«أخطر داء يصيب الحركة الثورية هو داء المغامرة بالثورة أو التلقائية في ممارستها. إنه داء المغامرة بالثورة، في زمن التخطيط الإمبريالي على الصعيد العالمي»

مهدي عامل

يعتبر مهدي عامل من المفكرين الكبار الذين جذبهم الحزب الشيوعي اللبناني منذ تأسيسه عام 1924، فبالإضافة الى مهدي انضم الى الحزب المئات من المفكرين والمثقفين الثوريين الذين أعطوا الحزب إلى أن جعلوا منه منارة للفكر الثوري في لبنان وعلى امتداد جغرافيا العالم العربي، وأحياناً على امتداد بقعة الاستغلال في كل العالم.

فمن مواجهة الانتداب الفرنسي انطلق الحزب، حتى قبل تأسيس الكيان اللبناني، وكان له الدور الأساسي في تحرير لبنان من الاستعمار، بحيث أن كان أمين عامه فرج الله الحلو احد اهم رجالات الاستقلال، فيما يحاول النظام اللبناني حتى اليوم محو دوره ودور رفاقه ومن خلفهم الحزب الشيوعي في هذه المعركة.
وخلال هذه الفترة كان الحزب يخوض نضالاً إيديولوجياً سياسياً مميزاً في مواجهة الفاشية والنازية، وخاصة من خلال التجربة الرائدة في هذا المجال أي «عصبة مكافحة الفاشستية» التي ضمت المئات من المثقفين والمفكرين اللبنانيين والسوريين (كان الحزب يومها واحداً في لبنان وسوريا). وقد ساهمت هذه العصبة في فضح النازية وكشف مخططاتها في بلادنا كما عبّأت الجماهير ضد المد النازي.
وقف الحزب ضد كل الأحلاف المعادية للشعوب وكان في طليعة القوى التي قادت ثورة 1958 المناهضة لحكم شمعون وتبعيته لحلف بغداد والاميركيين. وخاض معركة تأسيس الدولة وكان طبعاً ينادي بدولة منحازة للفئات الفقيرة والمستغلة، فخاض النضالات لتأسيس الجامعة اللبنانية وقانون العمل والضمان الاجتماعي وغيرها الكثير من المكتسبات التي ما زلنا نحارب بشراسة من اجل الحفاظ عليها في وجه هذا النظام.


