تدخل الهبّة الشعبية الفلسطينية أسبوعها الرابع وهي الأوسع انتشاراً على امتداد جغرافية فلسطين، والأشد صلابة في مواجهة القتلة، سواء كانوا بلباسهم العسكري أو المدني، والأبهى في تحرك الآلاف تحت مظلّة العلم الفلسطيني، الواحد والموَحد، في تغييبٍ واستبعادٍ لأعلام الفئوية الفصائلية.


واذا كانت موجات المواطنين المتتالية في الشوارع والميادين، بكتلتهم الأبرز من الشابات والشباب، متفاوتة الحجم خلال النشاطات الشعبية بين الاحتكاك والصدام المباشر مع حواجز الغزاة المحتلين ودورياتهم العسكرية - القمعية المتجهة لاعتقال أحد المقاومين، أو أثناء تشييع جثامين الشهداء التي تحشد داخل الكتلة الجماهيرية شرائح اجتماعية وفئات عمرية لم يكن حضورها لافتاً في الاحتكاكات المباشرة، فإن اللافت للمراقبين كان المشاركة المهمة للمخيمات «شعفاط والدهيشة» ولأحياء القدس المحتلة، بما تجسده من بيئة مجتمعية حاضنة في هذه التحركات.
ترافق مع هذا الاندفاع الشبابي، في معظمه، تصاعد العمليات الفردية البطولية التي تركزت في القدس المحتلة وبعض مناطق الأراضي المحتلة عام 1948، والتي استخدم خلالها، بجانب السلاح الأبيض والدهس بالسيارة وأدوات قذف الحجارة: المقلاع والنشابة «النقيفة» والمنجنيق والسلاح الفردي في حالات محددة.
شعب واحد مُوَحَدْ
رغم الاتساع المكاني للتظاهرات والاحتجاجات في القرى والأرياف والمخيمات، فإنّ عدداً من المدن الكبرى كنابلس ورام اللّه وجنين وطولكرم وبيت لحم، ما زال دورها دون الفعل المطلوب، باستثناء الحضور الكبير لمواطنيها أثناء تشييع أحد الشهداء فيها. وأدّت مشاركة قطاع غزة في نشاطات متنوعة، الى سقوط عدد من الشهداء، وهو أمرٌ كان متوقعاً بسبب انتشار قناصو جيش الاحتلال منتظرين وصول المتظاهرين الى الحواجز والأسلاك الشائكة. هذا الأمر، تطلب صياغة تكتيكات جديدة للمواجهة تساهم بالتقليل من عدد الشهداء والجرحى.
أما في أراضي عام 1948، فقد أكدّت التظاهرة الحاشدة التي شهدتها مدينة سخنين يوم الأربعاء في 14 الشهر الجاري وحدة المصير بين أبناء الشعب الفلسطيني في جميع مناطق وجوده. الحشود التي اجتمعت تحت العلم الفلسطيني، لم تُعبّر من خلال هتافاتها وكلمات المتحدثين عن رفضها قوانين الحكومة العنصرية، أو الممارسات الفاشية لمؤسسات الكيان وقطاعات واسعة من المستعمرين تجاه العرب أصحاب الأرض الأصليين، بل عملت على اسقاطها ومقاومة كلّ الإجراءات الهادفة الى اعتبار بعض القوى السياسية «خارجة عن القانون»، وهو ما رفضه أكثر من متحدث حين اعتبر أنّ «وجود الاحتلال في القدس والأقصى وكنيسة القيامة خارج عن القانون، لذلك نقول: الاحتلال هو احتلال بلا شرعية ولا سيادة». المحتشدون عبروا عن دعمهم الكامل لأهلهم في القدس المحتلة، الذين يخوضون معركة الدفاع عن عروبة مدينتهم وعن مقدساتهم الدينية.
