كان خطاب السيد حسن نصرالله يوم الجمعة، في ليلة التاسع من محرّم، من النوع المميّز والنادر، بالنسبة إلى أسلوب السيد كما للخطاب السياسي العربي المعاصر.


قد يغيب عمّن لم ينشأوا ويكبروا في الأعوام السابقة للثمانينيات، أو من لم يقرأوا عن هذه المرحلة، مدى ما استوعبه هذا الخطاب من منطلقات التحليل السياسي ذي التقليد «الماركسي»، ومعاداة الاستعمار والإمبريالية، ومن «يسارية»، إذا صح التعبير، وهو ما بدا جليّاً عند جمهور الشباب المشاهدين للخطاب، الموجودين في قاعة «مجمّع سيّد الشهداء»، إذ كان تجاوبهم أكبر مع الجزء الأخير من الخطاب، الذي تناول العائلة الحاكمة السعودية والأعداء الإسلاميين، مقارنة مع تجاوبهم والجزء الأول من الخطاب، الذي طال لأكثر من ثلثي المدّة الكاملة، وتناول الولايات المتحدة الأميركية وهيكلية سلطتها. ومع أن خطابات سابقة للسيد نصرالله احتوت على بعض من خطاب ليل الجمعة، إلا أن اختياره لهذا الخطاب وهذا الموقف، وببنية الأفكار غير الاعتيادية هذه، بدا غير متجانس مع ما اعتاده جمهور مناصريه في الأشهر الأخيرة. كان يجب أن يكون «الموت لأمريكا» أو حتى «الموت للنفط والسلاح» هو الشعار الأساسي للجمهور إثر سماعهم للخطاب، بدل «الموت لآل سعود»، إذا ما قيس الخطاب بالنسبة إلى أولويّاته النظرية والكمّية. لكن لا يهمّ، وقد يكون الأمر أفضل كذلك، على المدى القريب.

بعض المعطيات العربية والدولية
وقد تصح قراءة خطاب السيد هذا ضمن تقاطع مجموعة من المؤشرات في الأسابيع الأخيرة. فمثلاً، بعد أسابيع من التحليلات والتساؤلات عن مترتبات التدخّل الروسي المباشر في الحرب السورية، بدا في الأيام الأخيرة أن هذا التدخّل لن يحول دون تطوّر الحرب الجارية بين دول عربية وإقليمية شتى، ولن «يُحرج» أجندة أحد من الأفرقاء المتناحرين، وذلك بالرغم من وجود ما يوازي «هاتف أحمر» بين روسيا والولايات المتحدة حول الحدود القصوى للصراع وخريطة مشتركة للطلعات الجوّية. هو ما يمكن استخلاصه من خطاب الرئيس الروسي التصعيدي، حول «الخداع» الذي يُمارسه الأمريكان. أي إن التدخّل الروسي لن يشكل عائقاً أو رادعاً بحد ذاته أمام تطوّر ديناميكيات الحرب الشرسة التي تموّلها وترعاها السعودية وقطر، بمباركة أميركية، مهما كانت ادعاءات النظام الأميركي عن محاربة «الدولة الإسلامية». وسياسة «الخداع» مستمرة، وهي بالكاد تخفي حقيقتها. ويمكن التوقف أيضاً عند كلام للرئيس الأميركي، المُتحرر كما يقال من قواعد الدعاية الذاتية مع مشارفة ولايته الثانية على الانتهاء، إذ سأله صحافي في مقابلته على قناة «سي بي اس» عن تعليقه على ازدياد الدور «القيادي» الروسي في الشرق الأوسط، فرد عليه الحائز جائزة «نوبل» للسلام هذا متهكماً بكلمة «القيادي»، ومشيراً إلى أن الروس الذين كانوا مستحوذين على نظامين صديقين في أوكرانيا وسوريا «عند بدء ولايته الرئاسية» باتوا الآن محرومين ذلك ومنغمسين في حروب في البلدين المذكورين، وكأنه يقول إن الحربين الجاريتين في البلدين كانتا من إنجازاته، لكن الحياء يمنعه من قول ذلك بوضوح.
