سار الموكب المكوّن من ثلاث سيارات سوداء من نوع «زيل» مسرعاً في طرقات جبلية تحف بها غابات من شجر يغطيه الجليد، حتى وصل إلى الفيلا رقم واحد الواقعة على سفح ربوة مرتفعة من سلسلة تلال لينين. كانت هذه الفيلا بيتاً للضيافة يشرف على منظر مهيب لنهر الموسكوفا الذي تجمدت مياهه في ذلك الشهر الشتوي المتجهم.


وكانت درجة الطقس في موسكو، في ذلك الصباح، تدنو من الخمس عشرة تحت الصفر، وكانت حبات الثلج لا تزال تنهمر بغزارة على النوافذ الداكنة لسيارات الموكب. فجأة توقف السائقون، وفتح ضابطان البابين الخلفيين لإحدى السيارات، وأديا معاً التحية العسكرية للرجلين الجالسين في مؤخرتها. أحنى أحدهما جسمه الطويل، وخرج من تلك العربة الفارهة المخصصة لتنقلات القادة السوفيات، أو لاستقبال ضيوفهم الكبار. كان الرجل يلبس قبعة روسية ضخمة من الفرو، ومعطفاً طويلاً سميكاً داكن اللون. وحين رفع رأسه، بان جلياً أنه الرئيس المصري جمال عبد الناصر ثمّ تقدّم نحوه جليسه في السيارة نيكولاي بودغورني، رئيس مجلس السوفيات الأعلى، ومن خلفه مترجم، وسأله بالروسية: «سيادة الرئيس، هل تحب أن نبدأ العمل فوراً، أم أنك تحتاج للاستراحة قليلاً؟». وردّ عبد الناصر بأنه يَوَدّ البدء في المباحثات، فور وصول الرفيق بريجنيف.

زيارة سرية إلى موسكو

بعد نصف ساعة، في تمام الحادية عشرة صباحاً من يوم 22 كانون الثاني 1970، وفي قاعة الاجتماعات في مبنى «الجيمنازيوم» المجاور لدار الضيافة التي خصصت للرئيس المصري والوفد الصغير المرافق له، بدأت واحدة من أهم جلسات المباحثات بين زعيم عربي وقادة الكرملين، في تاريخ القرن العشرين. كان الوفد المصري قد طلب من الجانب السوفياتي، قبل أن يغادر القاهرة، ألّا يُعلن نبأ هذه الزيارة في وسائل الإعلام. وذلك لأن عبد الناصر قد جاء بنفسه إلى موسكو اليومَ ليحسم مع قادتها شؤوناً سياسية ذات طابع استراتيجي، وليبحث مسائل تمسّ صميم الأمن القومي لمصر، وليعقد اتفاقاً عسكرياً يراد منه أن يعدّل موازين القوة في الصراع الإقليمي والدولي في الشرق الأوسط بين العرب وإسرائيل.
جلس عبد الناصر قبالة أعضاء المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفياتي، وبدأ بالحديث، فشكر الأصدقاء في موسكو الذين لم يقصّرواً يوماً في إمداد الجيش المصري بكل ما يحتاج إليه من السلاح، منذ خمسة عشر عاماً متواصلة. ثمّ أخذ يعرض رؤيته للنزاع السياسي والعسكري في الشرق الأوسط بعد حرب 1967 وما أعقبها من حرب الاستنزاف المتواصلة منذ شهور على جبهة قناة السويس، فقال إنّ الحلول السياسية في المنطقة معطلة، ولا يمكن لها أن تنطلق ما لم يمارس العرب عملاً عسكرياً ضاغطاً على إسرائيل يدفعها إلى الانسحاب من المناطق التي احتلتها قبل سنتين ونصف السنة. وتابع قائلاً إنّ القوات المسلحة المصرية بدأت بالفعل تحريك جبهة المواجهة مع العدو، لكنّ الولايات المتحدة تدخلت لتمدّ إسرائيل بأسراب متطورة من طائرات «الفانتوم»، وهذا المدد أخلّ تماماً بالتوازن العسكري بين الطرفين المتصارعين.


