أثار مقال هنري كيسنجر مستشار الأمن القومي ووزير الخارجية الأميركي الأسبق، في عهدي الرئيسين نيكسون وفورد، (نشرت ترجمته جريدة «الحياة» يوم الأربعاء الماضي) الكثير من الاهتمام والتعليقات والتفسيرات المتناقضة.


المقال في غاية الوضوح لجهة اعترافه بالمتغيرات الإقليمية والدولية المتواصلة، رغم حنينه إلى مرحلة أوائل السبعينيات التي لعب فيها صاحب المقال دوراً محورياً وخصوصاً بعد حرب عام 1973 التي تداعت نتائجها، على يد السادات، إلى إخراج الاتحاد السوفياتي من مصر وإخراج مصر من الصراع العربي مع العدو الصهيوني، ودائماً برعاية «العزيز هنري» كما كان يسميه الرئيس المصري تودّداً وتقرّباً! يكثِّف المسؤول الأميركي السابق، ذو الهوى الصهيوني الدائم، في مقاله المذكور عرض مسار وتطورات أزمات منطقة الشرق الأوسط بشكل خاص. الخلاصة التي انتهى إليها (تجاهلت أبرزَها قناة «الجزيرة» القطرية في تلخيصها للمقال) هي أنه «يتصدر الأولويات تدمير الدولة الإسلامية (داعش) وليس إطاحة بشار الأسد». يضيف ضمن نفس هذه الأولوية: «ويساهم المسعى الأميركي غير الحاسم في زيادة وتيرة تجنيد الدولة الإسلامية لمؤيدين (بحيث) أن تنظيم الدولة في وسعه الزعم أنه وقف في وجه القوة الأميركية». يضع الوزير الأميركي الأسبق سيناريو لكي تستعيد أراضي الدولة الإسلامية «قوى سنَّية معتدلة». يضيف: «حين تتفكك المنظمة الإرهابية يُبحث بالتزامن مصير الدولة السورية. وقد تُرسى بُنية فيدرالية بين العلويين والسُنَّة. فإذا ضُمت المناطق العلوية إلى النظام الفيدرالي السوري بوسع الأسد أن يؤدي دوراً. وهذا الدور يُقلص مخاطر الإبادة أو الفوضى التي ترجح كفة الإرهاب».
ليس كيسنجر ركناً في الإدارة الأميركية الحالية، ولا هو من «الحزب الديمقراطي»، لكنه يناقش، تقريباً، من ضمن سياسة الإدارة الحالية وليس على النقيض من توجهاتها. منذ «إخفاقات» الغزو الأميركي للعراق على يد إدارة الرئيس جورج بوش الابن، السابقة، تبلورت معالم سياسة جديدة بين الحزبين «الجمهوري» و»الديمقراطي». يواصل الرئيس باراك أوباما تطبيق الخطوط العامة لتلك السياسة (كما تحددت في تقرير وتوصيات لجنة بيكر – هاملتون) وإن بأسلوبه ولمسته الخاصين. لم يشأ كيسنجر الحديث عن أخطاء استراتيجية بوش الابن و»المحافظين الجدد» (المعلنة عام 2002) وذلك لعدم الإضرار بالحزب الجمهوري في خضم التحضير لمعركة الرئاسة التي ستجري بعد سنة من اليوم. لذلك فضَّل العودة إلى نجاحات ما بعد عام 1973، مقللاً، في المقابل، من خطر التدخل الروسي إذا ظل في نطاق الحرب على «داعش» ولم يشكل تهديداً لإسرائيل، مذكراً بأن هذا التدخل «غير إيديولوجي»! كما كان الأمر في مرحلة الاتحاد السوفياتي.
