المسألة الأساس في تصميم قوسٍ حربيّ تتمثّل في توليد أكبر قدرٍ ممكن من الضغط لدى شدّ السّهم قبل اطلاقه، وهو ما يقرّر المدى وقدرة الاختراق. بهذا المعنى، كان الجنود الانكليز في معركة «أجينكور» يستخدمون النّسخة الأمثل من «القوس الطويل» الأوروبي: أخشابٌ اختيرت خصيصاً لليونتها وصلابتها، وطول القوس يسمح بنقل كمية كبيرة من الطاقة الى السهم لدى شدّه (كان الرماة الانكليز يواظبون على دهن أقواسهم بالزيت حتى تبقى لينة ورطبة، ولا تجفّ وتنكسر تحت الضغط؛ وكانوا يحفظون الأوتار تحت خوذهم لحمايتها من البلل).


الا أن القوس الطويل كانت له نواقص وحدود: فائدته العملية في المعركة تقتصر على دقائق قليلة، تنفد بعدها ذخيرة الرماة؛ والنبّالون بطيئون ولا يمكنهم حماية أنفسهم، ان وضعتهم في المقدمة يصبحون معرّضين لهجمات الخيالة السريعة، وان وضعتهم في الخلف يتقلّص المدى الفعال لصلياتهم. غير أن أهمّ مشاكل القوس الطويل كانت في أنّه لا يمكن أن يستعمل من على ظهور الخيل.
منذ القرن الثالث عشر في انكلترا، كانت هناك وحدات تسمّى بـ «الخيالة الرماة»، الا انهم كانوا فعلياً يستغلون سرعة الخيل لنقلهم من مكان الى آخر، ثم الترجّل واستخدام القوس بشكل اعتيادي، والفرار مجدداً. حجم القوس وطريقة الرمي تجعلان التوازن على حصانٍ أثناء اطلاق السهام من المستحيلات (تقتبس المؤرخة جولييت بايكر من مذكرات قسٍّ انكليزي وصّف عملية التدرّب على رماية القوس الطويل، وكيف أن التقنية تقوم على استخدام وزن الجسد وعضلات الكتفين لضغط الوتر، وليس حركة الذراع، وهذا غير ممكنٍ على متن جواد مسرع).
أمّا في سهوب آسيا الوسطى، حيث روّض الانسان الحصان واستخدمه في الحرب والصيد قبل أي حضارة أخرى، فقد كان «القوس المركّب» سرّاً عسكريّاً حقيقيّاً، لا نعرف الى اليوم كل أسرار صناعته، وكان مصمّماً للاستخدام من على صهوات الجياد. بهذا السلاح تحديداً، تمكنت سلالات آسيوية متعاقبة (من البارثيين الى المغول) من هزيمة جيوشٍ أضخم منها بكثير وتأسيس امبراطوريات شاسعة (في ما يشابه الدور الذي لعبه البارود في مراحل لاحقة، مع التذكير بأنّ الحرب ليست تكنولوجيا فحسب: «السر العسكري» الأساس للجيوش البدوية يكمن في مجتمعٍ يجعل من كلّ ذكوره محترفي فروسية وقتال منذ الصّغر).
اذا ما قارنّا القوس الانكليزي في «أجينكور» بالقوس الآسيوي الملتوي، فإن الأوّل لا يعدو أن يكون خشبةً مقوّسة رُبطت بحبل، فيما الثاني بدعةٌ هندسية معقّدة. «القوس المركّب» مكوّن من قلبٍ خشبي (عولج بتقنية خاصة حتى يلوى بعدّة طيات، ويكون حجمه صغيراً في يد الفارس) مغلّفٌ، من جهةٍ الرامي، بدعامةٍ منحوتةٍ من قرون الغزلان، ومن الجهة الثانية ببطانةٍ مكوّنة من اليافٍ مشدودة ومتراصة تُستخرج من عضلات الحيوانات. القوس، هنا، يعمل كالذراع البشرية: الألياف، كالعضلات، تشدّ وتنقبض، فيما قرن الغزال (كالعظام) يؤمّن الدعم والمتانة. هذا القوس، الذي يتقلّص ويلتوي مع الرّمية، يقدّر خبراء معاصرون أنه يحتمل طنّاً من الضغط، ويصل مداه الى أربعمئة متر، وكانت رميته تقدر على خرق أي درعٍ في العالم القديم من أكثر من مئة متر.