عُيّر رئيس الخبراء السوفيات في مصر بأنّ طائرات الميراج الفرنسية أفضل من الميغ والسوخوي
والأسوأ من كل ذلك أنّ الجيش الإسرائيلي بدأ يرد على العمليات الحربية في الجبهة، باستهداف العمق المصري والبنية التحتية للبلد. وأخذ يقصف المدنيين بضراوة ووحشية، وهو مستمر في هذه الممارسات لأجل كسر الروح المعنوية للمصريين، حتى أنه لم يتورع عن استهداف منشآت الري في جنوب البلاد، وإغراق الصعيد بالفيضانات. وخلص عبد الناصر إلى مطلبه الذي قدم إلى موسكو من أجله، فطلب تسليح الجيش المصري بأنواع متطورة من صواريخ الدفاع الجوي يمكنها أن تتصدى للطائرات الإسرائيلية التي صارت تعمد في غاراتها إلى الطيران المنخفض كي لا تكتشفها الرادارات، ولا تصل لها صواريخ سام2 التي زوّد السوفيات الجيش المصري بها.
واقترح الماريشال غريتشكو، وزير الدفاع السوفياتي، على الرئيس المصري أن يزوّد بلاده بصواريخ سام 3، وهي معدة لمواجهة الطيران المنخفض. ووافق قادة الكرملين أن يشحنوا بطاريات من هذه الصواريخ الجديدة إلى مصر. لكن كانت هنالك مشكلة، فمدة تدريب المصريين على استخدام هذه الصواريخ الجديدة تستغرق ستة شهور على أقل تقدير، كما أنّ ذلك التدريب لا بد أن يتم في الاتحاد السوفياتي حيث التجهيزات والإمكانيات والآليات والمدربين... وكان معنى هذا أنّ جبهات القتال ستفرغ من الجنود والفنيين في كتائب الدفاع الجوي المصري حتى يتدربوا على الصواريخ الجديدة في روسيا، ويعودوا بعد ستة شهور كاملة. وذلك أمر سيؤدي بالضرورة إلى تعرية مصر من وحدات الدفاع الجوي، وبالتالي ستعطى الفرصة لإسرائيل كي تسرح وتمرح، كل تلك المدة، كما تشاء!
وهنا اقترح الرئيس عبد الناصر حلاً جذرياً، فطلب من قادة الكرملين أن يرسلوا له كتائب دفاع جوية سوفياتية تتولى الدفاع عن البلد، مدة تدريب الجنود المصريين على الأسلحة الجديدة. وتردد بريجنيف في قبول هذا الطلب، فهو كان يعلم أنّ القبول به سيؤدي إلى دخول الاتحاد السوفياتي بنفسه في حروب الشرق الأوسط. وهذا تصعيد خطير قد يرد عليه الأميركيون بما يوازيه، فتصبح الحرب مباشرة بين القطبين الأعظم بدل أن تكون بالواسطة. ولم تقف مطالب عبد الناصر عند هذا الحد، فقد رغب في أن تمنح موسكو مصر طائرات «ميغ 23» وكانت أحدث ما تمتلكه الترسانة الجوية السوفياتية في ذلك الوقت. ثمّ إنه زاد إلى طلباته مطلباً آخر، فقد اقترح أن يجيء إلى مصر طيارون سوفيات ليتولوا بأنفسهم مهمة قيادة هذه الطائرات الجديدة، وليدافعوا عن المدنيين والبنية التحتية المصرية، وبذلك يتفرغ الطيارون المصريون لمهمة الدفاع عن الجبهة فقط.
وساد جو من التردد بين أعضاء المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفياتي، واحتاج ليونيد بريجنيف لأن يعرض هذه الطلبات العربية على القادة العسكريين كي يدلوا بدلوهم فيها. وبالفعل فقد اجتمع 12 ماريشالاً سوفياتياً يمثلون القيادة العسكرية العليا للجيش الأحمر، في قاعة «الجيمنازيوم»، ظهر يوم 23 كانون الثاني 1970، وقرروا في نهاية الأمر إجازة المطالب العربية، وإقرار تزويد مصر بكافة ما تحتاجه في حربها مع إسرائيل، ومساندة جيشها بطيارين سوفيات لمجابهة الغارات الإسرائيلية على المدنيين في العمق المصري.

جزاء سنمار

وخلال ثلاثة شهور، كانت أسراب من طائرات سلاح الجو السوفياتي تأخذ مواقعها في قاعدة «جاناكليس» العسكرية غرب الدلتا، وفي قاعدتي المنيا وبني سويف في صعيد مصر. ووصل عدد طلائع الطيارين السوفيات المبتعثين للقتال إلى جانب القوات الجوية المصرية أكثر من خمسين طياراً. وأما طلائع الجنود والفنيين من وحدات الدفاع الجوي السوفياتي الذين أخذوا يشتركون في الدفاع عن مصر فقد بلغوا مئات. وفي صباح يوم 18 نيسان 1970، اخترق المجال الجوي المصري تشكيل من الطائرات الحربية الإسرائيلية، وإذا به يفاجَأ بتشكيل من الطائرات السوفياتية يخرج لمواجهته. وتعمد الطيارون السوفيات أن يسمعهم الإسرائيليون من خلال موجات الراديو المفتوحة، وهم يخاطبونهم باللغة الروسية، آمرين إياهم أن يعودوا من حيث أتوا.

نشط رئيس المخابرات السعودية في إقناع السادات بضرورة الانفصال عن الشيوعية الكافرة
وبالفعل فقد استدارت الطائرات المعادية، وعادت من حيث جاءت. ومنذ ذلك اليوم توقفت الغارات الإسرائيلية على المدنيين المصريين، وعلى منشآت البنية التحتية المحلية.
كان ما صنعه الاتحاد السوفياتي لمؤازرة العرب بالتدخل المباشر لصالحهم في حربهم ضد إسرائيل قد عُدَّ، في أميركا وأوروبا الغربية وتل أبيب، نقلة نوعية خطيرة في التجاذب بين القطبين، زمن الحرب الباردة (1). ولقد شُنّت ضدّ هذا «التدخل الروسي السافر في الشرق الأوسط» حملات دعائية غربية ضخمة، ومورست ضغوط سياسية وديبلوماسية كثيرة لكي ينسحب الروس من أرض المعركة. وكان كل ذلك مفهوماً ومتوقعاً، لكن سرعان ما أطلّ أمر آخر غير مفهوم وغير متوقع... وذلك أنّ بعض العرب قد اشتركوا هم أيضاً - وبحماسة شديدة - في الحملات ضدّ التدخل السوفياتي الذي يهدف لمساعدة العرب في وقف اعتداءات إسرائيل! ولقد ساهم أولئك القوم - بلؤم لا يجارى - في الحملات الدعائية الأميركية، وأدوا - بمواظبة ونشاط - دورهم المرسوم في الضغط على الرأي العام المصري، من خلال حجج مختلفة: فتارة يزعمون أنّ الملاحدة الروس يريدون نشر الشيوعية الكافرة في بلاد الكنانة، وتارة يكررون أن مصر احتلت عسكرياً من طرف الغزاة الروس، ومرة يذيعون ويكتبون أنّ عبد الناصر قد باع مصر للكفار والملحدين، وطوراً لا يخجلون من الطعن في أعراض المصريات والمصريين، فيرددون أن الروس ما جاؤوا إلى مصر إلا ليقضوا وطراً من بناتها بمباركة من عبد الناصر شخصياً... بل إنّ الملك فيصل آل سعود تفتق ذهنه عن نظرية جديدة طريفة، فكان يزعم أن لا فائدة ترجى من دفع الصهيونية بأسلحة الشيوعية وجنودها، لأنه ليس هنالك فرق أصلاً بين الشيوعية والصهيونية، وكلاهما متصل بالآخر اتصالاً عضوياً. ثمّ ما لبث فيصل أن طوّر نظرياته هذه، فصار يقول إنّه يعلم حق العلم أنّ قادة الاتحاد السوفياتي جميعهم من أصول يهودية (2)!
