لا يستحقّ موضوع لقاء الحاج أمين مع هتلر أن نعود إليه دوريّاً كلّما أثاره صهيوني ما. والموضوع نال من الحديث والكتابة والبحث ما لا يستحقّه. الغرض من كل ذلك كان طبعاً تشويه كل القضيّة الفلسطينيّة بناء على أفعال رجل واحد اتصف بالغباء الشديد، أو كان الغرض الرد على الدعاية الصهيونيّة والوقوع غير المقصود في حبائلها.


والحكم على الحاج أمين الحسيني لا يتغيّر على مرّ العقود: على العكس، فإن ما لدينا من وثائق يثبت بالقاطع أن الحسيني أضرّ أيما ضرر بالقضيّة الفلسطينيّة في نشأتها المُبكّرة لكنه لا يتحمّل وحده وزر ضياع فلسطين. ولا يرتبط هذا الحكم ضد الحاج أمين بالدعاية الصهيونيّة التي تربط بين الحسيني وهتلر بصورة مضحكة (راجع مثلاً كتاب «أيقونة الشرّ: مفتي هتلر وصعود الإسلام الراديكالي» لديفيد دالن وجون روثمن والذي يحمّل الحسيني المسؤوليّة عن تفجيرات أيلول، ص-١٤١-١٤٣)، وكأن علاقة الحسيني بهتلر هي التي دفعت الصهاينة إلى احتلال فلسطين وهي التي دفعت بالغرب لتبنّي الحركة الصهيونيّة.
لكن غباء الحسيني يرجع لأسباب عدة: ١) كيف غاب عن بال الحسيني في علاقته مع الحكم النازي ان العقيدة النازيّة تضع العرب في أسفل السلّم العرقي وأن هتلر وصف العرب بـ«أنصاف القرود المصبوغين الذين يستحقّون الجلد»؟ لقد ظنّ الحسيني أن كره هتلر لليهود سيجعل منه مُحبّاً للعرب. ٢) فشل الحسيني في كل محادثاته ومراسلاته مع الحكم النازي في استحصال وعد أو دعم لفكرة الاستقلال العربي أو الحركة القوميّة العربيّة، كما كان يريد. ٣) كيف يمكن ان يغيب عن بال الحسيني ان الحكم النازي كان (مثل الحكم الفاشي في إيطاليا) موالياً للصهيونيّة، وكانت ألمانيا في عهد هتلر تتعامل مع التنظيمات الصهيونيّة بتساهل لم تحظَ به المنظمّات اليهوديّة غير الصهيونيّة او المعادية للصهيونيّة. ٤) ان الحكومة النازيّة كانت تستخدم قيادته للحركة الوطنيّة الفلسطينيّة والإسلام لغاياتها هي (كما استخدمت أميركا الإسلام في الحرب البادرة لغاياتها). ٥) كان عليه ان يتقاعد بمجرّد أن فشل رهانه على دول المحور في الحرب العالميّة (كما ان عرفات كان يجب ان يتقاعد بعد ان فشل رهانه على نصر صدّام حسين في اجتياح الكويت في عام ١٩٩٠، أو في رهانه على دول الخليج لتحرير فلسطين له). ٦) تأخّر الحسيني في الكشف عن نوايا الاحتلال البريطاني في فلسطين وقبول التهدئة بعد تشكيل سلطة الانتداب وقبول التعيين في منصب الإفتاء من قبل المفوّض السامي، هربرت سمويل، وكان من عتاة الصهاينة في بريطانيا. ٧) لم يعِ الحاج أمين، الذي رحّب بالحكم النازي مبكّراً في عام ١٩٣٣، أن الحكومة الجديدة ستكون مسؤولة عن زيادة الهجرة اليهوديّة إلى فلسطين. صحيح ان المفتي طلب من الحكومة الألمانيّة عدم إرسال اليهود إلى فلسطين، لكنهم تجاهلوا طلبه عبر السنوات، كما تجاهلوا كل مطالبه السياسيّة. (لم يكن الحاج أمين وحيداً بين القادة الفلسطينيّين الذين عوّلوا على الحكم النازي: فقد سافر موسى العلمي إلى برلين في آب ١٩٣٧ وعقد لقاءات مع مسؤولين ألمان، لكن لم يصلنا أي وثيقة ألمانيّة عن محضر اللقاء، كما انه لم يرد ذكر لتلك الرحلة في سيرة العلمي التي كتبها له دبلوماسي بريطاني متقاعد في عام ١٩٦٩).