اللقاء الأقدم، والأشهر، للغربيين مع هذا القوس كان في الجزيرة الفراتية، قبل «أجينكور» بـ 15 قرناً، حين اصطدم جيشٌ روماني من سبعة فيالق بجيش الامبراطورية البارثية قرب حرّان (كارهاي)، شمالي مدينة تل ابيض السورية ببضعة كيلومترات. البارثيون (يسميهم المؤرخون العرب «الأشكانيون») هم من الأقوام الايرانية القديمة، أتوا من صحارى خراسان في وسط آسيا، وكانت لهم في القرن الأول الميلادي، حين اصطدموا بالرومان، امبراطورية تبدأ في افغانستان المعاصرة وتلامس سواحل المتوسّط.
أما السيناتور الروماني كراسوس، حاكم سوريا الرومانية، فالمشهور عنه أنه أحد أكثر الرجال ثراءً على مر التاريخ. وهو ــــ في سيرةٍ تذكّر بسياسي لبناني راحل ــــ كان «مطوّراً للعقارات» في روما، يُقال انه كان ينتظر أن يشبّ حريقٍ في منزلٍ ما حتى يتوجه اليه مع فريق اطفاء، ويفاوض أصحابه على بيعه بثمنٍ بخس، ثم يقوم باطفاء النيران واصلاح البيت وبيعه. وقد دخل مسرح السياسة الرومانية عبر سحق ثورة العبيد التي قادها «سبارتاكوس».
كراسوس، مثلما اشترى مناصبه ونفوذه، اشترى لنفسه جيشاً جراراً، يعدّ أكثر من أربعين ألف مقاتلٍ بين الفيالق الرومانية والوحدات الملحقة (وهذا جمعٌ هائل بمقاييس العالم القديم). وقرّر، حين عيّن حاكماً لسوريا، تحقيق مجدٍ عسكريّ يبزّ به شريكَيه في حكم الجمهورية، بومبي ويوليوس قيصر، والاثنان كانا «أسطورتين» عسكريتين في روما، بينما هو مجرّد تاجرٍ ثري. كان لدى كراسوس مشروعٌ طموح لتوسيع الامبراطورية شرقاً، وصولاً الى الهند والصين، وكان البارثيون في طريقه، فجعل دولتهم هدفه الأول، ووقع الصدام في سوريا.
يوجد نصّان عن معركة حرّان لمؤرّخَين رومانيين، هما بلوتارك وديو؛ والاثنان يتفقان على أن الخطأ الأول لكراسوس تمثّل في انّه لم يعبر بفيالقه (وجلّها من المشاة) جبال ارمينيا الحليفة، لينزل على عواصم البارثيين مباشرة من نينوى أو ساحل قزوين، بل اتخذ خطاً مباشراً عبر الصحراء، وهي الميدان المثالي لجيوش البارثيين التي كانت، كأكثر الجيوش البدوية الآسيوية، مكوّنة بالكامل من الخيالة.
تقول الرواية إنه، بعد أن عبر كراسوس نهر الفرات وقبل أيام من المعركة، جاءه رسلٌ من ملك بارثيا مع عرضٍ بأن يرجع بسلام الى مقاطعته، وأن لا تكون هناك عداوة. فأعلن لهم، ببساطة، أنه ينوي عبور الصحراء بجيشه، واحتلال امبراطوريتهم، واخضاعهم لروما؛ فضحك السفراء وغادروا المجلس...