ولقد كان عجيباً ذلك التطوّع المدهش من بعض العرب حتى يكونوا رافداً خبيثاً في الدعاية الغربية الحانقة على جنود جاؤوا من أقصى الأرض ليشاركوا في معاركنا، وضد عدونا، وليحموا سماء بلادنا من غارات إسرائيلية قتلت عشرات العمال في مصانع طرة وأبو زعبل، وجرحت عشرات المدنيين على جسر نجع حمادي، وحرقت عشرات التلاميذ في مدرسة بحر البقر الابتدائية... لكنّ الأعجب من مكائد عرب النفط وخبثهم، هو حنق بعض الضباط المصريين على من جاؤوا ليقفوا معهم في أيام المحنة والضيق!
وفي يوم 30 تموز 1970، خطّط الإسرائيليون لنصب فخ للطيارين السوفيات. واختاروا مطار بني سويف حيث يوجد لواء جوي سوفياتي كامل، لكي يلقنوا الروس درساً قاسياً، فلا يدسوا أنوفهم، بعدئذ، فيما لا يعنيهم... واشترك سرب كامل من الطائرات الحربية الإسرائيلية (4 طائرات فانتوم، و12 طائرة ميراج) في كمين محكم لأجل استدراج الطيارين السوفيات إليه. وقد قامت أربع طائرات ميراج بدور الطعم، حيث طارت على ارتفاع عال، لأجل الظهور على الرادار الروسي، وكأنها في مهمة استطلاع وتصوير جوي في حين ظلت باقي الطائرات الإسرائيلية تطير على ارتفاع منخفض جداً لكي لا تكشفها رادارات مطار بني سويف. وهكذا انطلقت ثماني طائرات مقاتلة سوفياتية من طراز ميغ 21 لاعتراضها، وفوجئت بظهور 12 طائرة أخرى. وكانت المعركة الجوية سريعة وقاسية. ولعب عنصر المفاجأة دوره الحاسم في نجاح الكمين، فقد أسقط الإسرائيليون خمس طائرات ميغ 21، في الاشتباك الجوي القصير، وهبطت طائره سوفياتية سادسة على الأرض بإصابات بالغة. وتمكنت الطائرات الإسرائيلية من الفرار بعد أن نجحت ضربتها الخاطفة، ولم تتعرض لخسائر. وقتل في هذه المعركة خمسة طيارين روس.
المؤسف في هذه الحادثة أنّ بعض الطيارين المصريين عوض أن يعزوا رفاق السلاح الذين بذل رجال منهم دمهم في سبيل الدفاع عن سماء مصر، فقد اختاروا أن يُظهروا شماتة وفرحاً بانتصار الطيارين الصهاينة على زملائهم السوفيات، في تلك الجولة! ولقد وصل الأمر بأحدهم، ويدعى محمد زكي عكاشة (وهو طيار من سرب ميغ 21، في مطار المنصورة) أن يقتني مجلة «لايف» الأميركية التي خصصت موضوع الغلاف لهذه المعركة، ويجمع زملاءه الطيارين المصريين في غرفة المحاضرات الذين نادوا مدربهم الروسي، ودفعوا له بعدد المجلة مستهزئين لكي يقرأه عليهم بصوت عال. ورمى المدرب بالمجلة على وجوههم قائلاً لهم: «إذا كنتم فرحين بفوز الإسرائيليين إلى هذه الدرجة، فأظن أنكم ستنالون أوسمتكم، في الحرب القادمة، من قادة تل أبيب»!