لن تتوقّف الأكاذيب الصهيونيّة عن الحاج أمين وعن غيره من العرب

مناسبة الحديث ليست العودة المُكرّرة إلى سجلّ الحسيني بل الكلام الدعائي لنتنياهو في خطبة أميركيّة له. والصحافة العربيّة تعاملت مع الخطبة بقليل من الاستخفاف معتمدة على التهكم الذي لحقه من الصحافة الغربيّة وبعض الصحافة الإسرائيليّة. وهناك في الصحافة العربيّة من نصح نتنياهو بالاسترشاد بالتأريخ «الرصين» لأبيه (بنزيون نتانياهو) - والأخير كان دعائياً وسكرتيراً لفلاديمير جابوتنسكي الذي عرّف الأمّة بأن أساسها يكمن في «فرادة صورتها، وصفاتها الجمسانيّة المُمَيِّزة، مجموع وصفتها العرقيّة»، وكان يستعمل مصطلحات «الصفاء العرقي». ومؤلّف بنزيون الأساسي عن «المحنة في إسبانيا القرن الخامس عشر» أهمل التفسيرات والمراجع الأكاديميّة التقليديّة، وعارض كل التراث التاريخي في نفي يهوديّة المارانوس في إسبانيا. كما أنه وصل إلى الأكاديميا الأميركيّة بعد لأي عن طريق العمل السياسي الصهيوني (وهو كان مرتبطاً بأقسام الدراسات العبريّة واليهوديّة حيث يسيطر الصهاينة على المعايير الأكاديميّة والتوظيفيّة فيها).
ومقولة نتنياهو ليست جديدة أبداً والمبالغة في الحديث عن علاقة المفتي بهتلر، أو حتى مسؤوليّته عن المحرقة بات دوغما في السرديّة الصهيونيّة. وكلام نتنياهو عن مسؤوليّة المفتي يعرّضه للتجريم القانوني والعقوبة في فرنسا وكندا والنمسا وألمانيا، بتهمة معاداة الساميّة وإنكار المحرقة لكن يحق للصهاينة في الغرب ما لا يحقّ لغيرهم. وتبرئة هتلر من قبل نتنياهو هي إنكار للمحرقة ورمي مسؤوليّتها على الشعب الفلسطيني. والربط بين المحرقة وبين الشعب الفلسطيني والنكبة خدعة صهيونيّة يساهم بعض العرب فيها عن جهل أو غباء. ولم يكن كلام نتنياهو هذا جديداً إذ أنه قال كلاماً مُشابهاً في كتابه الصادر في التسعينيات بعنوان «مكان بين الأمم». والإنتاج التأريخي الهزيل للصهاينة عن الموضوع يختلق مرّة في العقد أو أكثر ربطاً جديداً للعلاقة بين المفتي السيّئ الذكر وبين هتلر. هاكم كتاب باري روبن وولفغانغ شوانيتز: «نازيّون، إسلاميّون، وتكوين الشرق الأوسط الجديد» (الصادر في عام ٢٠١٤ والذي يبدو انه عزّز فبركات نتنياهو)، والذي يرد فيه بالحرف: «في لقائهما توصّل (هتلر والحسيني) إلى عقد اتفاق بينهما لإبادة اليهود في أوروبا والشرق الأوسط، وبعده مباشرة أعطى هتلر أوامره للتحضير للمحرقة» (ص. ٦).
والإستغلال السياسي الرخيص للمحرقة وضحاياها عريق في التاريخ المعاصر للحركة الصهيونيّة، وخصوصاً في فرعها الأميركي، وكان أوّل من درسها من زاوية أكاديميّة أميركيّة المؤرّخ بيتر نوفيك «المحرقة في الحياة الأميركيّة». لكن المرحلة الحاليّة من الدعاية الصهيونيّة المحمومة بلغت حدّاً مجنوناً لا يعير فيه الدلائل والحقائق والوقائع أي اعتبار. وليس هناك من إشارة إلى دور المفتي إلاّ ما ورد على لسان مساعد أدولف إيخمان، ديتر وسليسني، الذي حاول ان ينفي عن نفسه وعن هتلر أي تهمة في محاكمات نورمبرغ ونسب كل ويلات الحرب العالميّة الثانية والمحرقة إلى المفتي (ومحكمة نورمبرغ لم تتهم المفتي بأي جريمة حرب، وكان حيّاً يُرزق حينها، بالرغم من سعي الصهاينة نحو ذلك). وقد حاولت السلطات الإسرائيليّة المحتلّة الضغط على إيخمان بعد خطفه من أجل ان يحمّل المفتي مسؤوليّة المحرقة وان يعظّم من دوره دون طائل، لأنه اعترف فقط انه رآه في لقاء عابر في حفلة استقبال مرّة واحدة.