كيف يمكن الحزب التصدي
للتطورات، وهو لم يعقد مؤتمره
منذ ست سنوات؟


كان الوضوح السياسي هو الرئتين اللتين يتنفس منهما الحزب. فكلما ابتعد عن هذا الوضوح في الرؤية انعزل، وكلما عاد ليستبق الأحداث بالتحليل العلمي والبرنامج الثوري عاد شبابه وعاد ليكون جاذباً شاباً رغم تقدمه بالعمر. هذه السمة هي التي صبغت حياة الحزب منذ أواسط الستينيات حتى بداية الحرب اللبنانية. فوضوح الرؤية السياسية والتطور الفكري سمحا للحزب بقراءة صحيحة للمتغيرات في الواقع المحلي والعربي، فكان قد حسم ثلاث قضايا أعادت الحزب الى موقع الفعل. أولاً كان أن حسم الحزب النقاش حول طبيعة النظام اللبناني بما هو نظام رأسمالي وعلى هذا الاساس صاغ برنامجه للتغيير الديمقراطي الذي اقره المؤتمر الثاني للحزب، القضية الثانية هي الموقف من القضية الفلسطينية والصراع المحتدم مع العدو الإسرائيلي في اكثر من بلد عربي. فقد حمل الحزب شعار تحرير فلسطين معتبراً إياها القضية المركزية وصاغ على اساس هذه الرؤية شبكة واسعة من التحالفات، كان اهمها التحالف مع قوى الثورة الفلسطينية، أما القضية الثالثة فكانت انتفاضة داخل الحزب نفسه. فقد كان هذا الحزب ثورياً على مستوى الحياة الداخلية أيضاً، إذ كرس المؤتمر الثاني للحزب (1968) فكرة المركزية الديمقراطية وأعاد للحزب حياته التنظيمية الداخلية. وكانت هذه الانتفاضة انعكاساً لعمل الشيوعيين ونضالهم حيث انهم كانوا على ابواب تسلم السلطة عشية الحرب.
لم يهرم هذا الحزب، بسنينه الـ91 ولم تصبح نضالاته ولا مفاهيمه «قديمة» بل أصبح «عريقاً». وما كنا لنتحدث عن عراقته لولا موقفه التاريخي في تأسيس جبهة المقاومة الوطنية البنانية، بعد تدنيس الصهاينة لبيروت، واستمراره بالعمل المقاوم حتى تحرير معظم الاراضي اللبنانية. وقد قدّم في مسيرته المقاومة هذه المئات من الشهداء والجرحى والاسرى.
هذه النظرة السريعة إلى العديد من محطات الحزب الاساسية لا تعفينا من القول بأن في تاريخ الحزب وحاضره العديد من النكسات منها السياسي والفكري والتنظيمي، إلا أن التصدي لهذه النكسات بروح ثورية هو اساس استمراره على مدى 91 عاماً.
اليوم في العيد الـ91 ما زال الحزب مستمراً فاعلاً في كل الساحات، وفي الكثير من الاماكن قائداً لها، إذ حافظ على احدى الصفات التي لطالما حاربها عندما لصقت بالنظام اللبناني من قبل البورجوازية اللبنانية، وعنينا «الفرادة».
هذا الحزب يعتبر فريداً الى حد ما بين الاحزاب السياسية اللبنانية، إن من حيث عمره او مواقفه السياسية او فكره او حياته الداخلية التنظيمية. الا انه ومن موقع النقد للحفاظ على عراقة الحزب ونضارته، لا بد من طرح مجموعة من الاسئلة.
هل للحزب اليوم وضوح في الرؤية السياسية؟ هل لديه موقف واضح مما يجري في سوريا والعراق وكل العالم العربي؟ إن كان كذلك، ما هي المهام التي حملها في هذا المجال؟ هل بادر الى تأسيس ما يشبه «عصبة مكافحة الفاشية»؟ وخاصة ان الفاشية الجديدة تحتل جزءاً من الاراضي اللبنانية وخطرها يصل الى كل بيت؟ (عنينا بذلك داعش واخواته، واميركا واتباعها من خلفهم). هل لدى الحزب اليوم الجرأة السياسية التي تعودنا عليها في تاريخه في ان يبحث خطر هذه الهجمة على المنطقة ويصيغ على اساس هذا التحليل التحالفات التي تساهم في التصدي لهذه الهجمة؟ هل سيعود الحزب بشكل جدي الى العمل المقاوم المسلح؟ خاصة ان بدل التهديد الصهيوني الواحد أصبح هناك عدد من التهديدات ذات التوجه الصهيوني الفاشي نفسه.
يعتبر المتحكّمون بالقرار الاقتصادي في لبنان من أفشل الاقتصاديين في العالم. فهذا البلد لم يتقدم خطوة الى الامام على هذا المستوى منذ نهاية الحرب الأهلية، وما يجري اليوم من حراك شعبي يثبت ذلك. في المقابل يخرج احد «عباقرة» هذا الزمان ليتهجم على الشيوعية وكارل ماركس وفكره. فما كان رد الحزب العلمي على امثال هؤلاء؟ هل يملك الحزب طرحاً لسياسة اقتصادية اجتماعية بديلة عن القائم اليوم من التعليم والصحة والنقل والكهرباء... وصولاً الى السياسة النقدية والدين العام؟
يبقى الجانب الاهم من الاسئلة. لطالما كانت واحدة من ميزات هذا الحزب عن باقي الاحزاب انه يعقد مؤتمره الوطني بشكل دوري كل اربع سنوات، حيث أنه نادراً ما نرى حزباً لبنانياً ينظّم مؤتمراً ينتخب خلاله أميناً عاماً أو رئيساً له في مواعيد محددة. إلا ان الحزب الشيوعي اللبناني حافظ على هذه الميزة لاسباب عديدة، اهمها انه لا يأخذ قراره السياسي من نشرة تصله من سفارة او ما شابه، بل يعتمد على النقاشات والتحليلات التي ينتجها المؤتمر.
فكيف يمكن للحزب التصدي للتطورات السياسية، وكيف له الاجابة على الاسئلة السياسية التي طرحناها، وهو لم يعقد مؤتمره منذ ست سنوات؟ كما ان الحزب حرص على كسر شعار «عاش الامين العام لمئة عام»، وكانت هذه واحدة من السمات التي حافظت على الديمقراطية في الحياة الداخلية للحزب، فهل تخلى الحزب عن هذه السمة؟ هل سيعقد الحزب مؤتمره الحادي عشر أم سيتحول كباقي الاحزاب الى حزب بلا مؤتمرات؟ هل سيقوم الشيوعيون بإعادة صياغة برنامجهم النضالي ليستعيد حزبهم دوره وشبابه كما حصل في المؤتمر الثاني عبر عقد مؤتمره وفتح باب النقاش واسعاً في كل القضايا المطروحة اليوم، خاصة تلك التي طرحها الحراك الشعبي؟
«إن الطابع الثوري لحزب الطبقة العاملة لا يأتيه من اسم يحمله أو يرثه، فالحزب هذا يكتسب بالنضال طابعه الثوري...» هكذا قال مهدي عامل يوماً، وهذا الحزب اكتسب بالنضال طابعه الثوري، ما يضع الشيوعيين امام مهمة تاريخية هي الاستمرار في هذا النضال على كل المستويات للحفاظ على هذا الطابع الثوري لحزبهم.
* باحث عربي