النذالة

على أنّ الشماتة واللؤم الذي أظهرته فئة من الضباط المصريين، يمكن تفسيره - وليس تبريره - بالغيرة التي تجتاح النفوس البشرية. فلم يكن سهلاً على ضباط أقسموا أن يحموا وطنهم أن يجدوا قادتهم قد جلبوا ضباطاً آخرين من بلاد بعيدة لكي يحموا الوطن بدلاً منهم بعد أن بان عجزهم وفشلهم!(3) لكنّ المشكلة أصبحت أكثر تعقيداً حينما غرقت قيادة القوات المسلحة المصرية نفسها في مستنقع الغيرة البلهاء. وبدلاً من أن يستفيد القادة المصريون من خبرات ضباط أكثر تجربة وكفاءة ومعرفة وإمكانيات منهم... تجد أنّ هذه القيادة تنحدر إلى مستوى متدن من الصغائر. ومثال على ذلك أن وزير الحربية المصري الفريق أول محمد أحمد صادق علم ذات يوم من نيسان 1972، بأنّ الخبراء العسكريين السوفيات يشترون لنسائهم من مصر حُلياً، حينما يسافرون إلى بلدانهم في الإجازات. فأصدر فوراً أمراً بتفتيش أمتعة الجنود والضباط المغادرين، ومصادرة كل المشغولات الذهبية التي توجد في حقائبهم. وأثار هذا الأمر أزمة بين القاهرة وموسكو. واضطر الرئيس السادات لإلغاء أوامر وزيره.
وفي مرّة ثانية، عيّر الفريق صادق رئيسَ الخبراء السوفيات في مصر الجنرال أوكينيف بأنّ طائرات الميراج الفرنسية التي حصلت مصر عليها أخيراً أفضل بكثير من طائرات الميغ والسوخوي التي تزوّد موسكو بهما الجيش المصري. وردّ أوكينيف على القائد العام للجيش المصري قائلاً إنّ أسلحة الغرب تباع لكم بكميات قليلة، ومنقوصة من أهم مميزاتها، وبأسعار باهظة جداً وبالعملة الصعبة، ثمّ إنهم لا يتيحون لكم حتى فرص التدرب عليها... وأما أسلحتنا التي تهزم أميركا اليومَ في فييتنام، فتقدّم إلى مصر بنصف ثمنها لأنّ النصف الثاني هدية. وحتى نصف الثمن الذي عليكم فإنكم تدفعونه بالجنيه المصري. ليس هذا فقط، فالدفع على أقساط لمدة 12 عاماً بفائدة قيمتها 2.5 في المئة، ومع كل هذا فإنكم تأخذون دائماً كل ما تطلبونه ثمّ لا تدفعون لنا مما هو مقرر عليكم كديون شيئاً. وردّ صادق: «إننا لم نشتر الميراج، بل أهدى لنا إخواننا الليبيون. 19 طائرة منها هبة، لا ندفع منها شيئا» (4).
وكانت الأحوال في مصر قد تبدلت تبدلاً جذرياً بعد وفاة عبد الناصر في 28 أيلول 1970. ومع وصول السادات إلى السلطة صار الرئيس المصري يريد أن ينأى بنفسه عن صداقة الاتحاد السوفياتي، ويحب أن يفتح طريقاً إلى الحضن الأميركي. ولم يكن الأميركيون يمانعون في احتضان السادات، ولكنهم كانوا يشترطون عليه أن يطرد من بلاده السوفيات أولاً. وفي تلك الفترة من بداية عقد السبعينيات نشط رئيس المخابرات السعودية الشيخ كمال أدهم (5) (وهو شقيق زوجة الملك فيصل أيضاً) في إقناع السادات بضرورة الانفصال عن الشيوعية الكافرة المفلسة، والدخول في جنة أميركا القادرة المؤمنة. والحق أنّ الرئيس السادات لم يكن يحتاج إلى نصائح تقنعه بضرورة قلب ظهر المجنّ لحلفائه السوفيات، فقد كان كارهاً في أعماقه لكل أشكال الاشتراكية والشيوعية، ساعياً إلى طعن الشيوعيين حيثما أمكنه أن ينال منهم (6).