لكن تاريخ السياسة الألمانيّة النازيّة نحو العرب والقضيّة الفلسطينيّة مشوب بالمغالطات الغربيّة والعربيّة على حدّ سواء. ولماذا يحظى لقاء هتلر بالحاج أمين بهذه التغطية الشاملة فيما قابل مسؤولون عرب آخرون هتلر والقادة النازيّين من دون أي ضجّة عالميّة. الأمير شكيب أرسلان كان وثيق الصلة بالقيادة النازيّة وسعى سعياً حثيثاً للقاء هتلر لكنه فشل بالرغم من علاقته الحميمة مع مسؤولين ألمان. كما ان القيادة النازيّة عوّلت عليه في سياساتها ودعايتها نحو العرب. وعندما حاول الخبير الألماني في الشؤون العربيّة، فريتز غروبا (السفير الألماني في بغداد) إصدار ترجمة «مُحرّرة» من الإهانات العنصريّة للعرب والساميّين من نسخة «كفاحي»، رفضت وزارة الخارجيّة الألمانيّة اقتراحه وطلبت من شكيب ارسلان إعداد ترجمة حرفيّة.
و«بنهاية ١٩٣٨، أشرف أرسلان على إكمال الترجمة. وكان المشروع ان يصدر بين ١٠,٠٠٠ إلى ٤٠,٠٠٠ نسخة من الـ٩٦٠ صفحة من الترجمة التي أعدّها أرسلان» («الدعاية النازيّة نحو العالم العربي» لجيفري هرف، ص. ٢٦). لكن المشروع لم يكتمل لأسباب غير معروفة كليّاً. (راجع كتاب ويليام كليفلند «إسلام ضد الغرب» عن شكيب أرسلان، والذي يوضح طبيعة العلاقة بين وألمانيا وإيطاليا وأرسلان، الشديد الحرص والنزاهة في الأمور الماليّة (ص. ١٥٤)، وعن الفارق بين علاقة ألمانيا مع المفتي ورشيد علي الكيلاني اللذين تلقيا عطايا سخيّة من الحكومة النازيّة).

تاريخ السياسة النازيّة نحو القضيّة الفلسطينيّة مشوب بالمغالطات الغربيّة والعربيّة

لكن اللقاء الذي يعيب العرب والمسلمين أكثر من لقاء شكيب أرسلان هو اللقاء بين مندوب الملك عبد العزيز آل سعود، خالد الهود وبين هتلر في ١٩٣٨، أي قبل ثلاث سنوات من لقاء الحاج أمين مع هتلر. في هذا اللقاء، أفاض هود في الإشادة بهتلر لا بل هو شبّهه بالرسول وقال إن معارك هتلر ضد اليهود ليست إلاّ تكراراً لمعارك الرسول ضد اليهود في المدينة (هناك وصف للقاء في كتاب جيلبير الأشقر، «العرب والمحرقة النازيّة»، ص. ١٢٥-١٢٦، وفي أطروحة دكتوراه لفهد بن عبدالله السماري عن جامعة كاليفورنيا، ريفرسايد، عن «الملك عبد العزيز وألمانيا»). وكان الحكم السعودي آنذاك يعمل على عقد صفقة أسلحة مع ألمانيا، وقد وافق هتلر بعد اللقاء على إرسال شحنة أسلحة إلى السعوديّة وإنشاء معمل ذخيرة في السعوديّة.