ضمن هذه المعطيات، فيما يبدو النظام الأميركي ماضياً في سياسة تفتيت المنطقة، يمكن أيضاً قراءة التغيّر الحاصل في خطاب السيد منذ شهر، من تشديده على أولوية التمسّك بالحكومة الحالية في مقابلته مع عماد مرمل على «المنار» إلى تهكّمه باحتمال خروج الحريريين من الحكومة في خطاب الثامن عشر من تشرين الثاني. وقد تكون، في هذا الخصوص، المعادلة التي حاول بموجبها حزب الله تهدئة السعودية في العراق، ثم سوريا، من طريق احترام حدود نفوذها في لبنان، في العقد الماضي، إذ إن السعودية بانصياعها الكامل للأمريكان تكون قد أخرجت نفسها من المعادلة، كذلك بات أمل تهدئة عدائيتها مُعدماً. هذا بينما اعتبارات حزب الله الداخلية اللبنانية، بعدم فتح جبهات مجّانية تضعه في مواجهة مع حالات جماهيرية مُعبأة، قد تحافظ على وجود تيار المستقبل أو أي رديف طائفي يخلُفه في ما بعد أفول هذه المعادلة.
في العام المنصرم، يبدو أن البعض من المقرّبين من تحالف طهران، الضاحية، بغداد ودمشق انتظر تطوّر الأزمة المالية السعودية، على أمل أن تؤدّي هذه إلى التخفيف من عزيمة النظام السعودي في متابعته الحرب. لكن ذلك لم يحصل، ليس في النيّات المعلنة للنظام السعودي على كل الأحوال. وقد يكون جواباً على هذا الأمر أن تحدَّثَ السيد في يوم الجمعة من جديد عن استعداد السعوديين للتضحية باقتصادهم لتنفيذ أوامر الولايات المتحدة، وقد حدد أن الموضوع «قاعد على قلبه» معتذراً للجمهور عن استخدامه لمصطلح «التنابل» في شهر محرّم. ويفيد التذكير في هذا الخصوص، وهذا يغيب عادةً عن التحليلات الاقتصادية المُركزة على موضوع العائدات النفطية المباشرة، أن سبب انهيار الاقتصاد السعودي ليس وحده انحدار أسعار النفط، الذي أطلقته الدولة السعودية نفسها، ولا فائض المشتريات العسكرية، إنما أساساً مئات مليارات الدولارات، الناتجة على مر السنين من النفط، المستثمرة في الاقتصاد الأميركي، التي لا تعود بأي فائدة لبلاد الجزيرة العربية و«حساباتها القومية».

تحولات إيديولوجية تفرض نفسها
لكن هناك المزيد عن كل ذلك عند من تابع نشوء وتطور «حزب الله» على مر السنين. بعد عقود من محاربة «الروح الانهزامية» العربية، والتبسيط التحليلي في ما يخص الصراع مع العدو، وبالأخص، بعد الإثبات بالأفعال وبالنتائج أن إسرائيل يمكن أن تُهزم بسهولة أكثر من المُتوقع ضمن أطرٍ موضعية حدودها السلاح النووي، يجد من حملوا هذا النضال أنفسهم اليوم أمام مجموعة مختلفة كلّياً من الضغوط والواجبات، مجموعة لم يعرفوها من قبل بحجمها اليوم، منحاها الصراع العربي - العربي، أو الحرب داخل المجتمع العربي، وتُحتم عليهم تطوير قواهم وتشتيتها بشكل متزايد وبوتيرة زمنية وبشرية قياسية، فيما العدو القديم، الإسرائيليون، مُعفَون من هذا النوع من المجهود. مهما تحدّث السيد عن «استعداد» الحزب للتحدّيات المستجدّة عند كل مفترق طرق، لا يمكن المشاهد المتعاطف والمنسجم مع هذا الخط السياسي ألّا يشعر بالكثير من الأسى، إن لم يكن من الإحباط، أمام حجم المهمات المفروضة في كل مرة على الرجل وعلى الحزب وشبابه.