وظل السعوديون يسعون بكل جهد ممكن لتحقيق المطالب الأميركية (والإسرائيلية) التي تريد من السادات أن يقطع علاقاته بالسوفيات، ولكن الرجل كان يتردد. ولعله كان يعلم أنّ قطع العلاقة مع حلفائه يعني قطع السلاح عن الجيش المصري. وذلك معناه أيضاً أنّ إمكانية الصراع مع إسرائيل، واسترجاع مصر لأرضها المحتلة، ستسد تماماً. وكان السادات يخشى إن هو أبطل المواجهة العسكرية من دون أن يحقق شيئاً من المكاسب السياسية، في ظل قطاعات جامحة من الشعب المصري مستنفرة منذ أعوام في جبهات القتال. وفي أوائل شهر تموز 1972، وصل إلى القاهرة وزير الدفاع السعودي سلطان بن عبد العزيز ليلتقي السادات. ووعد الأمير سلطان الرئيس المصري بأنّ السعودية ستتدبر أمر تسليح الجيش المصري بأحدث أنواع الأسلحة الأميركية إن هو قطع علاقته بحلفائه الروس (7)، وستضغط السعودية بعد ذلك على الإدارة الأميركية لكي ينسحب الإسرائيليون من سيناء. ولقد صدّق السادات وعود السعودية، أو إنه كان يحب في نفسه أن يصدّقها.
في 18 تموز 1972، أصدر أمراً مفاجئاً وغير متصوّر يقضي بطرد جميع الخبراء السوفيات وإجلاء عائلاتهم من مصر، في ظرف أسبوع واحد. ولقد كان تعداد هؤلاء جميعاً يتجاوز 15 ألف نسمة، وقتئذ. وكان قرار طردهم بذلك الشكل المهين، وكأنهم جماعات من اللاجئين قد جاؤت إلى مصر تتسوّل، قراراً قاسياً وظالماً وجارحاً لكرامة دولة عظمى.
وعلى الرغم من ذلك، فإنّ قادة الاتحاد السوفياتي كظموا غيظهم. ولم يردوا الأذى بأذى مماثل. على العكس من ذلك فإنهم أكملوا إمداد المصريين بكل السلاح الذي طلبوه، بل إنهم أمدوهم بأنواع جديدة متطورة من السلاح، مثل طائرات الميغ 23، والسوخوي 20، وصواريخ الطويلة المدى، ونظم الحرب الالكترونية... ولقد كان عجيباً أن لا ينتقم سادة الكريملين من السادات، وأعجب من حِملهم صفاقة الرئيس المصري، فإنه لم يجد ما يقوله حين لم يقطع السوفيات السلاح عن مصر، إلا هذه الكلمات التالية (التي يرويها محمد حسنين هيكل في الصفحة 259 من كتابه «أكتوبر73: السلاح والسياسة»): «قلعت الجزمة وضربتهم بها فوق رؤوسهم، فجاؤوا يبوسون الأيدي»!
لقد حارب الجيش العربي المصري، والجيش العربي السوري العدو بهذه الأسلحة، في حرب تشرين 1973، وحققا ما حققاه بفضلها. لكنّ السادات لم يشكر فضل أحد، وأكمل استدارته وإعراضه عن الذين وقفوا مع العرب في أعوام المحنة والضيق. وأخذ يلهث في الجري خلف الأميركيين معتقداً بأن في أيديهم وحدهم 99 في المئة من «أوراق اللعبة» في الشرق الأوسط. وفي سبيل إرضاء السادة الجدد رضي السادات أن يصنع أي شيء، بما في ذلك تسليم طائرتين من طراز ميغ 23، إلى الأميركيين لكي يفككوهما، وليتبيّنوا التكنولوجيا السوفياتية فيهما. وكانت تلك الطائرتان منحة من السوفيات لمصر، وكانتا من أحدث ما امتلكته موسكو في سلاح جوها. ولم يكتف السادات، فقد سلم للأميركيين نماذج من صواريخ سام 6، وسام 7، ونماذج من صواريخ «مولوتكا» المضادة للدبابات... ثم إن السادات لم يكتف بعدُ، فشحن أطناناً من السلاح السوفياتي الذي قُدّمَ هدية لمصر في حروبها مع إسرائيل، إلى الأفغان كي يقتلوا به السوفيات!