وقد يكون الخنجر المُزخرف بالصليب النازي المعقوف، والذي زيّن مكتب الملك عبدالله بن العزيز حتى أخر أيّامه، من الهدايا التي أرسلها هتلر إلى عبد العزيز في هذا اللقاء. أما اللقاء بين الحاج أمين وبين هتلر (وفق المحضر الذي أعدّ عنه) فلم يتطرّق إلى الإبادة، كما يزعم الصهاينة هذه الأيّام، بل كان محدّداً وتفصيليّاً بغرض طلب المعونة من ألمانيا في الحرب العربيّة ضد الصهاينة والبريطانيّين (وإن وصف الحسيني الصهاينة بـ«اليهود»). وقال المفتي لهتلر إنه يشاطره في العداء ضد بريطانيا واليهود والشيوعيّة (لماذا لا يتم الاعتراض على عداء هذا المفتي ضد الشيوعيّة؟)، لكن هتلر كما بات معروفاً ردّ المفتي على أعقابه وإن أمر بتمويله هو واستعماله في الحرب الألمانيّة الدعائيّة (الإذاعيّة) نحو العرب (قدّر تقرير رسمي أميركي عدد أجهزة الراديو في عام ١٩٤١ في العالم العربي على هذا الشكل: ٤٠٠٠ في العراق و٢٥ في السعوديّة و٦٠٠٠ في سوريا. (راجع تقرير في الأرشيف الوطني الأميركي لآن فولر، في كتاب هرف أعلاه).
المغالطة الكُبرى عن السياسة الألمانيّة نحو العالم العربي في العهد النازي هو الجهل بأن ألمانيا - بتوجيه من هتلر - كانت تدعم الحركة الصهيونيّة وتؤيّد مسعاها في تحقيق الهجرة («الشرعيّة» وغير الشرعيّة) إلى فلسطين. (وهذا ينطبق أيضاً على موسوليني الذي كان مؤيّداً للحركة الصهيونيّة في العشرينيات وأوائل الثلاثينيات). وظهر موقف هتلر المؤيّد للصهيونيّة مُبكِّراً في عام ١٩٢٠ عندما خطب قائلاً (ردّاً على معترض على كلامه عن اليهود): «إن على اليهود ان يسعوا لحقوقهم الإنسانيّة في دولتهم فلسطين، حيث ينتمون» (راجع فرانسيس نيكوسيا، «الرايخ الثالث والقضيّة الفلسطينيّة»، ص. ٢٧). وتكرّست العلاقة الرسمية بين الصهيونيّة والنازيّة في اتفاقيّة «هعبرا» التي سمحت بِـ -وسهّلت - هجرة اليهود الألمان إلى فلسطين مع السماح بقدر معيّن من نقل الأموال. وكتب راينهارد هيدريش في عام ١٩٣٥ أن الحكومة الألمانيّة «تجد نفسها في إتفاق تام مع الحركة الروحيّة العظيمة بين اليهود أنفسهم، اي الصهيونيّة، مع اعترافها بتضامن اليهود حول العالم ورفض كل الآراء الإندماجيّة» (كتاب نيكوسيا، ص. ٥٧). أكثر من ذلك، فإن سلطات الشرطة الألمانيّة سمحت بين عاميْ ١٩٣٥ و١٩٣٦ للوكالة اليهوديّة بإرسال مدرّبين من فلسطين إلى ألمانيا لإعداد المهاجرين الهيود للرحيل إلى فلسطين. وكانت المذكّرات الألمانيّة الرسميّة تسعى إلى فرض الهجرة الحصريّة إلى فلسطين على يهود ألمانيا.
وعندما تعاظمت الحاجة الفلسطينيّة إلى الدعم بعد عام ١٩٣٧ وفشل الثورة الكبرى، ازدادت الآمال بالحصول على دعم مالي وتسليحي من ألمانيا، لكن الحكومة الألمانيّة كانت واضحة في تعليماتها إلى دبلوماسيّيها في أنها ليست في وارد تقديم أي عون مادّي أو عسكري للشعب الفلسيطيني كما أنها لم تكن في وارد إزعاج السيطرة البريطانيّة على الشرق، وكان هتلر مؤيّداً لها لأسباب عنصريّة واستراتيجيّة. ولهذا فإن هتلر تدخّل لحسم النقاش بين مرؤوسيه من أجل الاستمرار في سياسة دعم الهجرة اليهوديّة إلى فلسطين. ويمكن معرفة حقيقة السياسة الألمانيّة من الأرقام، فقد بلغ عدد المهاجرين اليهود من ألمانيا إلى فلسطين مئة ألف بين عاميْ ١٩٣٨ و١٩٤٨ (كتاب نيكوسيا، ص. ١٦١). وهذا الحجم لم يكن ممكناً الوصول إليه من دون التعاون بين المندوبين الصهاينة وبين الـ«غستابو». صحيح ان ألمانيا وافقت على شحنة أسلحة بسيطة إلى العرب في عام ١٩٣٨ (عبر العراق والسعوديّة لكن الخطة فشلت لأن مساعد وزير الخارجيّة السعودي، فؤاد حمزة، كان يعمل سرّاً لصالح البريطانيّين حسبما كشفت الوثائق البريطانيّة المنشورة - كما ان الملك عبد العزيز لم يكن في وارد إحراج البريطانيّين لأكثر من سبب بما فيه رغبته في ان يتولّى واحد من أبنائه خلافة الأمير عبد الله في الأردن).