وقد يجوز بعد سنين أو عقود من اليوم، إذا ما نجح الحزب في الاستمرار والمثابرة وتحقيق الانتصارات تعويضاً عن أخطاء غيره الكارثية، وبالنيابة عن كل العرب فيما تغرق مجتمعاتهم في الأزمات والتدهور الاقتصادي، قد يجوز حينها القول إن العالم العربي شهد إنساناً وحزباً بقامة التجارب الكبيرة في تاريخ الإنسانية. وتجربة فييتنام الشيوعية قد تكون خير إطار للمقارنة، ونحن لسنا في مستواها بعد لأن الفرصة ربما لم تعطَ لنا، وليس بالضرورة بسبب التقصير. وتحرير جنوب لبنان ليس سوى محطة أولى في هذا المسار، وقد علّق عليه السيد في خطاب خلال الأسبوع عن أنه أهم شيء حققه هذا البلد.
كان تحرير الجنوب، قياساً بوضع اليوم، مجرّد محطة، برهن خلالها حزب عربي أنه يستطيع أن يأخذ على عاتقه قضية «سياسية» بعقلانية وعلم وكفاءة، وهي جميعها صفات لم تتحقق في التجارب النضالية السابقة. وإشارة السيد إلى أهمية تحرير الجنوب في خطابين خلال الأسبوع، بشيء من الحسرة على ما أحسست، ليست سوى دليل على مرور قيادة حزب الله اليوم في نقطة تغيّر معينة في إطار تعايشه مع محيطه السياسي.


كان تحرير الجنوب مجرّد محطة، برهن خلالها حزب عربي أنه يستطيع أن يأخذ على عاتقه قضية «سياسية» بعقلانية وعلم وكفاءة
نقطة يمكنهم تحسسها على مستوى الوعي، وتستدعي منهم وضع الإنجازات السابقة في إطارها وصوغ استراتيجيات جديدة تتناسب مع أطر جديدة. من هذه الاستراتيجيات، تتجلى اليوم بوضوح استراتيجية معاداة العائلة السعودية الحاكمة، وهي الاستراتيجية التي يحبّها ويتوق لها الجمهور بسبب مواجهته اليومية المباشرة مع أدوات هذه الدولة الإعلامية والسياسية والجهادية. وتنجلي من جهة أخرى الاستراتيجية التي تقول إن بعد نقطة التغيّر هذه، وبسبب انكشاف المجتمع العربي على الحرب الداخلية، قد يكون هناك نقاط تغيّر أخرى تتبع، وربما حياة أو عمرٌ من نقاط التغيّر لكل واحد منا معاصر لهذه الحقبة، مفروضة علينا من قبل خصم عمره بقدر أعمار أجيال متتالية وكثيرة سبقتنا، «منذ الحرب العالمية الأولى والثانية» يقول السيد، وأكثر بمئات السنين عند بعض المحللين الماركسيين، هو «رأس المال»، المركزي، والمتمركز في الغرب.
