تشهد مراسم اليوم العاشر من محرّم كل عام وعلى امتداد قرون مراسم مثيرة للجدل داخل البيت الشيعي، وهي مراسم مواكب التطبير حيث يقوم البعض بممارسة تقليد يقضي بضرب الرأس بآلة حادة حتى يسيل الدم على الوجه والملابس والتي عادة ما تكون أكفاناً بيضاء.


وتختلف وجهات النظر حول أصول هذه العادة ومصادرها، فمنهم من يرى أنها منتج رافضي بحت، ومنهم من يرى أنها عادات دخيلة على المذهب وثمرة تأثير ثقافات غريبة عن أصول الإسلام. وبغضّ النظر عن مصادرها، فإنّ التطبير صار لازمة للمواكب الحسينية في أغلب الحواضر الشيعية وبخاصة في العراق ولبنان بينما انحسرت هذه العادة في إيران نظراً لمكافحة السلطات الإيرانية لها في جملة ما تقوم به المؤسسة الحاكمة في إيران من إعادة هيكلة للمذهب الشيعي حسب رؤية المرجعية الدينية التي تدور في فلك ولاية الفقيه ونظرتها للشعائر ككل. لكنّ الثابت تاريخياً إنّ تعذيب الجسد عبر ضرب الظهر بسلاسل معدنية وإدماء الرأس واللطم الشديد على الرؤوس والصدور يعود إلى مراحل مبكرة جداً تلت واقعة كربلاء مباشرة، وأول من قام بممارستها هي الشخصية التاريخية الغامضة «المختار الثقفي» والذي قام مباشرة بعد مقتل الحسين بثورته الشديدة الدموية على السلطة الأموية انتقاماً للإمام الشهيد، وهو كان يحضّ أتباعه على تعذيب الذات تعبيراً عن الندم على خذلان الحسين وعن التقاعس في نصرة الإمام الشهيد، كعملية غسل للخطيئة التاريخية التي لا يمكن غفرانها.
وهي بمعنى من المعاني جلد للذات وكره فاضح للوجود الحسيّ وانتماء كليّ لعالم الاستعداد للتضحية بالجسد على مذبح الحبيب. وهو ما يثير الجدل حول كونها في الأساس ممارسة مسيحانية مارسها رهبان الحيرة المسيحيين في العراق قبل الإسلام بقرون ولعلّها انتقلت إلى اتباع المختار عبر هذا التأثير المباشر والاحتكاك الثقافي في العراق. ولعلّ استمرار تلك الممارسة لقرون يدلّ بما لا يقبل الشك على تجذّرها في الوجدان الشعبي بما يتخطى ما يعرف بالضوابط الشرعية الفقهية التي تحرّم إيذاء الجسد، وبالتالي ورغم كونها خارجة على الأصول التعبدية فإنّ كثيراً ممن يقومون بها لا ينتمون في الأصل إلى أي من المدارس الفقهية بل أنّ بعضهم لا يلتزم أصلاً بأي من الشروط الفقهية في الحياة العامة ولا يقيم وزناً لأي التزام ديني. ومع اقتراب يوم العاشر من محرّم يشتد الجدل حول جدوى التطبير ومدى الضرر الذي يلحقه بصورة المذهب في عالم يبني وعيه عن الآخر عبر الصورة التي تصله عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وإرسال صورة شديدة الدموية لن يكون في صالح المطبرين ولا القائمين على المذهب ككل. وعلى الرغم من ذلك، فإنّ رؤوسا حامية كثيرة وفي ازدياد تستعد لجولة من حمام دم في شوارع المدن ذات الأغلبية الشيعية سواء في العراق أو في لبنان، ولن تجدي مناشدات المخالفين في الحدّ من هذه الممارسة. أمّا دعوات التبرع بالدم عوضاً عن التطبير فهي تبدو ساذجة وشديدة السطحية، طالما أنّها لا تلبي ما يشفي مكنونات الأنفس التواقة إلى مشاركة الحسين وأهل بيته تلك اللحظات المأساوية حين اختلطت دماؤهم برمال الصحراء القاسية، وهي تجربة شخصانية لا يمكن أن يفهمها إلاّ من يقوم بها. فلا يمكن في نهاية المطاف تأطير المشاعر والانفعالات ضمن ضوابط شرعية وزجّها في جملة الأحكام الفقهية. فالتلذذ بتعذيب الذات، وإن كان في المفهوم الحديث مازوشية مفرطة، فإنّه في عوالم المشتاقين والعشّاق برداً وسلاماً يطفئ نار الشوق ولا يزيد من الحبيب إلاّ قرباً في توّجه صوفيّ يتناسب في مكان ما مع التوجهات الفلسفية الرافضية والتي تحفل بها الأدبيات الشيعية ذاتها. ومّا لا شكّ فيه أنّ تقاليد الحزن والنواح واللطم والعزاء كان لها الدور الأساسي في إذكاء شعلة كربلاء والحفاظ عليها حية عبر قرون وليس التطبير إلاّ شيئاً من هذه التقاليد. وربّما قد تكون الحملة على التطبير هي في جملة محاولة ترويض للجموح العاشورائي في مظاهره الشعبية ليتناسب مع الصورة «المدنية» التي تحاول المدارس الفقهية أن تظهربها بما يتناسب وواقع الزمان ولو على حساب الحقائق التاريخية، لكن لا يبدو حتى الساعة أنّ هذه المدارس قد نجحت أو أنها ستنجح في لجم جموح جمهورها، فالوجدان يعرف طريقه ولا يمكن ضبط إيقاعه. هو كالحب تماماً أعمى لكن لا يحتاج لمن يقوده.
* كاتب لبناني