عبر محاولتها «استعادة السياق السياسي» وربطه بالعمليات العسكرية الحاصلة من الجو، تجرّب روسيا القول بأنها لم تتدخّل لدعم النظام كما يتهمها خصومها، بل لإيجاد مخرج يُفضي إلى إعادة رسم الخريطة السياسية التي انتهت مع نشوب الحرب. هذا ما حاول بوتين توضيحه حينما استقبل الأسد في موسكو، حيث بدت الزيارة الخاطفة كردّ على المتشكّكين في الاستراتيجية الروسية التي لم يظهر منها إلى الآن سوى البعد العسكري الخاصّ باستهداف المسلحين وبيئاتهم الحاضنة.


المتشكّكون يرون أن الدعم الروسي غير المسبوق للنظام هو مقدّمة لإنهاء الحلّ السياسي وليس العكس، فبعد «الانتهاء من المعارضة المسلحة» لن يكون هنالك ما يمكن التفاوض عليه مع السلطة، وستصبح «المعارضة» هي الطرف الأضعف بعدما تم ضربها بقوّة وإنهاء سيطرتها على معظم الأجزاء التي استولت عليها من النظام.
أصحاب هذه الرؤية ينتمون إلى المعسكر الذي تقوده الولايات المتحدة ويضمّ إلى جانبها كلّ مستعمرات الخليج بالإضافة إلى تركيا، وهؤلاء ليسوا في وارد ترك روسيا «تفعل ما تشاء في سوريا»، فاستثمارهم داخل الأزمة كان كبيراً، والتراجع الذي أصاب مجموعاتهم هنا وهناك (تحديداً العاملة في الشمال والوسط) في ضوء العمليات الروسية لا يعني أنهم مستعدون للتراجع عن السقف الذي وضعوه لعملياتهم العسكرية. مشكلة هذه المجموعات الآن بالإضافة إلى التراجع الميداني الكبير الذي أصابها بعد تقدّم الجيش وقواه الرديفة هي الخضوع الكامل للإملاء الذي فرضته روسيا عبر تدخّلها العسكري الجوي، حيث أنهت بهذا التدخّل حلم المنطقة العازلة وأجبرت تركيا والقوى التي تدور في فلكها على التعامل بواقعية أكبر مع موازين القوى الجديدة. وقد انعكس ذلك بشكل أو بآخر على استراتيجية هذا المعسكر السياسية فارضاً على الدول التي تنتمي إليه القبول بسقف أقلّ من إسقاط الأسد أو عدم شموله في المرحلة الانتقالية. وهو ما أوضحته ردود الفعل على التدخّل الروسي، حيث بدت هذه الدول حريصة على إبقاء التفاهم مع موسكو قائماً رغم الخلاف حول طبيعة التدخّل ووظيفته وما إذا كان ضدّ داعش حصراً أم ضدّ كلّ القوى التي تعتبرها روسيا إرهابية، بما فيها تلك التي تعمل بغطاء كامل من الغرب ودول الخليج وتركيا. هكذا، بقي الخلاف مع الروس قائماً ولكنه في ظلّ التدخّل الجديد أصبح محصوراً بكيفية منع الأسد من الاستفادة من الدعم الكبير الذي توفّره له موسكو. وهذا يعني أن المرحلة المقبلة ستشهد تصعيداً عسكرياً ولكن في إطار عدم التعرّض المباشر لروسيا والاكتفاء بزيادة دعم القوى التي يمكنها مشاغلة الجيش السوري ومنعه من تحقيق مزيد من الاختراقات العسكرية في الشمال والوسط. وفي ظلّ التقارب الأوروبي الأميركي مع الروس فإنّ من سيقوم بهذه المهمة هم الأطراف التي تبدو أقلّ تفاهماً مع روسيا وأقلّ قبولاً بدورها داخل سوريا. هؤلاء وبالاتفاق مع الغرب سيكونون العنصر الفاعل في مشاغلة روسيا ودفعها إلى خفض سقف توقّعاتها من التدخّل لمصلحة السلطة، وهذه المشاغلة مرتبطة بالأفق السياسي الذي تضعه روسيا لتدخّلها والذي يلعب فيه الأسد دوراً أساسياً بينما تراه المعارضة المسلّحة التي تقوم بالمشاغلة لمصلحة الغرب خارج أيّ إطار للحلّ.