قد تكون مناسبة ذكرى عاشوراء ومقتضياتها هي الحافز لإلقاء السيد هذا الخطاب. وقد يكون تفكّره النظري للمناسبة، أي جهد توقّفه عند «تجربة الإمام الحسين»، أو اتصاله «بالميتا تاريخ» كما يسميه مؤرخ الإسلام الأول هشام جعيط، هو الذي قاده إلى الكلام بالتاريخ، بمستوى تاريخي أوسع من الكلام عن الأحداث المعاصرة وحدها. لكن جميع المؤشرات تدل على أن السيد يستوعب اليوم فكرة تغيير في الاستراتيجيات قد ينبثق منها تغيير دائم لذات الحزب، أو لشخصية الحزب. في عدة خطابات أخيراً، جاء في كلامه ما معناه: «إننا بتنا مقتنعين بالخيار الذي أخذناه»، أي التدخّل في سوريا ومحاربة التكفيريين مباشرةً، وهي دليل على تصوّر لتحديات الحزب اليوم فيه شيء مختلف عن منهجية تفكيره في الماضي حين قرر الدخول في الحرب السورية. وقد يكون السيد قد وصل إلى هذا الإطار من التفكير منذ زمن، وكتمه حتى اليوم حتى يتأكد من إمكانية تطبيق التحولات المناسبة على القاعدة الحزبية ثم الجماهيرية بسلاسة قبل إطلاق التوجيهات والتصوّرات الجديدة. ولا بد من الإشارة هنا، إلى أن المشهد التعبوي في قاعة مجمّع سيّد الشهداء، هو واحد من دلائل نجاح الحزب في استيعاب التغييرات وتلقينها لقاعدته، فيما يمكن مقارنة التزام شباب حزب الله في القاعة بالشعارات السياسية، مثل الإشارة المحصورة إلى عائلة مالكة وليس التعميم على دولة وشعبها بأكمله، بالمقارنة مع غير تجارب حزبية، إسلامية أو طائفية «معتدلة»، تتسم شعاراتها الأكثر حدّية بالطابع العنصري، مع أن بعضها لم يحمل السلاح قطّ، ولم يتكبد خسائر بشرية ولا داعي عملياً عندهم بالتالي للحدّية في الكراهية.
في هذا الإطار الجديد، يمكن فهم استعانة السيد بمنطلقات نظرية ونضالية من الإرث الماركسي واليساري، على انها تلبية لحاجة مستجدة لملء «عُمر كامل من الصراعات المتغيرة» عند الناشطين الحزبيين والجمهور اللبناني للحزب، فتقدم له المنطلقات اليسارية الوعود والتصورات والمتطلبات المناسبة. لم تعد «ثقافة» او «ايديولوجية» أو «جو» التمايز عن الواقع اللبناني وحده كافية لتنشئة الشخصية الحزبية والجماهيرية الجديدة. في قياس صراع الماضي، كانت إسرائيل «شراً مطلقاً»، الآن في خطاب الجمعة الفائت، اصبح كيان العدو مجرّد «أداة»، وهذا لا يعني تبسيط فهمه، بل وضعه في الاطار الاوسع، كحلقة من مجموعة حلقات من الصراع.
لكن يبقى السؤال: هل الاستعارة الايديولوجية وحدها كافية؟ وهناك تحديات لا شك ستبرز بسبب وجود العدو الاكبر، شركات النفط والسلاح مثلاً، في قارة اخرى وراء البحار. ومن هذه التحدّيات استحالة ضرب العدو بالضربة القاضية، او بشكل يشلّ امكانيته التوسّل بأدوات اخرى من الارض الاجتماعية العربية، او اقلّه بالشكل الذي سيريح «قلب» الجمهور والمناصرين والمناضلين.
لم يكن اليسار المنظّم ناجحاً على الدوام، لذلك لا يجوز قراءة تاريخه بالأحكام المطلقة، أو بمنطق «الميتا تاريخ»، الديني (وهو ما لا يجوز في أي قراءة تاريخية أو اجتماعية معاصرة). لكن حين شهد اليسار النجاح في مراحل الصراع الحربي والمباشر مع أعدائه، كان ذلك لأنه، علاوةً على اعتماده منطلقاته النظرية، قدّم الأرض للفلاح، والعمل للعامل، وحارب المجاعة والمستعبدين المحلّيين حيثما وجدوا. ونجاحه العام يمكن قياسه من خلال تحسينه لحياة الناس وللمستويات الاقتصادية للمجتمعات التي عُني بها، أو أقله، لأنه وعد الناس بتحقيق ذلك، ووعد ذلك لشعوب الأرض كافة.