وكان ذلك هو جزاء الصديق الذي وقف مع العرب في أيام الضيق!

هوامش

(1) في الحقيقة فإنّ التدخل السوفياتي المباشر في الحروب العربية ضدّ «إسرائيل» لم يبدأ عام 1970، بل حدث قبل ذلك بكثير. وحين رفض الغرب، بعد تولي عبد الناصر للحكم، تسليح الجيش المصري، فإنّ الاتحاد السوفياتي تدخل متطوعاً، وزوّد مصر بما كانت تحتاجه عبر ما عُرف آنذاك بصفقة «الأسلحة التشيكية». وبعد ذلك بعام واحد تدخل الاتحاد السوفياتي مباشرة لمساندة الجانب العربي، عبر إنذاره للمعتدين بأنه قادر على أن يستهدف عواصمهم. وبذلك توقف العدوان الثلاثي على مصر، وانسحب الغزاة الصهاينة من سيناء خائبين عام 1956. ثمّ إنّ موقف القيادة السوفياتية بالتدخل العسكري المباشر لحماية المدنيين والمنشآت والبنية التحتية في مصر، قد تكرر لاحقاً مع دمشق إبان تدمير «إسرائيل» لبطاريات الدفاع الجوي السوري الموجودة في سهل البقاع اللبناني عام 1981. وهنالك أيضاً تدخلت موسكو مباشرة، وأرسلت قوات سوفياتية لحماية سماء سوريا. وإبان الغزو الصهيوني للبنان عام 1982، اشترك طيارون سوفيات تحت الراية السورية في معارك جوية ضد القوات «الإسرائيلية»، وقتل البعض منهم وهم يدافعون عن قضية عربية. لكن مع الأسف، فإنّ واحداً من العرب لا يذكر لأولئك الرفاق في السلاح جزاء ولا شكورا!
(2) ذات مرّة، حدث أن زار الملك فيصل آل سعود واشنطن، في شهر أيار 1971، وقابل الرئيس نيكسون في البيت الأبيض. وأثناء الدردشات بينهما، أحب فيصل أن يستعرض على مضيفه نظريته عن علاقة الشيوعية باليهودية، ونظريته الثانية عن أصول القادة السوفيات. وقال الملك السعودي، من جملة ما قاله، إنّ بريجنيف هو بلا شك يهودي. وسأله نيكسون كيف أمكنه أن يعرف ذلك؟ فأجابه فيصل، بكل ثقة في نفسه، أنّ «ليونيد» هو الاسم الأول لبريجنيف، وهو لفظ مشتق من اسم لا يتسمى به إلا اليهود، وهو «ليون». وبذلك يكون بريجنيف يهودياً بلا شك! وكتم نيكسون ضحكاته حتى لا تنفجر. لكنّ مستشار الأمن القومي يومها هنري كيسنجر، وكان حاضراً في الاجتماع، ظل يحكي القصة لكل من يقابله.
(3) وصل فشل الجيش المصري إلى ذروته: في الجو والبر والبحر والاستخبارات، يوم 9 سبتمبر 1969، حين قامت «إسرائيل» بإنزال بحري لسرية كاملة من دبابات «تي 55» السوفياتية التي غنمتها سليمة، بعد أن تركها طواقمها في الصحراء، في حرب حزيران 1967. ولم تتصد البحرية المصرية للإنزال الذي قام به العدو، على ساحل البحر الأحمر. ثمّ اتجهت الدبابات جنوباً إلى منطقة الزعفرانة، ولم تتصد لها أي قوات برية مصرية. ثمّ قام الإسرائيليون بسرقة رادار سوفياتي حديث، ولم تتصد لهم قوات الدفاع الجوي، ولا سلاح الطيران المصري. وبقي الإسرائيليون في الموقع المصري ست ساعات كاملة، وصوّروا فيه فيلماً عرضوه في المساء على تلفزيونهم. ولم تكتشف المخابرات الحربية المصرية شيئاً. ولقد بلغ الغضب بالرئيس عبد الناصر مبلغه حين علم بهذه الأخبار، وأمر بعزل قائد الأركان اللواء أحمد إسماعيل علي (صار مشيراً بعد ذلك، وقائداً للجيش).