يساعد مقال أحد أكثر مهندسي السياسة الخارجية حنكةً وخبرة، في تبديد الكثير من الأوهام التي تراود دعاة مطالبة واشنطن بالعودة إلى استخدام سياسة الغزو والتدخل العسكري ودبلوماسية الأساطيل... مثل هذه الأوهام لن تؤدي سوى إلى المساهمة في إطالة مدة المعاناة وكلفة الأزمات، ومفاقمة هذين إلى حدود أخطر وأفدح مع تعاظم القتل والدمار والخسائر المأساوية على المستويات كافة. ينبغي، في هذا السياق، ملاحظة أن التردد الأميركي إنما هو، بمعنى ما، عامل إيجابي لا سلبي من زاوية أخذ مصالح شعوب المنطقة، موضوعياً، بعين الإعتبار. الإدارة الأميركية تدرك وتلمس حجم الخطر الذي يمثله «الإرهاب» بعد أن خرج عن كل القواعد الوصايات، وبات يملك مناطق آمنة يهدد منها كل شعوب العالم دون استثناء. هي تدرك، بالتالي، أولوية مواجهة خطره المستشري، لكنها تراعي أولئك الذين ما زالوا يتوهمون أن بمقدورهم استخدام الإرهابيين لتحقيق أجنداتهم، رغم أن الإرهاب قد استهدف، مثلاً، المملكة السعودية أكثر من سواها. لقد خطت القيادة السعودية خطوة سلبية كبيرة (حصل ذلك قبل التدخل الروسي) حين قررت تنسيق الجهود والمواقف مع كل من الحكومة التركية والقطرية، متخلية عن موقفها التقليدي السابق برفض أي شكل من أشكال التعاون مع «الإخوان المسلمين» الذين تتداخل مواقعهم ومواقفهم، في أكثر من ساحة، مع المجموعات الإرهابية المتطرفة. وهي، أي قيادة المملكة، تنسّق، مثلاً، مع حزب «الإصلاح» في اليمن، وتدعم «جيش الفتح» في سوريا... كل ذلك بسبب الإصرار على أولوية رحيل الرئيس بشار الأسد ارتباطاً، أساساً، بأولوية مواجهة النفوذ الإيراني. طبعاً هذا موقف لا تستطيع واشنطن أن توافق عليه من الناحية الرسمية والعلنية، على الأقل، وإن كانت تحاول استخدامه لاستنزاف الجميع بما في ذلك الحلفاء بالدرجة الأولى، ذلك أن الإدارة الأميركية تواصل استخدام كل أزمات المنطقة (وسواها) ومآسي شعوبها في خدمة تعزيز نفوذها وهيمنتها! وليس أدل على ذلك من أن الإدارة الأميركية قد تركت القيادة السعودية تخوض وحدها الحرب على اليمن وفيها. وهي حرب شديدة التكلفة بكل المقاييس البشرية والمادية والمعنوية.
الأخطاء السعودية والتركية، من جهة، والتردد والانتهازية الأميركية، من جهة ثانية، والأخطار التي تتهدد روسيا نفسها، ثالثاً، هي كلها، ما دفع القيادة الروسية إلى أخذ المبادرة وركوب المغامرة، لكن، بشكل فعَّال ومحسوب واستراتيجي. الروس هم الأكثر حضوراً، الآن، على المستويين الميداني والسياسي. تدخلهم العسكري وضع حداً للاختلال المتزايد، ميدانياً، لمصلحة القوى الإرهابية وداعميها، وأطلق، سياسياً، دينامية متنامية باتجاه التفاوض ووضع الجميع أمام مسؤولياتهم في ضرورة البحث عن حلول لأزمات تتوسع وتستعصي وتتداخل، ولا يستفيد منها إلا الإرهابيون والصهاينة (من حيث النتائج). يشمل ذلك القيادة السورية نفسها (زيارة الأسد إلى موسكو) التي باتت مدعوة إلى تبني واعتماد مقاربة جديدة وجدية حيال مجمل الأزمة تكون الحرب على الإرهاب مدخلها الإجباري ولكن ليس هدفها الوحيد.
حسناً فعلت، إذا، القيادة الروسية في شن حرب فعلية ضد الإرهاب كمدخل للحل السياسي. ينطوي ذلك على فضح الدجل الذي يميز سياسة أولئك الذين يواصلون سياسة مراوغة وقذرة حيال خطر لم يعد يستثني أحداً. اقتران المبادرة العسكرية بالمبادرة السياسية قد يدفع واشنطن أيضاً إلى الخروج من ارتباكها وانتهازيتها. لم يفعل كيسنجر إلا محاولة تقديم نصائح للإدارة الأميركية في التعاطي مع التطورات الجديدة. هو لا يرى ضرورة لإخراج الروس من المنطقة هذه المرة. على العكس من ذلك هو يقترح التعاون معهم على تفكيك الإرهاب ودولته، شرط أن تكون لواشنطن، حسب رأيه، الكلمة الأولى في البدائل «السنية» وأن «تؤدي الدول السيدة في شبه الجزيرة العربية ومصر والأردن دوراً راجحاً في هذه الخطة» كما أكّد المسؤول الأميركي السابق!
وفيما يقع ضمن معادلة «لا توصي حريص» (من حيث أن الإدارة الأميركية قاومت كل الضغوط لمنع توقيع الاتفاق النووي مع إيران)، يرى كيسنجر أنه «في هذا السياق قد يكون دور إيران حيوياً، وعلى الولايات المتحدة الاستعداد للنقاش معها»، ذلك أنها، كما ذكر قبل ذلك «تتربع في قلب السياسة الأميركية الشرق أوسطية»!
الإدارة الأميركية تتلمس خطواتها بـ»تردد» في ضوء المتغيرات المتلاحقة والتناقضات المتعددة. يطالبها «الثعلب» المجرب بالحركة والمبادرة وليس بالعودة إلى سياسة الإخفاقات والمغامرة. الرهان على انقلاب في السياسة الأميركية على طريقة «المحافظين الجدد» هو رهان خاسر كما كانت تلك الطريقة فاشلة وبالغة التكلفة. لا بد، في المقابل، من سياسة عربية جديدة: اي لا بد من نهوض تحرري عربي جديد!
* كاتب وسياسي لبناني