سُلطة التخدير والتهدئة
أسابيع مرّت سقط فيها أكثر من ثلاثين شهيداً وألف وثلاثمئة جريح. أسابيع مرّت وسلطة المقاطعة في رام اللّه تمارس دور الإطفائي في تبريد المواجهات وتجميدها، ليس في القدس والضفة، بل في أراضي عام 1948، كما صرح أحد قادة حركة أبناء البلد. هذه سلطة تُنفق أكثر من 70% من ميزانيتها على أجهزة الأمن بمختلف تسمياتها، من الحرس الرئاسي(!) إلى الاستخبارات والأمن الوقائي... غافلةً عن ممارسة أي دور في حماية شعبها. وهنا لا بدّ من التذكير بالدور الوطني المشرّف لبعض عناصر الأجهزة في الدفاع والاستشهاد دفاعاً عن الشعب أثناء هبّة النفق عام 1996. هذه سلطة ما زال رئيسها يعيد انتاج نفس العبارات عن اللجوء الى المحاكم ومخاطبة الدول عبر السفراء. الشعب يقدّم الشهداء والسلطة تبعث برسائل الرجاء الى الدول بغية العمل على «وقف العنف الذي يمارسه المحتل». ما بين حركة الشعب في الشوارع والميادين في مواجهة جيش الكيان وقطعان المستعمرين - المستوطنين الفاشيين، وحركة الدبلوماسيّة في بؤسها الراهن واجتماعات التنسيق الأمني التي لم تتوقف، بون شاسع لا تختصره عبارات الفخر بصمود الشعب.
إنّ ما تضمنته رسالة الشهيد البطل مهند الحلبي التي وجهها الى رئيس السلطة عقب إلقاء خطابه في هيئة الأمم، ونَشَرَها على شبكة التواصل الاجتماعي قبل تنفيذ عملية قتله للمستعمرين، تعبير عن مواقف واضحة لوعي جيل الشباب. قال: «خطابٌ جميل سيادة الرئيس، لكننا لا نعترف بالقدس الشرقية والقدس الغربية. نحن نعرف أن القدس واحدة غير مقسّمة، وأنّ كل جزء فيها مقدّس. اعذرني سيادة الرئيس، لكن ما يحدث لنساء الأقصى وللأقصى نفسه لن يتوقف بالوسائل السلمية. نحن لم نكبر لكي نُهان». هذا جيلٌ لم يستطع العدو ولا أصحاب نظرية «المفاوضات حياة» ولا معسكرات صناعة «الفلسطيني الجديد» أن تحتكر وعيه. على العكس من ذلك، أعادت جرائم الاحتلال ومستوطنيه وبؤس السلطة ومفرزاتها من تنسيق أمني وسلام اقتصادي كاذب، إنتاج وعي وطني وثوري، لجيل يملأ الشوارع ويشتبك مع المحتل».
اهتزاز في جبهة العدو
في الأسبوع الرابع، بات كيان العدو يعيش أسوأ «كوابيس وجوده». خوفٌ ورعبٌ واحتماءٌ في البيوت خوفاً من الموت، طعناً أو دهساً. منع التجول لم يعد مفروضاً على قرانا ومدننا، بل هناك فراغ في شوارع المدن - المستعمرات الصهيونية على كامل الأراضي الفلسطينية. ارتفع منسوب العنصرية، وأصبح القتل على اللّهجة والشكل نهجاً واضحاً. خطاب نتنياهو في الكنيست وقرارات الحكومة المصغرة، «الكابينت»، تعبير عن الغرائز المنفلتة للمستعمرين. إنّ إجراءات تقطيع أحياء القدس العربية وسحب هويات المواطنين العرب وهدم البيوت ونشر عناصر الشرطة والجيش، لن توقف السيل المتصاعد. لقد أسقطت هبة القدس المحتلة نظرية «القدس الموحدة»، وأثبتت أن تلك الكذبة لم يعد يصدقها بعض أصحابها. وكيل وزارة خارجية حكومة العدو الأسبق أوري سافير، كتب قبل أيام في صحيفة «معاريف» الصهيونية «إن تفجر عمليات الطعن في أرجاء إسرائيل واحتكار الشباب الفلسطيني المقدسي تنفيذها كلّها تقريباً، يدلّ على فشل حكومات تل أبيب في تطبيع المقدسيين وإجبارهم على التعايش مع الاحتلال»، مشدداً على «أن الإصرار على الاحتفاظ بالقدس الشرقية يتعارض مع المصلحة الإسرائيلية، لأن الفلسطينيين لن يسلموا ببساطة بالأمر».
صدق سافير. نعم، لن يسلّم الشعب الفلسطيني بالأمر الواقع. وتبقى الأيام المقبلة، الشاهد على ذلك.

* كاتب فلسطيني