(4) لم يكن صحيحاً ما ادعاه الفريق صادق بأن طائرات الميراج 5 التي اشترتها ليبيا لمصر، هي أحسن من الميغ 17. ومثلاً فإنّ قيادة الميغ أسهل، ومحركها أفضل، وصيانته أبسط، وهيكل طائرتها يتحمل الإصابات المباشرة أكثر من هيكل الميراج. كما أنّ الميغ 17 مزودة بثلاثة مدافع رشاشة قوية... وعموماً فقد مرّت الأعوام، وردّت الحكومة المصرية «الجميل الليبي» جيداً... فبعد أن حصلت على أغلب ما اشترته ليبيا من طائرات الميراج هبة أخوية، أرسل الرئيس المصري أنور السادات في 21 تموز 1977، هذه الطائرات التي اشترتها طرابلس لمصر لأجل أن يقصفوا ليبيا نفسها، وليقتلوا عدة مئات من شعبها!
(5) كانت العلاقة بين رئيس المخابرات السعودية كمال أدهم وبين أنور السادات وثيقة وقوية وقديمة. فلقد توطدت العلاقة بين الرجلين منذ عام 1955. وطوال فترة الستينيات كان رئيس المخابرات السعودية يهدي السادات هدايا ثمينة. ولقد حاول عن طريقه أن يستقطب رجالاً في دائرة الحكم المصري. وحصل مثلاً أن تلقى عبد الحكيم عامر هدايا سعودية قيّمة (سيارات كاديلاك) عن طريق أنور السادات. ولقد كشفت صحيفة «واشنطن بوست»، في عددها ليوم 24 شباط 1977، سلسلة تسريبات لوثائق مهمة من أرشيف "سي آي إيه"، وكانت إحدى هذه الوثائق تتعلق بقيمة المبالغ الدورية التي تلقاها السادات من المخابرات السعودية، كراتب ثابت.
(6) كان السادات كارهاً بعمق للشيوعيين. ولقد حدث يوماً أن جاءه السفير السوفياتي في أيار 1971، يرجوه أن يتدخل بما له من حظوة عند جعفر النميري حاكم الخرطوم، لكي لا ينفذ الأخيرُ أحكاماً جائرة بإعدام زعيم الحزب الشيوعي السوداني عبد الخالق محجوب، والزعيم النقابي البارز الشفيع أحمد الشيخ. وفعلاً وعد السادات السفير السوفياتي بأنه سيتصل بالنميري، ويتوسط للرجلين. ولقد اتصل فعلاً، لكنه بدل أن يبذل مساعيه الحميدة، فقد طلب من النميري أن يتخلص من الثعبان (الشفيع) ومن رأسه (عبد الخالق محجوب). ومن سوء الحظ، فإنّ السوفيات التقطوا المكالمة بين الرئيسين العربيين. وساءهم أنّ «حليفهم» في القاهرة، يسخر منهم.
(7) كان السعوديون يكذبون على المصريين. ولم يسلح آل سعود مصر بشيء يفيدها في مسعاها لتحرير أرضها من «إسرائيل». وفي حرب تشرين (أكتوبر) 1973 قدّمت دول عربية عديدة لمصر مدداً من السلاح والمقاتلين. لكنّ آل سعود لم يقدموا لمصر شيئاً. قصارى ما فعلوه أنهم أوقفوا ضخ النفط أسابيع معدودة عن بعض الدول الغربية. ولقد امتلأت جيوبهم كثيراً بسبب هذه المناورة.
* كاتب عربي