درج عند السياسيين من خارج وداخل كنف الدولة انتقاد الدولة وأدائها بشكل عام. كذلك تتعرض الدولة ورجالاتها لشتائم يومية من المواطنين المعترضين الزاحفين في الشوارع أو المرابطين في منازلهم ومراكز عملهم من خلال أحاديثهم اليومية، حتى أنني قرأت تصريحاً منذ أيام يقول فيه وزير (من دون ذكر اسمه)، أنه يخجل كونه من كنف الدولة أو الوزارة أمام تقاعص الدولة الكبير في خدمة الناس.


هكذا اعتاد المواطنون والرسميون شيطنة الدولة وأجهزتها وكأنّ هذا الكيان، أي الدولة، منعزل تماماً عن إرادة السياسيين أو شعب لبنان أو كأنها كيان مستقل غريب معلق بالهواء أو جزيرة منعزلة في المحيط. لا مسؤولية للسياسيين والشعب اللبناني في سوء ادارتها أو تكوينها.
تكونت الدولة في حدودها بعد الاستقلال عن فرنسا وتأسيسها عام 1943، على موافقة نيافة بطريرك الموارنة تحديداً بالانفصال عن وادي النصارى في سوريا، وتحالف والطائفة السنية تحديداً بالانفصال عن السنية الشامية ومدينة دمشق طوعاً. وأخذت الحدود الشمالية اسم أحد البطاركة، العريضة، حيث حددت حدود لبنان الشمالية مع سلطات فرنسا آنذاك، وحدد الانكليز الحدود الجنوبية بفلسطين وكان لا يغفل على الجميع التحضيرات الصهيونية الجارية لاغتصاب الكيان الجغرافي الفلسطيني وتهجير شعبه، والبحر المتوسط الحدود البحرية الغربية لدولة لبنان...
التزم السياسيون اللبنانيون المعنيون بموازين القوى الطائفية وفق توزيع فرنسا للمناصب تبعاً للنفوذ والتمثيل الطائفي وأخذوا على عاتقهم بعد الاستقلال متابعة تكوين الدولة والمؤسسات وفقاً لقوانين ونظم جرت ممارستها في الانتداب... غير أن العائلات والطوائف والعشائر والمناطق حالت دون متابعتها، فأهملوا الزراعة والصناعة واتكلوا على دور العاصمة بيروت التبادلي التجاري واستقبلوا شتات رجالات الأزمات العربية المتعاقبة ورساميلها منذ نكسة فلسطين حتى الانقلابات العربية المتتابعة من سوريا ومصر والعراق والسودان وليبيا ونسوا تنشئة الدولة وتربية الاجيال وتضافروا على الالتفاف على القوانين ضمناً وتبعاً لمعادلات طائفية معقدة شهدت صعود ونكوث كل طائفة اساسية في عمليات مد وجزر للنفوذ الطائفي لكل طائفة وأصبحت الدولة يتيمة من أبوّة ساستها وأمومة شعبها، فتم استبدال الدولة بالميليشيا من قبل البعض أو الجيش بالقوات الفلسطينية، واعتاد السياسيون أو ممثلو الطوائف المنتصرة اختزال الدولة في تحقيق مآربهم الضيقة بمعزل عن المصلحة الوطنية العليا. فموضوع الإنماء المتساوي في المناطق أو تقوية الجيش والاجهزة المركزية كذلك حماية الحدود بحراً وجواً وأرضاً ومواضيع أساسية وطنية أخرى شكلت مواضيع ثانوية على جدول أعمال السلطة التنفيذية الطائفية الصاعدة المنهمكة على تركيز مناصريها وتثبيت سلطتها. استعملت الدولة وأجهزتها في خدمة الطائفة الصاعدة وقد اعتلى ممثليها الحصريين مقاعد الحكم الامامية، وجيّرت الدولة لخدمة المد الصاعد الطائفي وممثليه في الدولة وفي الوظيفة في مشاريع محورها مصالح ضيقة تخص البطانة وزعمائها والسلطوية الجديدة.