وكان هناك أخذ وردّ بين المسؤولين الألمان حول سبل التعاطي مع الحركة العربيّة إلاّ ان هتلر كان يحيد دوماً إلى تأييد الحركة الصهيونيّة وتبنّي مشروع الهجرة اليهوديّة الألمانيّة إلى فلسطين، حتى بعد تقرير لجنة بيل عام ١٩٣٧، والذي وردت فيه للمرّة الأولى فكرة بريطانيّة صريحة عن إنشاء دولة يهوديّة. وقد تسبّب التقرير بنقاش بين خبراء الشرق الأوسط في الحكم النازي حول طريقة التعاطي مع القضيّة الفلسطينيّة وحسمها هتلر بأن أمر بالاستمرار في السياسة السابقة. وفكرة الدولة اليهوديّة نبّهت عتاة كارهي اليهود في الحكم النازي، مثل ألفرد روزنبرغ (الذي أكثر من غيره ساهم في تكشيل العقل الإبادي الهتلري ضد اليهود، أو في رفع وتيرة لاساميّة هتلر نحو اللاساميّة الإباديّة) الذي حذّر من إمكانيّة قدرة اليهوديّة العالميّة على السعي نحو السيطرة على العالم، وفق الوثيقة المزوّرة لـ«بروتوكولات حكماء صهيون»، والذي كان روزنبرغ أوّل من روّج لها في ألمانيا.
ولم تكن الصهيونيّة بعيدة عن الفكرة النازيّة للقوميّة منذ البداية، وقبل تشكّل «الصهيونيّة السياسيّة» في حقبة هرتزل. هذا ما كتبه المؤلّف الصهيوني المُبكّر، موسى هس، عام ١٨٦٢: «كل التاريخ الماضي كان متركّزاً على الصراع بين الأعراق والطبقات. إن صراع الأعراق هو الأساس، بينما الصراع الطبقي هو ثانوي. والمحاججة الصهيونيّة ضد الاندماج المواطني تواءمت مع الفكرة النازيّة عن القوميّة والأقليّات. ولم يكن هرتزل أو غيره من القادة الصهيانة الأوائل بعيدين أبداً عن التعاون مع معادي الساميّة، وقد ورد ذلك في كتابه «دولة اليهود» (لنكفّ في العالم العربي عن الترويج للترجمة الصهيونيّة الخاطئة عن قصد لعنوان الكتاب).
كما أن موقف هتلر من الإسلام أصبح موضوع أخذ وردّ وتحوّل في الدعاية الصهيونيّة الحديثة وفي الدعاية الغربيّة المعادية للإسلام إلى مادة إضافيّة لإهانة القضيّة الفلسطينيّة والمسلمين قاطبة. لم يكن هتلر مطلعاً على الإسلام ولم يتعاطَ مباشرة مع القضايا العربيّة والمشرقيّة التي كان شديد الحرص على تركها لبريطانيا في سنوات ترقّبه لتحالف بينه وبين بريطانيا، او حتى في سنوات آماله بحياد بريطاني. فقط عندما غزا هتلر تشيكوسلوفاكيا تذكّر احتلال بريطانيا لفلسطين من باب تسويغ احتلاله هو، وليس من باب مناصرة شعب فلسطين. نقل وزير هتلر ومهندسه المعماري المُخادع، ألبرت شبير، تلك المحادثة على واحدة من مآدب هتلر والتي عبّر فيها عن تبرّمه من المسيحيّة بكلام مُستقى من النقد النيتشوي، وقال فيها إنه يفضّل الإسلام على المسيحيّة لأنه يوحي بالقوّة والانتصار، أو كلام من هذا القبيل.
