من شأن الاتفاق بين الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي وإيران بشأن البرنامج النووي للأخيرة ان يساعد في رفع التهديد بحرب اخرى تقودها الولايات المتحدة الاميركية في المنطقة الغارقة بطبيعة الحال في الدماء والصراعات. فالتهديد بحرب ايديولوجية جديدة، مرة أخرى، بحجة القضاء على أسلحة الدمار الشامل (الوهمية) تتراجع.


هذا الامر، يجعل الشعب الإيراني والبشرية جمعاء تتنفس الصعداء. ومع ذلك، هناك من يعتقد بأنه من المرجح لهذه الاتفاقية أن تفتح ثغرة في العلاقات الأميركية ـ الإسرائيلية والتي بدورها قد تكون مفيدة للفلسطينيين وللعلاقات الاميركية ــ الفلسطينية، الا ان هؤلاء الذين يعتقدون ذلك سيصابون حتماً بخيبة أمل. فبالرغم من وجود الخلاف الحاد والعلني بين إسرائيل والولايات المتحدة خلال إبرام الاتفاق النووي الايراني، إلا أن هذا الامر لم يكن اكثر من مجرد مواقف اعلامية للطرفين. فكل من أوباما ونتنياهو يعلم بأن الصفقة لن تتوقف. ومع ذلك، فإن نوايا نتنياهو دائماً ما تكمن، في ابتزاز المزيد من التنازلات والمكاسب من واشنطن.
فعندما يتم التحدث عن العلاقات الأميركية ــ الفلسطينية، علينا أن نسأل أولاً: أيّ فلسطينيين؟ فإذا كنا نتحدث عن العلاقات الأميركية بالسلطة الفلسطينية التابعة لمحمود عباس، فإننا نتحدث عن علاقة قوة عظمى بتابعها الذليل والخنوع. وفي هذا الصدد، تُدار علاقات الولايات المتحدة بسلطة عباس بوساطة إسرائيل واللوبي الإسرائيلي. فعلى سبيل المثال، تُعتبر المساعدات الأميركية للسلطة الفلسطينية جزءاً من المساعدات الأميركية لإسرائيل، وهي تُبرَّرُ دوماً بأن السلطة الفلسطينية تخدم إسرائيل بقمع المقاومة الفلسطينية المشروعة لنظام الفصل العنصري الإسرائيلي.


أوباما وطَّدَ مشاركةَ الولايات
المتحدة في الجرائم الإسرائيلية ودعمَها لها
وأي استياء أميركي أو إسرائيلي من سلطة عباس يستند دائماً إلى تقييم يرى بأن السلطة الفلسطينية ليست خانعة ومتعاونة بما يكفي. ولهذا تؤدبُ إسرائيلُ السلطةَ الفلسطينيةَ بين الحين والآخر بحجز أموال السلطة وإلى غير ذلك. ولكن الشدَّ لا يصل درجةَ الكسر أبداً، ولا يصل بالسلطةَ الفلسطينية إلى الانهيار، لأن إسرائيل والسلطة الفلسطينية المتواطئة تعتمدان اعتماداً متبادلاً على بعضهما. أما بالنسبة للعلاقة بين الولايات المتحدة وحركة حماس، فالتطورات التي طرأت في الآونة الأخيرة تشير إلى انفتاحٍ ممكن على الولايات المتحدة. وربما قد يكون ذلك متصلٌ بتقارب حماس والمملكة العربية السعودية، أو ربما يعكس محاولةً لإدخال حماس في التحالف الإقليمي الطائفي الذي تقوده السعودية. فثمة تقارير تفيد بأن المحادثات الجارية بين إسرائيل وحماس بوساطة توني بلير تحظى بمباركة الولايات المتحدة. الا انه لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت حماس ستقع في الفخ نفسه الذي وقعت فيه منظمة التحرير الفلسطينية قبل ما يزيد على عقدين من الزمن، وتقوم بإبرام صفقة على نظير ما قامت به المنظمة، أم أنها ستستطيع أن توظف هذا الانفتاح لإحراز مكاسب حقيقية للفلسطينيين.
