توسيع نطاق المداولات والمحاورات خارج نطاق اللجنة الرباعيّة وذلك من أجل إحداث نوع من التطبيع العربي مع دولة العدوّ وحقّها في الاحتلال. ومن المستحيل ان تسمح الإدارة الأميركيّة في سنة انتخابيّة بقرار في مجلس الأمن يعترف بدولة فلسطينيّة من دون موافقة إسرائيليّة ولو كانت تلك الدولة مقصوصة الأجنحة والسيادة والنفوذ والقدرة. لا تحيد الحكومة الأميركيّة عن شعار رفض اتخاذ قرارات أحاديّة الجانب في الصراع العربي ــ الإسرائيلي، أي الإصرار على حق احتكار إسرائيل للقرارات الأحاديّة الجانب. قد يكرّس المشروع الفرنسي العودة إلى المفاوضات بأفق غير منظور يمنح وهم الدولة مرّة أخرى للسلطة الفلسطينيّة بهدف تعويمها.
ـ الخيار العسكري: لا تملك الحكومة الإسرائيليّة القدرة على اللجوء إلى قرار عسكري حربي لأن المواجهة لم تتخطّ نطاق المعارضة المدنيّة وإن لجأت إلى السكاكين والدهس. والعدوّ الإسرائيلي يعلم ان التسبّب في الذعر في اذهان الإسرائيليّين هو عنصر قوّة عند الطرف الآخر. ستحاول الحكومة الإسرائيليّة - كالعادة - تصوير الشباب الفلسطيني على أنه أكبر خطر لليهود منذ انتحار هتلر. لا، والصفاقة في الإعلام الصهيوني الأميركي بلغ حدّ تصوير عمليّات الطعن ضد المستوطنين على انها أعمال ضد اليهود، كيهود. هل على الشعب الفلسطيني ان يعثر على أعداء غير الصهاينة كي يطعنهم مخافة ان تُصوّر أعماله على انها منافية لليهوديّة؟ ماذا يفعل الشعب الفلسطيني إذا كان الذين استوطنوا أرضه هم من اليهود؟ لم يختر الشعب الفلسطيني أعداءه، بل العدوّ هو الذي اختار أرضاً ليست له.
لكن ليست كل الخيارات محصورة في أيدٍ عدوّة: يبقى للشعب الفلسطيني خيار المقاومة المُسلّحة والشاملة التي له وحده تقرير مسارها ومصيرها ونوعها. لكن الشعب الفلسطيني مُحاصر في خياراته من الذين ينطقون باسمه: «فتح» لا تنطق إلا بـ«التهدئة» و«اللاعنف» فيما تستمرّ حركة «حماس» في شرح معنى كلمة «هدنة» للوسطاء الدوليّين، وأنظمة الخليج تتنافس في محاولة التخفيف عن الأعباء الثقيلة للمُحتلّ الإسرائيلي. ونوّاب الكنيست العرب، الذين يشكون من تجاهل حزب العمل لهم وعدم إلقاء التحيّة عليهم من قبل نوّاب الحزب، هم ايضاً يحثّون الفلسطينيّين على تجنّب المواجهة المُسلّحة ولو للدفاع عن النفس. لكن العدوّ يقتل ويدمّر بصرف النظر إذا كان الشعب الفلسطيني يلجأ في مقاومته للعنف الثوري أو للتظاهر السلمي. لكن هناك من يقول لك بعد قرن ونصف القرن من الصهيونيّة: لا تعطوا الذريعة للعدوّ، الذي يعطي لنفسه الذريعة من دون إنذار او ذرائع.
لا يمكن الاستعجال في إعلان بدء انتفاضة جديدة. لكن يبدو ان النضال الفلسطيني دخل مرحلة جديدة تتجاهل أوسلو ومترتبّاته. قل (وقولي) إنها مرحلة ما بعد محمود عبّاس. صحيح، أن العدو له خيارات لا تقلّ سوءاً عن أشرف غاني في أفغانستان: من سلام فيّاض إلى محمّد دحلان إلى ياسر عبد ربّه. لكن أوسلو فقد مبرّر وجوده - حتى بالنسبة الى سلطة التعاون مع الاحتلال التي أقامها. لم يعد أمام الشعب الفلسطيني إلّا العودة... العودة إلى ما قبل أوسلو تحقيقاً للعودة إلى الوطن.
* كاتب عربي (موقعه على الإنترنت:
(angryarab.blogspot.com