لكن الخبير الدبلوماسي الألماني، فرانز غروبا، لخّص في مذكّراته اسباب تمنّع ألمانيا النازيّة عن مساندة الحركة العربيّة القوميّة وعن استغلال العداء العربي ضد الاستعمار البريطاني والفرنسي: قال إن الأسباب تعود إلى عنصريّة هتلر ضد العرب وعدم اهتمامه السياسي بالشرق الأوسط واحترامه للمصالح البريطانيّة والإيطاليّة في منطقة البحر المتوسّط وتفضيله السيطرة البريطانيّة في المشرق العربي على غيرها.
ليست الأكاذيب التاريخيّة عرضيّة في تاريخ الصهيونيّة. يمكن القول إن الأكاذيب والتلفيق والتزوير كانت جزءاً ضروريّاً من ذخائر الحركة الصهيونيّة لأن تسويغ احتلال فلسطين الآهلة بالسكّان لم يكن ممكناً في القرن العشرين من دون اختلاق حقائق ووقائع تتعارض مع الحقيقة التاريخيّة والحقائق على الأرض الفلسطينيّة. لم يمرّ زعيم فلسطيني أو عربي مُعارض لدولة العدوّ أو مُشارك في الحرب ضدّها إلا ووُصف في إعلام الصهيونيّة بأنه نازي. وبلغت القحّة بالصهاينة الأميركيّين انهم عيّروا عبد الناصر بالنازيّة مع أن خطبه - خلافاً لكتابات وخطب أنور السادات - خلت من معاداة اليهود كيهود، كما أنهم ثاروا على لجوء علماء ألمان إلى مصر مع ان أميركا استوعبت من العلماء والجواسيس النازيّين أكثر من غيرها. وما أن انطلقت المقاومة الفلسطينيّة في الستينيات حتى سارع صهاينة الغرب (اليمينيّون والليبراليّون) إلى وصفها بالنازيّة: من أموس عوز إلى إيلي فيسيل. وقد اختلق الصهاينة خطبة لأحمد الشقيري غير موجودة، ولو بقي في منصبه بعد ١٩٦٧ لكانوا زعموا أنه هو من التقى بهتلر أيضاً، وانه حرّض الأخير على إبادة اليهود - كأن هتلر في كرهه لليهود يحتاج إلى تحريض من أحد. وعانى ياسر عرفات من تلفيقات الصهاينة هو الآخر وبعده حسن نصرالله.
لكن العداء العربي لليهود، والذي ترافق مع انطلاق الحركة الصهيونيّة، لم يكن عرقيّاً مثل اللاساميّة الأوروبيّة (وباعتراف عدوّ العرب، المؤرّخ برنارد لويس) بل كان سياسيّاً. والإعلام الصهيوني يصوّر العداء العربي للإسرائيليّين بأنه من منطلقات لا ساميّة كأن الشعب الفلسطيني كان سيقبل بسرقة أرضه من مهاجرين بوذيّين أو هندوس أو مسلمين. وعمليّات طعن المستوطنين الجارية على أرض فلسطين تُصوّر في الصحف هنا، وفي عناوين مثيرة، على أنها قتل «لليهود»، كيهود. أي ان على الشعب الفلسطيني مطاردة غير اليهود بين سكّان ومستوطني فلسطين، أي ان ما عليه إلا مطاردة وطعن العرب الآخرين على أرض فلسطين.
لن تتوقّف الأكاذيب الصهيونيّة عن الحاج أمين وعن غيره من العرب، لكن المعارك الدعائيّة مع العدوّ لا يجب ان تؤدّي إلى جرّ العرب إلى معارك خاسرة، أو إلى اتاحة المجال امام العدوّ لتحديد مواضيع السجال خصوصاً عندما تكون في صالحه. والإلمام بالحقائق التاريخيّة يفيد العرب لأنها ليست في صالح العدوّ الذي - منذ نشوء الحركة الصهيونيّة - يحتمي بالتزوير والتلفيق والكذب.
* كاتب عربي (موقعه على الإنترنت:
angryarab.blogspot.com)