أما إذا كنا نتحدث عموماً عن علاقة الولايات المتحدة بالشعب الفلسطيني، فهي علاقة القاتل (أو شريك القاتل) بضحاياه. وليس ثمة داعٍ لتجميل هذه الصورة أو وصفها بعبارة مهذبة ومتحضرة تقبلها مجامع البحوث في واشنطن أو الصحف الغربية. فبالنسبة إلى الفلسطينيين، لا يزال الرئيس أوباما شريكاً متواطئاً ومباشراً واساسياً لإسرائيل في جرائمها المروعة ومجازرها، بدءاً من سرقة ومصادرة الأراضي في الضفة الغربية والنقب وحتى سفك الدماء في غزة. وعندما نسمي أوباما بالاسم نعنيه هو شخصياً وليس «إدارة أوباما» لأن «الإدارة» كلمةٌ مجردة توحي بأن مؤسسات مجهولة هي من تقوم بهذه الحسابات وليس البشر. لقد سمحنا لِمن تلطخت أيديهم بالدماء بالاختباء وراء هذه المصطلحات المجردة لفترة طويلة جداً كغطاء لدورهم المباشر في قيادة حروبهم الايديولوجية وسفك دماء الابرياء. وإذا كان أوباما سيستأثر شخصياً بالفضل في إبرام اتفاق إيران أو إنهاء الحصار على كوبا، فينبغي له أيضاً ان يتحمل مسؤولية شخصية عن سفك الدماء في غزة. فأوباما، وادارته المزعومة، لا يكتفي بدعم هذه الجرائم، بل إنه شخصياً يدافع عنها وبشدة قائلاً إنها تعكس «القيم المشتركة» بين أميركا وإسرائيل. فلا تخفى مساعدة الولايات المتحدة، وتحديداً إدارة أوباما، لإسرائيل في اقتراف هذه الجرائم، ولا حاجة لذكر سُبل هذه المساعدة هنا. ويكفي أن نقول إنها تشمل تسليح الإرهاب الإسرائيلي وتمويله، والإحجام عن فعل أي شيء لوقف تدفق التبرعات الأميركية الخاصة إلى الجماعات الإرهابية الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، واستخدام الثقلِ السياسي والدبلوماسي الكامل للولايات المتحدة لضمان إفلات إسرائيل من العقاب. بل انه عندما ذبحت إسرائيل الفلسطينيين في غزة في الصيف الماضي، أيّد أوباما ليس فقط مجزرة ذهب ضحيتها أكثر من 2200 فلسطيني، من بينهم 551 طفلاً، بل ان إدارته اعادت تسليح إسرائيل لضمان عدم نفاذ مخازنها من الاسلحة. كما انه عملت إدارة أوباما خلال العام الماضي بجهد لعرقلة واغلاق كل المنافذ لتحقيق العدالة للضحايا الفلسطينيين من الهجمات الإسرائيلية. فالولايات المتحدة كانت الحكومة الوحيدة التي صوتت ضد قرار مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة للمصادقة على قرار يدعو الى مساءلة اسرائيل عن جرائمها في الحرب التي شنتها على قطاع غزة عام 2014. وبالإضافة إلى ذلك، ساعد أوباما في ابقاء الحصار الإسرائيلي المستمر لقطاع غزة. كما انه في الواقع، لم يذكر أوباما الفلسطينيين في مؤتمره الصحافي الذي انعقد في 15 يوليو/ تموز لمناقشة صفقة الاتفاق النووي الايراني. بل في حقيقة الامر، ان عدم ذكر اوباما لفلسطين في خطابه امام الامم المتحدة في الشهر الماضي، يشير الى أن الفلسطينيين لم يجنوا، ولن يجنوا شيئاً كنتيجة لهذه الصفقة او من هذه الادارة. فالاتفاق النووي الإيراني أثر بالفعل في العلاقات الأميركية ــ الفلسطينية، وتمثَّل هذا التأثير في أن الرئيس أوباما وطَّدَ مشاركةَ الولايات المتحدة في الجرائم الإسرائيلية ودعمَها لها، كنوعٍ من تعويض إسرائيل واللوبي الإسرائيلي لقاءَ اعتدالهما في معارضة الجهود الأميركية الرامية إلى إبرام الاتفاق مع إيران. فإسرائيل تستطيع أن تتعايش مع صفقة الاتفاق النووي الايراني، وسوف تفعل ذلك، ولكنها ستستمر في سياستها الابتزازية للإدارة الاميركية من أجل الحصول على المزيد من المساعدات والأسلحة. وفي هذا الصدد، يتفاخر أوباما جهراً بأن أيّاً من الإدارات السابقة لم تكن أكثر سخاءً مع إسرائيل من إدارته. كما انه من المتوقع أن يوقعَ أوباما قبل مغادرة منصبه اتفاقاً يمنحُ إسرائيلَ المزيدَ من المال على مدى السنوات العشر المقبلة. وكنتيجة مباشرةٍ لتصرفات أوباما الداعمة لاسرائيل، سوف يهلك المزيد من الفلسطينيين. ومن الجدير بالذكر، انه في ايار الماضي، وافق أوباما على تزويد إسرائيل بمبلغ 1.9 مليار دولار اضافي يتمثل في اسلحة اميركية الصنع والتي بالطبع سيتم استخدامها لتعزيز نظام إسرائيل للفصل العنصري والاستعمار. كما أوضح أوباما بأن هذا المبلغ يتمثل فقط في دفعة من سلسلة دفعات مقبلة. فالرسالة واضحة، مهما فعلت إسرائيل، فإن أوباما سيكافئها بالأسلحة وايضاً بعلاقات وروابط أعمق. وفوق كل ذلك، لن يكون هناك ضغط على الفلسطينيين. وسيكون من الغباء الاعتقاد بأن الرئيس القادم للولايات المتحدة الاميركية - سواء من الحزب الديمقراطي أو الجمهوري- سوف يفعل أقل من ذلك.
فاذا كان الإيرانيون يرون في الاتفاق وسيلةً لتجنب الحرب الأميركية ذات الدوافع الإيديولوجية والدينية التي دمرت العراق من قبل ونثرت الويلات في المنطقة طولاً وعرضاً، فهُم وحدهم مَن يستطيع الحكم على مزايا هذا الاتفاق بالنسبة إليهم. فرفع العقوبات التي فرضها أوباما وأتباع الولايات المتحدة في أوروبا، بدعم من إسرائيل، قد يخفف المعاناة التي لحقت بأفقر الإيرانيين. وما من شكٍ أيضاً أن بعض النخب الإيرانية ترى في رفع العقوبات فرصةً لفتح البلاد أمام رأس المال الأجنبي، وبيع الأصول العامة، وانخراط إيران انخراطاً تاماً في النيوليبرالية العالمية.
اما الفلسطينيون، فإنهم لا يملكون النفوذ أو القدرة على التأثير في الاتفاق مباشرةً، سواءً من خلال معارضته أو مؤازرته أو مناصرته، ولا ينبغي لهم ذلك، فالاتفاق لا يخصهم، بل ينبغي أن يواصلَ الفلسطينيون العملَ في المحافل كافة للضغط على اسرائيل بجميع الوسائل المتاحة وعزلها كنظام عنصري استعماري استيطاني. كما ان أوباما، وخليفته على ما يبدو، هيلاري كلينتون، قد تعهدا ببذل كل ما في وسعهما للعمل ضد حركة المقاطعة الامر الذي يتطلب العمل بجهد لافشال مشروعهم هذا، حيث تظل حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات على اسرائيل هي الوسيلة الأنجع في تحقيق ذلك.
* مستشار سياساتي لـ«شبكة السياسات الفلسطينية»، وأحد مؤسسي موقع الانتفاضة الالكترونية