الخلاف هنا سينعكس على الميدان وسيقود إلى تصعيد متزامن يلعب فيه الروس الدور الأساسي ولكن من دون القدرة على الحسم، فطائراتهم ستسمح للجيش بالتقدّم واستعادة مناطق أساسية في الشمال والوسط - وهو ما بدأ يحدث فعلاً - غير أنها ستقود في حال قوّضت العمل المسلح هناك إلى ردّ فعل عكسي. هذا الردّ سيتولّاه المسلّحون بدعم من الغرب ودول الخليج لإرباك تقدّم الجيش والحدّ من استفادته من الغطاء الروسي، وهو ما أقرّت به الخارجية الروسية على لسان المتحدثة باسمها ماريا زاخاروفا حين قالت قبل أيام إنّ التنظيمات الإرهابية في سوريا تحصل على المساعدة باستمرار. المتحدثة كانت تتكلّم عن العملية الروسية في سوريا، وهذا يعني أنها ربطت بين المعلومات التي في حوزتها ونطاق عمل القوات الروسية التي تواجه في رأيها (أو ستواجه) صعوبات معيّنة في استهدافها للمسلحين، حيث تقول في خلاصة تصريحها: «دون وقف هذا التدفق من المساعدات (من الخارج) ودون غلق قنوات تجنيد المقاتلين وتجارة المواد الهيدروكربونية السورية وكذلك الآثار الثقافية فإن عملية تصفية الإرهابيين ستواجه صعوبات». عندما تقول ذلك دوائر روسية معينة تكون عملياً قد «خفّضت من سقف التوقعات» على الأقلّ بالنسبة إلى القطاع الذي يعتبر أن العمل الميداني هو الأساس وليس السياسي الذي يستكمل المهمّة العسكرية ويفتح الطريق أمام إتمامها على أكمل وجه. الدبلوماسية الروسية تساعد عبر هذه الإيضاحات في فهم أفضل لطبيعة المواجهة التي لا تتعلّق فحسب بالقوى الموجودة على الأرض والتي «يمكن تدميرها بسهولة» بل أيضاً بمصادر إمدادها. هذه المصادر يستحيل التعامل معها بطرق عسكرية، فهي خاضعة لنفوذ دول مثل تركيا وغيرها، ولدى هذه الدول مصالح مع روسيا، وإذا تعارضت المصالح بين الطرفين في سوريا فهذا لا يعني أن يقود التعارض إلى اشتباك عسكري، إذ لا مصلحة لأحد به، وخصوصاً في الوضعية الحالية التي تحكمها المصالح الاقتصادية. البديل عن الاشتباك هنا هو التفاهم على نقاط معينة يتم بموجبها وضع إطار سياسي للحلّ كما تقترح روسيا، وهي حالياً تعمل على هذا الأمر عبر دعوتها المتكرّرة لعقد لقاءات بين الأطراف الإقليمية والدولية المعنية بالأزمة السورية. في هذه اللقاءات يتحدّد أفق للعمل العسكري ويُوضع له سياق يربطه «بالعملية السياسية» التي يجب أن تُستأنف في مرحلة معينة بعد أن تكون الأهداف المتوخّاة من التدخّل الجوّي قد تحققت، على الأقل جزئياً. الغاية من وضع إطار سياسي هنا وربط العمل العسكري به هو عدم السماح بحدوث تدخّل معاكس لتغيير الوضع الذي اختلّ ميدانياً لمصلحة الروس. وهذا يُعتبر من الناحية السياسية تثبيتاً للوضع القائم، بحيث يجري ربطه «بتفاهمات» تصعّب من دعم المعسكر الآخر للمعارضة، وتضعه في حال حصوله مجدداً في خانة دعم الإرهاب الذي لم تعد مواجهته بعد التدخّل الروسي مقتصرةً على داعش فحسب. الغرب ومعه دول الخليح وتركيا لن يرضوا بهذه المعادلة وسيظلّون يسعون إلى تغييرها، ولكن قدرتهم على فعل ذلك ستكون مقيّدة بالتفاهمات التي حاصرتهم بها روسيا، ومنها مثلاً ما جرى مؤخراً في لقاء فيينا الرباعي، حيث انتهى اللقاء إلى الاتفاق على دعم العملية السياسية في سوريا. هذا على الأقلّ ما صرح به وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف لدى انتهاء الاجتماعات، إذ أكد أن وزراء الخارجية المشاركين (جون كيري وعادل الجبير وفريدون سينيرلي أوغلو) قد اتفقوا على الحفاظ على سوريا كدولة موحّدة علمانية ذات سيادة.
طبعا هذا التأكيد يتعارض مع الدعم الذي تلقاه أطراف معارضة وهابية وتكفيرية من الغرب، ولكنه من حيث الشكل يبقى إطاراً مناسباً لجرّ الغرب إلى تفاهمات جزئية تبقيه عند حدود معينة ولا تسمح له بتوسيع إطار الاشتباك أكثر من اللازم. هذا من وجهة نظر الروس يعدّ استكمالاً للتقدم الميداني الذي أحرزوه بمعيّة الجيش السوري والقوات الرديفة والحليفة له، فالتفاهمات مهما كانت شكليتها تبقى هي المعادل السياسي للعمل العسكري، وفي ضوئها فقط يمكن تحديد فعالية هذا العمل وقدرته على تحييد الخصم والحدّ من استراتيجيته السياسية والميدانية. حتى الآن يتقدّم الروس استراتيجياً خطوةً على خصومهم في الغرب ولكن هذا التقدم ليس حتمياً بالضرورة، وخصوصاً في الحالة السورية التي تقترن فيها الفعالية بالقدرة على إبقاء الاشتباك الميداني ضمن سقف معيّن. هذا السقف هو الذي يحافظ حالياً على التراكم في العمل العسكري ويسمح للروس وحلفائهم بالاستفادة منه سياسياً على مائدة التفاوض، ولذلك فإنّ الإبقاء عليه هو الضمانة لعدم حصول استنزاف في الوضع الميداني، وبالتالي خسارة كلّ «الرصيد السياسي» الذي راكمه الروس منذ بداية تدخّلهم هنا.
* كاتب سوري