التزم السياسيون المعنيون
موازين القوى الطائفية وفق توزيع فرنسا للمناصب

وكانت تتغير أهداف الدولة وخططها تبعاً للطيف الطائفي والفريق السياسي الطائفي المسيطر في المعادلة الطائفية الوطنية خلال عملية المد والجزر الطائفي عبر ممثلين الطائفة الطاغية في حينه في اعتلاء كرسي السلطة واعادة توجيه مركب الدولة وأولوياتها تبعاً للمصلحة الطائفية والمناطقية واحياناً العائلية العليا الآنية.
فشهدنا صعود الموارنة وتحالفهم والسنة منذ التأسيس 1943 حتى أواخر الحرب الاهلية سنة 1975، ثم بعد الحرب الاهلية صعد تحالف السنة والشيعة نتيجة صراع الحرب الاهلية من الفترة الانتقالية 1991 الى 2005 ثم الفترة الحالية التي نعيشها في تعادل قوتين متساويتين في العدد والنفوذ قوام القوتين مزيج متعادل من الطوائف، ما جعل الغلبة مفقودة والتناحر المتوازن جدول الحياة السياسية اليومية وهذا الوضع يدوم منذ حوالى 7 سنولت حتى اليوم.
اغتنمت أجهزة الدولة العميقة، أيامنا هذه، فرصة توازن الكتلتين السياسيتين (8 و 14 أذار) من محافظية ومن أمن داخلي وجيش ومحاكم وبلديات ودوائر ومؤسسات عامة مستقلة في الصناعة والزراعة والطبابة والتعليم لشق طريق لدى الناس كخشبة خلاص للوضع التناحري السياسي اليومي وابتعدت الدولة العميقة عن الكيدية السياسية اليومية وجذبت جمهوراً عتيداً من جميع الفئات الاجتماعية والاعمار، جمهور تعددي يعتبر ان على الناس العاديين وأجهزة الدولة المتاحة التآلف والتعامل اليومي والاستفادة من فرصة التعادل في نفوذ القوتين الاساسيتين 8 و14 آذار، وأمكن هذا التعادل ان يلغي قوة الطرفين الفاعلة على مستوى أجهزة الدولة العميقة لانشغال الفريقين في خلو كراسي الدولة التنفيذية المباشرة. فالقوة والقوة المضادة مكنت أجهزة الدولة ان تعمل من جديد بكثير من الحرية والاستقلالية والثقة في تطبيق القوانين والشروع في إحلال بعض العقلانية الضميرية والقانونية في مسيرة هذه الهيئات الرسمية الفاعلة، فلمع نجم الجيش وقوى الامن والبلديات المحلية واتحاداتها والجامعة اللبنانية والمستشفيات الحكومية والمؤسسات الصناعية والطيران الوطني والبنك المركزي، وبدأ الناس في حراكهم في الشوارع أو في ثباتهم في منازلهم وأعمالهم يشعرون أن بالإمكان بل من الافضل العيش بالخروج عن المعادلة الطائفية الناظمة للعمل الحكومي والعمل السياسي، والاكتفاء بوطنية الدولة العميقة على ما تحقق للمواطنين من حدود دنيا للحياة دون أعباء وتبعيات المعادلات الطائفية وزعماء الطوائف القابعين في كراسي السلطة الحاكمة. وبات هذا النمط يتمدد وعياً يومياً في النسيج الاجتماعي الوطني اللبناني ونتج عنه نمط تغييري حقيقي حراكي متنامي سقفه وهدفه السامي بناء الدولة الحديثة العلمانية.
ننطلق من المؤشرات أعلاه للنظر وتحليل الحراك الشعبي الحالي في بيروت، وفي كل المناطق بما فيه من مطالب شعبية تعبّر عن مظلومية شعبية عامة وتاريخية، جراء فشل ذريع في أداء الدولة المباشرة منذ الاستقلال حتى اليوم. وذلك رغم محاولات عديدة للاصلاح لم تنجح في كبح جماح المد والجزر الطائفي في ادارة الدولة الطائش الى ما وصلنا اليه اليوم في الازمة الحياتية والمعيشية من شلل.
يتألف الحراك الشعبي من فئات اجتماعية وطوائف اعتادت عدم التلاقي تبعاً لموروثها الطائفي والطبقي على أرضية مشتركة مهما كانت المطالب. فنجدها تسير اليوم في الحراك موحدة وجامحة للتغيير والكلام الصريح عن الزعامات الفاسدة وغش التمثيل وسوء وغبن الأداء والفساد والمحاسبة. ويحمل الحراك بذوغ وعي مفهوم وفائدة الدولة العميقة العادلة الذي يلفظ ممارسات الدولة المباشرة البلوتوقراطية النفعية المجحفة وزعاماتها الأبوية الطائفية الطاغية. فانتقل الحراك للمطالبة بدولة مباشرة أهلية مأهولة وظيفية ورفض الدولة الابوية الطائفية المجحفة وأيضاً نخبها وتوابعها، فاتحة لباب النقد والمحاسبة والتصحيح شروعاً الى تغييرات بنوية جذرية. فنفي الدولة المباشرة هذه هو أيضاً نتيجة نفي النفي بين القوتين 8 و14 آذار المتناحرة والمتعادلة ما شرع الابواب للحراك في التوغل في مسألة الأداء السلطوي، ناهيك عن حسن ادارته ونزاهته ومحاسبة الماضي. الجدير بالتذكير أن عديد الحراك وتنوعه في تلوينه لا بأس به، ولكنه لا يزال يتعاطى مع قلة نخبوية وهامش شعبي ضئيل وهنالك غموض لأهدافه السياسية المستقبلية من عدمه. كما ان الفريقين المتناحرين 8 و14 آذار يمثلان أكثرية شعبية وسلطوية لا مجال للاستهانة بها، والبديل عنهما أو عن توازنهما أو عن نفي النفي، هو الغلبة لأحدهما مما يعبدّ، لا سمح الله، لحرب أهلية ثانية محتملة أو لفترة اضطرابات طويلة كما تشهدها البلاد العربية المحيطة ولا سيما انخراط السياسات اللبنانية في فلك الحرب السورية بما فيها التدخلات العسكرية المباشرة والسياسية الدولية أقلهم التدخل الروسي والاطلسي. فالمخاطر كثيرة وعلى الحراك أن يدرس ويتمعن في خياراته وأهدافه المستقبلية عله لا يكون معجلاً أو مسبباً لأزمة أكبر.
ففي معادلة نفي النفي تتبلور عامية شعبية مناطقية ووطنية بإمكان حركتها ووعيها في نموها أن تغير معادلات أساسية معوجة غير متساوية موروثة وصولاً ان شاء الله الى معادلة وطنية علمانية جديدة تفتح الباب لمستقبل في لبنان يمكننا أخيراً بناء الدولة العلمانية الحديثة الوطنية.
الحراك هو الرد المدني في ضرورة تثبيت الدولة العميقة لعقلنة الدولة المباشرة التاريخية المأزومة.
* رئيس تجمع عائلات بيروت